أبحاث ودراسات

...

 الشيخ جعفر السبحاني   

أسباب السعادة والشقاء

السعادة ضالّة كل الناس، وكلّ واحد يبحث عنها في شيء ما ويطلبها في مكان ما، وهي توفّر أسباب تكامل الفَرد في المجتمع، والنقطة المقابلة لها هي الشقاء الذي يتنفر منه كل أحد، وهو عبارة عن عدم مساعدة الظروف للنجاح والتقدم والتكامل.

فعلى هذا، كل من توفرت له اسباب التحرك والتقدم نحو الاهداف السامية روحياً وجسمياً وعائلياً وبيئياً وثقافياً، فهو أقرب للسعادة، وبتعبير آخر هو أكثر سعادة!

ولكن ينبغي الإِلتفات إلى أنّ أساس السعاده أو الشقاء هو إِرادة الإِنسان نفسه، فهو يستطيع أن يوفر الوسائل لترشيد نفسه وحتى مجتمعه، وهو الذي يستطيع أن يواجه عوامل الشقاء ويهزمها أو يستسلم لها.

وليس الشقاء أو السعادة في منطق الوحي ومدرسة الانبياء في داخل ذات الإِنسان شيئاً وحتى النواقص في المحيط والعائلة والوراثة كل ذلك قابل للتغيير بتصميم الإِنسان وإِرادته إِلاّ أن ننكر أصل الإِرادة في الإِنسان وحريته، ونعدّه محكوماً بالظروف الجبرية، وكل من سعادته أو شقائه ذاتي أو هو نتيجة جبرية لمحيطه، وما إلى ذلك.

وهذا الرأي مرفوض في نظر الأنبياء وفي نظر المذهب العقلي أيضاً.

الطريف أنّنا نجد في الرّوايات المنقولة عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل البيت (عليهم السلام) اشارات إلى مسائل مختلفة على أنّها أسباب السعادة، أو أسباب الشقاء... بحيث يتعرف الإِنسان خلال مطالعتها على طريقة التفكير الإِسلامي في هذه المسألة المهمّة، وسيقفُ على الواقعيات العينية وأسباب السعادة الحقيقية، بدلا من أن يقف عليها في المسائل الخرافية والتصوّرات والسنن الخاطئة الموجودة في كثير من المجتمعات.

ونلفت نظر القارىء الكريم على سبيل المثال إلى بعض الأحاديث الشريفة في هذا الصدد:

1- ينقل الإِمام الصّادق (عليه السلام) عن جدّه أميرالمؤمنين (عليه السلام) أنّه قال "حقيقة السعادة أن يختم للرجل عمله بالسعادة وحقيقة الشقاوة أن يختم للرجل بالشقاوة" (1).

فهذه الرّواية تقول بصراحة: إنّ المرحلة النهائية لعمر الإِنسان وأعماله هي المرحلة التي تكشف عن سعادته و شقاوته، وعلى هذا فهي تنفي السعادة أو الشقاء الذاتيين، وتجعل الإِنسان رهين عمله، كما تجعل طريق العودة مفتوحاً في جميع المراحل حتى نهاية عمره.

2- ونقرأ في حديث آخر عن الإِمام علي (عليه السلام) "السعيد من وُعظ بغيره والشقي من انخدع لِهواه وغروره" (2).

وكلام الإِمام علي (عليه السلام) هذا تأكيد آخر على عدم ذاتية السعادة والشقاء وبيان بعض أسبابهما.

3- ويقول نبي الإِسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: "أربع من أسباب السعادة وأربع من الشقاوة، فالأربع التي من السعادة المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب البهيّ.

والأربع التي من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء" (3).

مع ملاحظه أنّ هذه الأُمور الأربعة لها تأثير بالغ في الحياة المادية والمعنوية لكل أحد، ويمكن أن تكون من عوامل النجاح او الفشل وتتّضح بهذا سعة مفهوم السعادة والشقاوة في منطق الإِسلام.

فالمرأة الصالحة ترغّب الإِنسان في أنواع "الحسنات"، والبيت الواسع يهب روح الإِنسان وفكره الهدوء والراحة ويهيؤه للنشاط والفعالية، والجار الصالح الذي يقدم له عوناً مؤثراً في راحته واستقراره وحتى في تقدم أهداف الإِنسانية، المركب الجيد عامل مؤثر في الوصول إلى الأعمال والوظائفالإِجتماعية، في حين أنّ المركب السوء يكون عاملا في التأخير ولا يوصل صاحبه إلى هدفه.

4- كما روي عن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الحديث أيضاً: "من علامات الشقاء: جمود العينين، وقسوة القلب، وشدّة الحرص في طلب الرزق، والإصرار على الذنب" (4).

هذه الأُمور الأربعة التي وردت في الحديث المتقدم، هي أُمور اختيارية وهي نتيجة أعمال الإِنسان وأخلاقه الإِكتسابية نفسه، وعلى هذا فإنّ أبعاد أسباب الشقاء هذه تكمن في اختيار الإِنسان نفسه.

وإذا لاحظنا أسباب السعاده والشقاوة في الأحاديث المتقدمة وحقيقتهما وأثرهما البالغ في حياة البشر، وقارنّاهما مع الأسباب والمسائل الخرافية التي يعتقد بها جمع كثير - حتى في عصرنا عصر الذّرة والفضاء - لوصلنا إلى هذا الواقع الذي يؤكّد أنّ التعاليم الإِسلامية منطقيّة ومدروسة إلى أقصى حد.

ولا يزال إلى اليوم من يعتقد أنّ نعل الفرس سبب للسعادة، وأنّ اليوم الثّالث عشر سبب لسوء الحظّ... والقفز على النّار في بعض ليالي السنة من أسباب السعادة، وصوت بعض الطيور سبب للشقاء وسوء الحظ، وسكب الماء عند خروج المسافر من أسباب السعادة، والعبور من تحت السلم سبب للشقاء!!

وحتى تعليق بعض الأشياء في رقبة الفرد أو على وسائل النقل من أسباب السعادة والعطاس علامة على الفشل اذا كان حين العمل وكثير من أمثال هذه الخرافات نجدها في الشرق والغرب بين الأقوام والأُمم المتعددة.

وكم من أُناس تعطلوا عن نشاطهم في الحياة نتيجة ابتلائهم بمثل هذه الخرافات وأصبحوا رهن المصائب الكثيرة.

لقد شطب الإِسلام بقلم أحمر على جميع هذه التصوّرات الخرافية، وحدّد - مبيّناً بوضوح - سعادة الإِنسان وشقاوته في الفعاليّات الإِيجابية والسلبية ونقاط الضعف والقوّة في الأخلاق والمناهج العملية وطريقة التفكير والعقيدة لكل فرد، من خلال الأمثلة التي قدمناها في الأحاديث الأربعة عن أهل اليبت (عليهم السلام).

 

 

______________________________

المصادر:

1- وسائل الشيعة، ج 14، ص 255.

2- وسائل الشيعة، ج 14، ص 252.

3- سفينة البحار، ص 517.

4- أعلام القرآن، ص 573.