أبحاث ودراسات

...

 الشيخ حيدر كامل حب الله   

نظريّة عدالة الصحابة

قراءة تقويميّة مقارنة
حيدر حب الله([1])
تمهيد
تعدّ نظرية عدالة الصحابة من أهمّ النظريّات التي يقوم عليها الحديث عند أهل السنّة، ومن أهم التوثيقات العامّة عندهم؛ لأنّ القول بعدالتهم يعني توثيق طبقة بأكملها من طبقات الأسانيد التي بين أيدينا. وليس أيّ طبقة، بل طبقة مهمّة وحسّاسة، وهي الطبقة المعاصرة للنبيّ محمّد‘.
من هنا، يذهب جمهور أهل السنّة إلى تعديل كلّ الصحابة، عملاً بتعديل الله سبحانه لهم([2])، ولهذا لا نجد عند إثبات صحبة شخصٍ أنّه يقع في كتب الرجال محطّاً للجرح والتعديل، وإنّما يكتفى بكونه صحابيّاً للحكم بعدالته، وإذا وقع أحد الرواة في طبقة الصحابة ولم يُعلم اسمه، حُكم بصحّة الحديث، لو صحّ السند إليه، فلو حدّث تابعيٌّ ثقة وقال: حدّثني أحد الصحابة، كفى، حتى لو لم يتعيّن الصحابيّ الذي حدّث؛ إذ بعد العلم بوثاقتهم جميعاً لا حاجة لتحديد الاسم، بل هذا ما فتح الباب على حجيّة مراسيل بعض التابعين، فيما لو عُلم أنّه لا يُرسل إلا عن صحابيّ، أو أنّ خبره المرسل هذا ليس إلا عن صحابيّ.
وقد خالف بعضُ علماء أهل السنّة في ذلك، لكنّ المخالفين قلّةٌ، ربما لا يكادون يمثلون سوى أنفسهم؛ لهذا يُنسب القول بالعدالة إلى مذاهب أهل السنّة كما فعل المارديني (750هـ)([3])، وإذا وقع أن خالف بعضُهم في تفصيلٍ هنا أو هناك، مثل الشوكاني والشيخ محمد عبده وغيرهم، فهذا لا يمثل الموقف الرسميّ التاريخي لأهل السنّة أو لغير الإماميّة بعد القرنين الأوّلين.
أمّا الشيعة الإماميّة، فأنكروا عدالة الصحابة إنكاراً يبدو فيه الإجماع منعقداً على ذلك عندهم، بل ذهب بعضهم إلى تكفير بعض الصحابة، وجماعةٌ إلى تفسيق أغلبهم، من هنا عبّر الشيخ الحسين بن عبد الصمد بأنّ النصوص دالّة على ارتدادهم، فضلاً عن فسقهم([4]). لهذا لا فرق عند الإماميّة بين أصحاب النبيّ وأصحاب سائر العلماء أو الأئمّة من أهل البيت النبويّ، في أنّ الجميع بحاجة إلى إثبات عدالته، كغيرهم من سائر الرواة.
وقد ذكر الحرّ العاملي (1104هـ) في رسالته في معرفة الصحابة أنّ الصُّحبة تقتضي بنفسها مدحاً ما لم يرد ذمّ، فكلّ صحابيٍّ ممدوح ما لم يدلّ دليلٌ على فسقه أو كذبه أو نحو ذلك([5]).
وقد نُسب إلى المعتزلة القول بعدالة الصحابة إلى زمان الفتنة التي وقعت في أيام خلافة الإمام علي بن أبي طالب، وأما بعد ذلك فلم يعد يمكن الأخذ بنظريّة عدالة الصحابة، بل نسب إلى بعضهم مثل واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد أنّه لم يعد يمكن الأخذ برواياتهم حتى لو كان هذا الصحابيّ هو الإمام عليّ بن أبي طالب نفسه([6]).
كما يظهر من بعض علماء الإباضيّة ـ وهو الإمام السالمي فيما يُنقل عنه([7]) ـ أنّه يرى عدالة جميع الصحابة إلا من ظهر منه فسقٌ أو ارتداد قبل الفتن، وأمّا بعد الفتن فكذلك فيمن عُلم منه البقاء على السيرة النبويّة.
وفي القرن العشرين، تعرّضت نظريّة عدالة الصحابة لنقدٍ واسع من قبل التيّارات الفكرية الجديدة في الوسط السنّي، واُلّفت في هذا السياق كتبٌ أثارت الضجيج والجدل، مثل كتابَي: أضواء على السنّة المحمدية وشيخ المضيرة، للأستاذ محمود أبو رية. إلا أنّ مخالفة هؤلاء أيضاً لم تعبّر عند التيارات الرسميّة السنّية سوى عن مجرّد ابتداع، تماماً كما وصف المخالفين في هذه المسألة ابنُ حجر في الإصابة بأنّهم «شذوذ من المبتدعة»([8]).
