أبحاث ودراسات

...

 محمد عبدالله فضل الله   

القضاء والقدر في العقيدة

القضاء والقدر" من المسائل العقيديَّة الَّتي تعرّض لها العلماء بالتّفسير والتّعليق، وتناولتها الكثير من الفِرَق الكلاميَّة في محاولةٍ لتقريبها إلى الفهم، وإضافة ما يمكن استخلاصه منها فيما يتعلَّق بعناوين فرعيَّة عن هذا العنوان العقائديّ، مثل الإرادة والاختيار، والحريَّة والمسؤوليَّة، والثّواب والعقاب.

ويطلق القضاء في اللّغة على معانٍ عديدة، منها الأمر والإيجاب، كقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ}[الإسراء: 23]، كما يُطلَق على معنى الإعلام والإخبار، كقوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ}[الإسراء: 4]، ويطلَق على الخلق والإيجاد، كما في قوله: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}[فصِّلت: 12].

أمّا القدر، فيطلَق على معانٍ، منها: وضع الأشياء في مواضعها، وتقدير خصوصيّاتها تكويناً، كقوله تعالى: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا}[فصِّلت: 10]، {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}[القمر: 49].

والاعتقاد بالقضاء والقدر هو من صميم العقيدة الإسلاميَّة، وقد وقع الكلام في تفسيرهما وتحليلهما، فالشّيخ جعفر السبحاني في كتابه "الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل"، يقول: "إنَّ التقدير هو عبارة عن تحديد كلّ شيءٍ بخصوصيّاته في علمه الأزليّ سبحانه قبل أن يخلق العالم، أو قبل أن يخلق الأشياء الحادثة، فالله يعلم حدَّ كلِّ شيء ومقداره وخصوصيّاته الجسمانيَّة والمعنويَّة، وهذا ما يسمَّى "التقدير العلميّ"، وأما التقدير العينيّ، فهو عبارة عن الخصوصيّات الّتي يكتسبها الشَّيء من علله عند تحقّقه وتلبُّسه بالوجود الخارجيّ".

ويتابع الشَّيخ سبحاني بأنّه يوجد أيضاً القضاء العلميّ، وهو علم الله بضرورة وجود الأشياء وإبرامها، والقضاء العينيّ هو ضرورة وجود الشّيء عند وجود علّته التامّة ضرورةً عينيَّة خارجيَّة.

 ولبيان القضاء والقدر العينيّين في الكتاب الكريم، يذكر الشّيخ السبحاني: "قال تعالى: {إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}، قَدَرُ الشّيء هو المقدار الَّذي لا يتعدَّاه، والحدّ الذي لا يتجاوزه من جانبي الزّيادة والنقيصة.

قال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}[الحجر: 21]، فلكلِّ شيءٍ حدّ محدود في خلقه لا يتعدَّاه، وصرط ممدود في وجوده يسلكه ولا يتخطّاه.

وأمّا القضاء العيني، فهو ما دلَّ عيه قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً}[الأنعام: 2]، وكذا قوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا}[فصِّلت: 12]، وغيرها من الآيات الحاكية عن قضائه سبحانه بالشّيء وإبرامه على صفحة الوجود".

ويضيف الشّيخ السبحاني بأنَّ العبرة في صحَّة ما ورد من رواياتٍ في السنّة الشَّريفة عن القضاء والقدر، هو بمقدار موافقته للقرآن وعدم مخالفته له، فأهل السنّة والجماعة، كما الشّيعة، رووا الكثير في هذا المجال. ومن ذلك ما رواه الصّدوق في الخصال، بسنده عن عليّ(ع) قال: "قال رسول الله(ص): "لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بأربعة؛ حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّي رسول الله بعثني بالحقّ، وحتى يؤمن بالبعث بعد الموت، وحتى يؤمن بالقدر".

وروى أيضاً بسنده عن الإمام موسى الكاظم(ع) قال: "لا يكون شيء في السّماوات والأرض إلا بسبعة: بقضاءٍ وقدرٍ وإرادةٍ ومشيئةٍ وكتابٍ وأجلٍ وإذنٍ، فمن قال غير هذا فقد كذب على الله أو ردَّ على الله عزّ وجلّ".

ومن طرق أهل السنّة، ما رواه الترمذي عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله(ص): "لا يؤمن عبدٌ حتى يؤمن بالقدر خيره وشرّه، وحتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه".

