أبحاث ودراسات

...

 الشيخ علي الكوراني   

العرش عند الشيعة

العرش عندنا مخلوق محدود، وليس كما يتصورالمشبهون أنّه مكان يجلس عليه الله تعالى! بل هو مكان منه يدار الكون بأمر الله تعالى، فهو أشبه بـ (سنترال) الكون.

وهذه بعض الأحاديث الشريفة التي تبين عقيدتنا في العرش:

روى الشيخ الصدوق أعلى الله مقامه في كتاب التوحيد/316، قصة قدوم جاثليق إلى المدينة مع مائة من النصارى بعد قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، وسؤاله أبا بكر عن مسائل لم يجبه عنها، ثمّ أرشد إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فسأله عنها فأجابه، وكان في ما سأله أن قال له: «أخبرني عن الرب أين هو وأين كان؟

فقال علي عليه السلام: «لا يوصف الرب جل جلاله بمكان، هو كما كان، وكان كما هو، لم يكن في مكان، ولم يزل من مكان إلى مكان، ولا أحاط به مكان، بل كان لم يزل بلا حد ولا كيف»، قال: صدقت، فأخبرني عن الرب أفي الدنيا هو أو في الآخرة؟

قال علي عليه السلام: « لم يزل ربنا قبل الدنيا، ولا يزال أبداً، هو مدبّر الدنيا، وعالم بالآخرة، فأمّا أن يحيط به الدنيا والآخرة فلا، ولكن يعلم ما في الدنيا والآخرة».

قال: صدقت يرحمك الله، ثمّ قال: أخبرني عن ربك أيَحمل أو يُحمل؟

فقال علي عليه السلام: «إن ربنا جل جلاله يَحمل ولا يُحمل ». قال النصراني: فكيف ذاك ونحن نجد في القرآن: { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}(الحاقة/17).

فقال علي عليه السلام: «إنّ الملائكة تحمل العرش، وليس العرش كما تظن كهيئة السرير، ولكنه شيء محدود مخلوق مدبّر، وربك عز وجل مالكه، لا أنّه عليه ككون الشيء على الشيء، وأمر الملائكة بحمله، فهم يحملون العرش بما أقدرهم عليه».

قال النصراني: صدقت رحمك الله … إلى آخر الحديث».

– وفي/317: عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه سئل عن قول الله عز وجل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه/5).

فقال: «استوى من كل شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء. وعنه عليه السلام: من زعم أنّ الله عز وجل من شيء، أو في شيء، أو على شيء فقد كفر، قلت: فسّر لي، قال: أعني بالحواية من الشيء له، أو بإمساك له، أو من شيء سبقه».

وفي رواية اخرى قال: «من زعم أنّ الله من شيء فقد جعله محدثا، ومن زعم أنّه في شيء فقد جعله محصوراً، ومن زعم أنّه على شيء فقد جعله محمولا».

وعنه عليه السلام قال: « كذب من زعم أنّ الله عز وجل من شيء أو في شيء أو على شيء».

– وفي/319: عن داود الرقي، قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله، عز وجل: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ} (هود/7).

فقال لي: «ما يقولون في ذلك؟».

قلت: يقولون إنّ العرش كان على الماء والرب فوقه، فقال: «كذبوا، من زعم هذا فقد صير الله محمولاً، ووصفه بصفة المخلوقين، ولزمه أنّ الشيء الذي يحمله أقوى منه».

قلت: بيّن لي جعلت فداك، فقال: «إنّ الله عز وجل حمل علمه ودينه الماء قبل أن تكون أرض أو سماء أو جن أو إنس أو شمس أو قمر، فلما أراد أن يخلق الخلق نثرهم بين يديه فقال لهم: من ربكم؟! فكان أوّل من نطق رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام والأئمة صلوات الله عليهم، فقالوا: أنت ربنا، فحملهم العلم والدين، ثمّ قال للملائكة: هؤلاء حملة علمي وديني واُمنائي في خلقي وهم المسؤولون.

