ملفّات

...

 الحوزة   

إغداق الخيرات والكفر بالنعم

كان بنو إسرائيل على مقربة من موسى الذي أيّده اللّه بالمعجزات الكافية التي أدّت إلى خلاصهم من العذاب الذي لاقوه على يدي فرعون وقومه، إلاَّ أنَّ بني إسرائيل الذين وطنّوا أنفسهم على عبادة الأوثان والأصنام زمناً طويلاً لـم يعتبروا ويتعظوا معجزات موسى، فما أن جاوزوا البحر حتّى طلبوا منه أن يأتيهم بصنمٍ كي يعبدوه، فلامهم على جهلهم ﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قومٍ يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنَّكم قومٌ تجهلون * إنَّ هؤلاء متبرّ ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون * قالوا أغير اللّه أبغيكم إلهاً وهو فضّلكم على العالمين﴾ (الأعراف:138ـ140).

وبعد هذه الرحلة الشاقة، ووصول بني إسرائيل إلى الشاطئ الشرقي، حيث أخذ الجوع منهم والعطش كلّ مأخذ، وأضناهم حرّ الصحراء، فشكوا أمرهم إلى موسى فأشار اللّه سبحانه وتعالى ﴿ أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشر عيناً﴾ لكلّ قبيلة منهم عين ترويها، وكان قد ظللهم بالغيوم من حرارة الشمس أثناء مسيرهم في سيناء إذ لا ماء ولا شجر ولا مكان يـأوون إليه ﴿ وظلّلنا عليهم الغمام﴾ ، أمّا الطعام فقد أنزل عليهم ﴿ المنّ والسلوى كلّ من طيبات ما رزقناكم﴾ ولكن بني إسرائيل بدل أن يشكروا على هذه النعم التي أغدقها اللّه عليهم كفروا بها ﴿ وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ (الأعراف:160).

كان موسى(ع) قد أخبر بني إسرائيل وهم في مصر، بأنَّ اللّه سيهلك فرعون، وأنَّه سينـزل عليهم كتاباً من عنده فيه الأوامر والنواهي التي ينبغي أن يسيروا عليها، فلمّا أهلك اللّه فرعون سأل ربّه الكتاب، فأمره أن يأتي إلى جانب الطور الأيمن ويمكث فيه ثلاثين ليلة صائماً متعبّداً للّه، ولكن ما إن أتـمّ موسى(ع) المدّة المعينة حتّى أمره اللّه أن يبقى لمدّة عشرة أيام استكمالاً لعبادته ﴿ وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتمّ ميقات ربّه أربعين ليلة﴾ وكان موسى (ع) قد ترك أخاه هارون ليخلفه في قومه وليصلح أموره، وحذره من انحراف قومه ﴿ وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين﴾ (الأعراف:142).

انقطع موسى (ع) بكامل قواه وبصيرته للعبادة، فنال بذلك مرتبة لـم يحظَ بها أحدٌ من بني البشر حتّى وقتذاك، ولشدّة لهفته بدأ يناجي ربّه ليتجلى له ويراه، ولكنَّ اللّه سبحانه وتعالى ردَّ على موسى(ع) بأنَّه لن يراه، لأنَّ هذا الأمر فوق ما يتصوّره العقل، ولا تتحمّله الجبال، فكيف ببني البشر، ﴿ ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل إن استقر مكانه فسوف تراني﴾ ، وتجلّى الباري للجبل بعد أن بيّن لموسى (ع) أنَّه لا يستطيع أن يصبر على ما سيشاهد، فلمّا تجلّى للجبل جعله مفتتاً مستوياً بالأرض فسقط موسى(ع) مغشياً عليه لهول ما رأى ﴿ فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكاً وخرّ موسى صعقا﴾ ، ولما أفاق من غشيته، تاب للّه وأقرّ بأنَّه أول المؤمنين في زمانه بعظمته ﴿ فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين﴾ (الأعراف:143) فاصطفاه اللّه على النّاس برسالته، وأمره أن يأخذ قومه بأحسنها، وعدم الخروج عليها لئلا يصيبهم بعذابه كما أصاب من قبل غيرهم من الفاسقين.