ويلفت الشّيخ السّبحاني إلى أنَّ هذه الرّواية ونظائرها، لا تنافي اختيار الإنسان وصحَّة التكليف، لأنَّ المراد مما يصيب وما لا يصيب، هو الأمور الخارجة عن إطار اختياره، وإنما الكلام في حكومة القضاء والقدر على ما يُناط به التّكليف، ويُثاب به أو يُعاقب، فإنَّ سيادة القضاء والقدر على اختيار الإنسان أمرٌ لا يقبله العقل، ولا يوافقه النّقل.. وينبِّه الشّيخ السبحاني إلى أنَّ أكثر ما رواه أهل الحديث في باب التَّقدير، يلازم الجبر الباطل ويضادّ كتاب الله، وأنَّ كثيراً منها من "الإسرائيليّات" الّتي بثّها كعب الأحبار وغيره... [كتاب: الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل، ج:2، ص: 171-177].

ونجد في نهج البلاغة كلاماً لأمير المؤمنين عليّ(ع) بما يتعلّق بالقضاء والقدر، عندما سأله سائل عن المسير إلى الشَّام، هل هو بقضاء الله وقدره، فأجاب الأمير(ع): "ويحك! لعلّك ظننتَ قضاءً لازماً وقدراً حاتماً، ولو كان كذلك لبطل الثّواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، إنَّ الله سبحانه أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، وكلّف يسيراً ولم يكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً ولم يطع مكروهاً، ولم يرسل الأنبياء لعباً، ولم ينزل الكتب للعباد عبثاً، ولا خلق السموات والأرض باطلاً: {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ}[ص: 27]".

ويعلِّق على ما تقدَّم وعن مناسبته ومعناه، العلامة الشّيخ محمد جواد مغنيّة(قده) بقوله: "روى جماعة، منهم الكليني في "أصول الكافي"، وأبو الحسين في كتاب "الغرر"، والشّريف الرّضي: أنَّ رجلاً شاميّاً حارب مع الإمام في صفّين، وبعد منصرفه منها، سأل الإمام: هل كان مسيرنا إلى حرب أهل الشّام بقضاءٍ من الله وقدره؟ فقال له: ما وطئنا موطئاً، ولا هبطنا وادياً إلا بقضاء الله وقدره.. فقال السّائل: عند الله أحتسب عناي.. ما أرى لي أجراً، فقال له الإمام: مه! لقد عظّم الله أجركم في مسيركم وفي منصرفكم، ولم تكونوا في شيءٍ من حالاتكم مكرهين ولا مضطرّين، فقال السّائل: كيف وقد ساقنا القضاء والقدر؟ فقال الإمام(ع): "ويحك! لعلَّك ظننت... إلخ". وفيما يلي البيان:

القضاء والاختيار: هناك مواضيع ثلاثة متشابهة متشابكة. الأوّل: القضاء والقدر. الثّاني: الجبر والاختيار. والثّالث: الهدى والضّلال، وتكلّمنا عن كلٍّ منها مفصَّلاً في كتاب "فلسفة التّوحيد والولاية".

ونشير هنا بإيجازٍ إلى معنى القضاء والقدر والاختيار بحكم الموضوع الّذي نحن بصدده: لكلٍّ من القضاء والقدر معانٍ، وأوضح معاني القضاء، أنّه البتّ والإمضاء الّذي لا مردّ له، وأوضح معاني القدر أنّه التّقدير. قال الإمام الكاظم(ع)، نجل الإمام الصّادق(ع): "القدر هو تقدير الشّيء من طوله وعرضه، والقضاء هو إمضاء لا مردّ له". وقال الإمام الرّضا(ع)، حفيد الإمام الصّادق(ع): "القدر هندسة، والقضاء إبرام".

ويتابع الشّيخ مغنيّة متحدّثاً عن مسألة الجبر والتفويض كتفريعٍ عن موضوع القضاء والقدر، فيوضح: "أمّا مسألة الجبر والتفويض، فالَّذي عليه الشّيعة الإماميَّة، هو "لا جبر ولا تفويض، بل أمرٌ بين الأمرين".. ومعنى الجبر أنَّ الإنسان لا أثر له إطلاقاً في أفعاله، وإنما هي بالنّسبة إليه تماماً كجريان الدّم في عروقه، وخروج النّفس من أنفه، ومعنى التفويض أنّ الله أمر العبد ونهاه، وأعطاه القدرة على الطّاعة والمعصية، ثم فوَّض إليه أمر هذه القدرة يفعل بها ما يشاء، وقطع سبحانه كلَّ علاقةٍ بينه وبين هذه القدرة، بحيث أصبح الله بالنّسبة إلى قدرة العبد بعيداً عنها، تماماً كالبائع الّذي باع سلعته للمشتري، يفعل بها ما يريد بلا مزاحم ومعارض.