ثمّ قيل لبني آدم: أقروا لله بالربوبية ولهؤلاء النفر بالطاعة، فقالوا: نعم ربنا أقررنا، فقال للملائكة: اشهدوا. فقالت الملائكة شهدنا على أن لا يقولوا إنا كنا عن هذا غافلين أو يقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون، يا داود! ولايتنا مؤكدة عليهم في الميثاق».

عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي قال: «سأل المأمون أبا الحسن علي بن موسى الرضا صلى الله عليه وآله، عن قول الله عز وجل:{وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً}(هود/7).

فقال: إنّ الله تبارك وتعالى خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والارض، وكانت الملائكة تستدل بأنفسها وبالعرش والماء على الله عز وجل، ثمّ جعل عرشه على الماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة فيعلموا أنّه على كل شيء قدير، ثمّ رفع العرش بقدرته ونقله فجعله فوق السماوات السبع وخلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهو على عرشه، وكان قادراً على أن يخلقها في طرفة عين، ولكنه عز وجل خلقها في ستة إيام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئاً بعد شيء، وتستدل بحدوث ما يحدث على الله تعالى ذكره مرة بعد مرة، ولم يخلق الله العرش لحاجة به إليه ؛ لأنّه غني عن العرش وعن جميع ما خلق، لا يوصف بالكون على العرش ؛ لأنّه ليس بجسم، تعالى الله عن صفة خلقه علواً كبيراً».

وفي/321: 50 ـ باب العرش وصفاته: عن حنان بن سدير، قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن العرش والكرسي، فقال: إنّ للعرش صفات كثيرة مختلفة، له في كل سبب وضع في القرآن صفة على حدة فقوله{ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} يقول: الملك العظيم، وقوله:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}(طه/5).

يقول: على الملك احتوى، وهذا ملك الكيفوفية الأشياء، ثمّ العرش في الوصل متفرد من الكرسي ؛ لأنّهما بابان من أكبر أبواب الغيوب، وهما جميعا غيبان، وهما في الغيب مقرونان ؛ لأنّ الكرسي هو الباب الظاهر من الغيب الذي منه مطلع البدع ومنه الأشياء كلها، والعرش هو الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف والكون والقدر والحد والأين والمشية وصفة الإرادة، وعلم الألفاظ والحركات والترك، وعلم العود والبدء فهما في العلم بابان مقرونان ؛ لأنّ ملك العرش سوى ملك الكرسي، وعلمه أغيب من علم الكرسي، فمن ذلك قال: { رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} أي صفته أعظم من صفة الكرسي وهما في ذلك مقرونان. قلت: جعلت فداك! فلم صار في الفضل جار الكرسي؟ قال: إنه صار جاره، لأنّ علم الكيفوفية فيه، وفيه الظاهر من أبواب البداء وأينيتها وحد رتقها وفتقها».

وفي التوحيد للصدوق/327: 52 ـ باب معنى قول الله عز وجل: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}(البقرة/255).

1- حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}(البقرة/255). قال: علمه».

2- حدثنا أبي رضي الله عنه، قال: حدثنا علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}(البقرة/255).

فقال: «السماوات والارض وما بينهما في الكرسي، والعرش هو العلم الذي لا يقدر أحد قدره».

3- حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله، قال: حدثنا محمّد بن الحسن الصفار، قال: حدثنا يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن ربعي، عن فضيل بن يسار، قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزوجل:{ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}(البقرة/255). فقال: يا فضيل! السماوات والارض وكل شيء في الكرسي».

4- حدثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار رحمه الله، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة، قال: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز وجل: { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}(البقرة/255).

السماوات والأرض وسعن الكرسي، أم الكرسي وسع السماوات والأرض؟ فقال: بل الكرسي وسع السماوات والأرض والعرش، وكل شيء في الكرسي».