أبحاث ودراسات

...

 الشيخ صالح الكرباسي   

هل يعتبر التقليد أداة من أدوات المعرفة؟ و هل يمكن الاعتماد عليه في معرفة أصول الدين، كما هو الحال بالنسبة إلى فروع الدين؟

التقليد في المصطلح الديني هو قبول قول الغير و الاعتماد على ما توصل إليه في رأيه العلمي من غير سؤال عن الأدلة و البراهين التي أعتمد عليها، و سمّي تقليدا لأن المقلد يجعل ما يلتزم به من قول الغير من حق أو باطل قلادة في عنق من قلّده .

و لأن أصول الدين هي الأسس التحتية لفكر الإنسان و سلوكه، فلا بد للإنسان أن يستند في تأسيس هذه الأسس إلى الوعي و الدليل و البرهان، حتى تتكون لديه القناعة بأصول الدين و العقيدة، و يحصل له الإيمان بها أصلا أصلا، و لا يجوز له التقليد فيها، إذ التقليد في أصول العقيدة يكون بمعنى الانقياد الأعمى و يعتبر من التقليد المذموم الذي لا يستند إلى الوعي، و هو مرفوض عقلا و شرعا، و لا يُعدّ طبعا من أدوات المعرفة المعترف بها في علم الكلام.

ذلك لأن التقليد في الاعتقادات يعتبر تعطيلا لدور العقل، و لا يجوز للإنسان إهمال نفسه في الأمور الإعتقادية كما لا يجوز له الاعتماد فيها على الآخرين مهما كانت مكانتهم العلمية و منزلتهم الاجتماعية، بل يجب عليه بحكم الفطرة و العقل المؤيدان بالنصوص القرآنية أن ينظر بنفسه و يتأمل و يتفحص الأدلة و البراهين، و يتدبر في أصول اعتقاداته التي تسمى بأصول الدين بشخصه، إذ أن صلابة شخصية الإنسان و استقامته تكون بقدر صلابة و استقامة عقيدته في أصول اعتقاداته، كما إن العكس صحيح أيضا، فالإنسان الذي تكون قناعاته في أصول الدين و العقيدة ضعيفة و غير قائمة على أسس يقينية و ثابتة تكون بالطبع شخصيته ضعيفة و مهزوزة تتلاعب بها التيارات الفكرية و العقائدية كتلاعب الرياح بأوراق الشجر.

ثم إن بناء الإنسان أصول اعتقاداته على اليقين و الوضوح هو الذي يؤمّن للإنسان المؤمن الثبات الفكري في مواجهة التيارات الفكرية المختلفة، و يحصنه في مقابل الاختراقات الثقافية الفكرية.

و من الواضح أنه ليس المقصود من تحصيل القناعة و اليقين بأصول الدين ضبط الاستدلالات العلمية المعقدة الرامية إلى تنظيم الأفكار المتعلقة بأصول الدين بصورة تفصيلية، فان ذلك خارج عن طاقة معظم الناس، و إنما المقصود من ذلك حصول اليقين و الوضوح الذي يطمئن إليه قلب الإنسان، و تصدقه الفطرة و الوجدان.

و إن من أهم تلك الأصول هو التوحيد، إذ هو أساس الاعتقاد، و هو أصل الأصول و عليه تترتب بناء سائر الأمور الإعتقادية و الأحكام الشرعية.

و لقد ذم القران الكريم التقليد و الانقياد الأعمى في المسائل الإعتقادية في آيات عديدة نذكر منها ما يلي:

1. قال الله عَزَّ و جَلَّ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة: آية 170].

2. قال عَزَّ مِنْ قائل: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة: 171].