ومعنى "أمر بين الجبر والتّفويض"، أنَّ الله بعد أن أمر العبد ونهاه، منحه القدرة، ولم يحرمه إيّاها، كما زعم الجبريّون، ولكنّه تعالى لم يُعرِض كليّةً عن هذه القدرة ويقطع العلاقة بينه وبينها كما ادَّعى المفوّضية، بل بقيت قدرة العبد في قبضة خالقها وتحت سلطته، ينزعها من العبد متى شاء، والعبد لا يستطيع أن يرفض هذه القدرة، ويقول لله: لا أريدها، وأيضاً لا يستطيع إبقاءها إذا أراد سبحانه أن ينزعها منه، وبهذا الاعتبار، يكون العبدُ مسيَّراً لا مخيَّراً، وأيضاً بالقدرة التي منحها الله له، يستطيع أن يفعل ويترك ويكون من هذه الجهة مخيَّراً لا مسيَّراً.

ومعنى هذا، أنّ العبد مسيَّر من  جهة، ومخيَّر من جهة، هذا هو معنى بين بين، وأمر بين أمرين.

وبعد هذا التَّمهيد المفيد، إن شاء الله، نشرع بإيجاد تفسير الكلمات: "ولو كان ذلك كذلك"، أي لو كان الإنسان مسيَّراً كما يقول الجبريّون، "لبطل الثَّواب والعقاب"، حيث يكون الإنسان، والحال هذه، تماماً كريشةٍ في مهبِّ الرّيح، وفعله كالثّمرة على الشّجرة، "وسقط الوعد" على الطّاعة، "والوعيد" على المعصية، لأنَّ الوعد والوعيد فرع عن وجود الثّواب والعقاب، "إنّ الله سبحانه أمر عباده تخييراً"، أي ما أمرهم أن يفعلوا، إلا لأنهم قادرون ومخيّرون، ولو كانوا مسيّرين، ما كلّفهم بشيء، كيف وهو القائل: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}[البقرة: 286].

"ونهاهم تحذيراً" من غضبه وعقابه، ومن البداهة أنّه لا معنى من التحذير إلا مع القدرة والاختيار، "وكلّف يسيراً" وسهلاً يستطيع الإنسان أن يسمع ويطيع بلا عسر وحرج، قال سبحانه: {مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ}[المائدة: 6].

"ولم يكلّف عسيراً" عطف تفسير على "كلّف يسيراً"، تماماً كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة: 185]، فإنّ اليسر بطبعه يستدعي نفي العسر.

"وأعطى على القليل كثيراً"، أعطى الثّواب الكثير على العمل اليسير الّذي فعله الإنسان بملء إرادته وتمام قدرته.

"ولم يُعصَ مغلوباً"، إذا عصى الإنسان، فليس معنى هذا أنّ الله عاجز عن ردعه عن المعصية.. كلا، إنّه على كلِّ شيءٍ قدير، ولكن يترك للإنسان حريّته، لأنّه لا إنسانيَّة بلا حريّة.

"ولم يطع مكرهاً"، وأيضاً، لو أراد أن يمنعه عن الطّاعة لفعل، ولكنّه لا يفعل لأنّه عادل وحكيم، لا تتناقض أقواله مع أفعاله.

"ولم يرسل الأنبياء لعباً"، بل ليرشدوا الخلق إلى الحقّ.

"ولم ينزل الكتاب للعباد عبثاً" عطف تفسير، لأنَّ الحكمة من إرسال الرّسل وإنزال الكتب واحدة.

"ولا خلق السّماوات والأرض وما بينهما باطلاً"، بل لتتجلَّى فيها قدرته وعلمه وجلاله وكماله".[الشيخ محمد جواد مغنية، نهج البلاغة، ج 4، ص 250 ـ 262].

وفي معرض تعريفه لمعنى القدر وما يتعلَّق به، يقول المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض) التّالي:

"القدر: هو حركة النظام الكوني الّذي يشمل هذا الوجود المتنوّع من حولنا، ويشمل الإنسان. عندما نريد أن نعبّر عن القدر، فإنَّنا نستطيع أن نعطيه كلمة: هندسة حركة الإنسان في الكون، وحركة الكون في تنوّعاته، باعتبار أنَّ هذه الحركة، حركة مدروسة ومنظَّمة ومتوازنة في خطوطها العامَّة وخطوطها التفصيليَّة.

وهذا ما تعبِّر عنه الآية الكريمة: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}[القمر: 49]، وهكذا نقول: {قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}[الطّلاق: 3]، ولهذا نجد أنَّ الحياة تتحرَّك في ظلِّ نظامٍ دقيقٍ جدّاً، لذلك، يمثّل القدر الخطّ الدّقيق الّذي يتحرّك فيه الوجود الكوني بكلّ مفرداته وبكلّ معطياته... إنّ وعينا لوجودنا في قوانينه هو وعينا للقدر، باعتبار أنَّ هنالك الكثير من القدر ينطلق من إرادة الإنسان.. الله عندما قدَّر الأشياء جعل من القدر ما ينتج من إرادة الإنسان... هناك قدرٌ نخضع له، وهو ما يتّصل بالنظام الكوني في تأثّرنا به، وهناك قدرٌ نصنعه، وهو ما ينطلق من حركيّة الإنسان المنطلقة من إرادته وفكره".

ويجيب سماحته(رض) عن سؤالٍ حول تخيير الإنسان وتسييره بالقول: "الإنسان مسيَّر مخيَّر؛ الإنسان مسيَّر من خلال علاقاته بالنّظام الكوني، ومخيَّر باعتبار إرادته"...[مقابلة مع تلفزيون (Sigma)، تاريخ: 24/10/1995].

وفي موضعٍ آخر يقول: "ولا يقتصر القدر على الظّواهر الكونيَّة، بل يمتدُّ إلى حركة الوجود الإنسانيّ بكامله، فهناك سنن إلهيَّة تحكم حركة الإنسان الفرد وحركة المجتمعات، في ولادتها وزوالها، ويدخل الاختيار كعنصرٍ في تلك السّنن، والإيمان بالقدرة لا يلغي الإرادة الإنسانيَّة، لأنَّ معنى القدرة هو تحديد حركة الوجود وهندسة شروطه، ليكون الاختيار جزءاً من هذا القدر، باعتباره دخيلاً في السنَّة الإلهيَّة لحركة الوجود".[تفسير من وحي القرآن، ج 21، ص: 295].

وعند علماء السنَّة والجماعة، فإنَّ موضوع القضاء والقدر من الموضوعات العقائديّة الّتي يجب أن تعلم بالضّرورة، وهو عندهم من أركان الإيمان، بناءً على ما جاء في الخبر عن الرّسول الأكرم(ص): "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشرّه". [رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي].

والقضاء هو تعلُّق علم الله وإرادته بإيجاد الأشياء على وجهٍ مخصوص، والقدر إيجادها فعلاً على هذا النَّحو [تعلّق القضاء بالعلم، وتعلّقت الإرادة بالقدرة والفعل].

والقضاء والقدر نوعان: نوع لا كسب فيه للإنسان، لأنّه لا إرادة له فيه ولا يؤاخذ عليه، كحركة الأفلاك والأنواء، ونزول المطر، ونموّ النّبات، واختلاف أحوال النّاس من صحّةٍ ومرض، وقوّةٍ وضعف، وغنًى وفقر، وحياةٍ وموت، وبما أنَّ من لوازم الحكيم أن تكون أفعاله حكيمة، والقضاء والقدر من أفعاله، فالقضاء والقدر الّذي لا كسب للإنسان فيه، متعلّق بالحكمة.

والنَّوع الثَّاني من القضاء والقدر متَّصلٌ بأفعال العباد، فالإنسان مُنِحَ إرادةً حرَّةً هي أساس التَّكليف والابتلاء، وقد منحه الله أيضاً مقوِّمات التّكليف والابتلاء، فسخَّر له ما في السَّموات والأرض تسخير تعريفٍ وتكريم، ليؤمن به ويشكره، ومنحه العقل قوّة إدراكيّة يتعرّف به إلى الله.

لقد مُنِحَ الإنسان إرادة حرّة لتكون أساس التّكليف والابتلاء، وليكون النّجاح بها ثمن العطاء، وما دام الإنسان قد منح هذه الإرادة الحرّة ليكسب بها أعماله الاختياريّة، وليكون مسؤولاً في حدود ما منحه الله من إمكانات، فلن تسلب منه هذه الإرادة الحرَّة...[موسوعة النابلسي الإسلاميّة، الدكتور محمد راتب النّابلسي، تاريخ 2008].

نرجو أن نكون قد عرضنا في هذه العجالة لبعض آراء العلماء حول تفسيرهم وتوجيههم لمسألة القضاء والقدر؛ هذه القضيَّة العقيديَّة الهامَّة، والَّتي يترتَّب عليها آثار ونتائج ومعتقدات متفرّعة تمسُّ إيمان الإنسان.