ونتيجة الخلاف الإسلامي في الموقف من أحداث العقود الأولى من التاريخ الإسلاميّ، أخذ موضوع الصحابة تدريجيّاً شكلاً عقائديّاً، فصار الوعي السنّي يتعاطى مع هذا الموضوع بذهنيّة كلامية أكثر منها تاريخيّة أو رجاليّة، وهكذا الحال على المستوى الشيعي، حيث صار الموقف السلبيّ من الصحابة بمثابة شعارٍ عَقَديّ، الأمر الذي زاد هذا البحث تعقيداً وتشابكاً، حتى يكاد الشيعي لا يشعر بإمكانيّة تعديل الصحابة إلا وهو يتخلّى عن عقيدته في الإمامة، كما ويكاد السنّي يشعر بأنّ حفاظه على عقيدته مرتبط ارتباطاً وثيقاً بموقفه التعديلي من الصحابة.
وقد ترك الموقف من الصحابة ـ وهو في الحقيقة موقفٌ من التاريخ الإسلامي الأوّل ـ تأثيراته على الحديث عند المسلمين؛ لهذا نجد أنّ الذين يأخذون بعدالة الصحابة تكثر عندهم المرويّات الراجعة والمنتهية إلى الصحابة، بحيث لو سقطت نظريّة عدالة الصحابة لخُشي من انهيار واسع في الأحاديث، فيما نجد الرافضين لعدالة الصحابة، لاسيما الشيعة الإماميّة، يقلّ وجود أحاديث عن الصحابة في كتبهم، عدا أهل البيت عندهم، وربما يكون هذا أحد أسباب قلّة الحديث النبويّ عند الإماميّة، وندرة وجود حديث نبويّ عندهم من غير طريق أهل البيت، فكلّ الأحاديث النبويّة عندهم لا تزيد عن بضعة آلاف قليلة تقريباً.
وعلى أيّة حال، فمرجع نظريّة عدالة الصحابة إلى ما وصفه أمثال الغزالي بأنّه: «تعديل الله لهم»([9])، وهو وجود نصوص من الكتاب الكريم والسنّة الشريفة تدلّ على عدالتهم ووثاقتهم، وهي نصوصٌ لابدّ من بحثها والتأمّل فيها، ثم معرفة وجود شواهد عكسيّة تعارضها أو لا، وإلا فتوثيق هذا العالِم أو ذاك لهذا الصحابيّ أو ذاك، بصرف النظر عن قانون عدالة الصحابة، داخلٌ في القواعد العامّة للجرح والتعديل، فبحثنا في التوثيق العام لهم، لا في توثيق بعضهم أو جميعهم بتوثيقات خاصّة لا تنطلق من قانون عدالة الصحابة العام.
وحيث إنّ بحثنا بحث رجاليّ بامتياز، يعتمد معايير الجرح والتعديل، لهذا لا شأن لنا بالجدل المذهبي الخارج عن إطار عملنا المهنيّ هنا، إنّما نهدف لنشتغل بطريقة احترافيّة بصرف النظر عن الميول العقديّة بوصفها أصولاً مذهبيّة خاصّة، ومن ثمّ فنحن مضطرّون للتعامل مع الموضوع من جميع زواياه، وعلى الأصول العقديّة المتنوّعة، ولا نهدف المقارنات بين المذاهب، ولا سلوك سبيل المحاججات، فلا شأن لنا بكلّ هذا هنا.
كما أننّا سوف نستخدم مفردة (الصحابة والصحابي) على ما هو الشائع، وإن كان هناك من يميل إلى عدم ورود هذا التعبير في نصوص الكتاب والسنّة، بل الغالب ورود تعبير الأصحاب، ممّا يرجّح استخدام مفردة (أصحاب النبي) وليس (صحابة النبيّ).
أوّلاً: من هو الصحابيّ؟ جدل التعريفات وتأثيراتها
قبل كلّ شيء، لابدّ من تعريف الصحابي ومن هو، فقد كانت هناك عدّة تعريفات له، وهذا ـ مبدئيّاً ـ موضوع مهم جداً على صعيد نظريّة عدالة الصحابة؛ لأنّ تعريف الصحابي يفترض أنّه سيُدخل أو يُخرج العشرات والمئات، وربما الآلاف من الأشخاص في هذه النظريّة أو يُخرجهم.
ففي سياق التعرّف على الصحابة، يقول ابن عبد البرّ: «الوقوف على معرفة أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلّم من أوكد علم الخاصّة، وأرفع علم أهل الخبر، وبه ساد أهل السِّير»([10]).
وقد ألّف أهل السنّة كتباً مستقلّة في رصد الصحابة وأسمائهم والتعريف بهم، منها: الاستيعاب في أسماء الأصحاب للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (463هـ)؛ وأسد الغابة، لابن الأثير الجزري (630هـ)، وقد ترجم فيه حوالي سبعة آلاف وخمسمائة شخص؛ والإصابة في تمييز الصحابة، للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (852هـ)، وغيرها من الكتب المختلفة التي سوف نمرّ على التعريف بها في الفصل الأخير من هذا الكتاب عند الحديث عن التراث الرجالي السنّي إن شاء الله تعالى.
وأما على المستوى الشيعي الإمامي، فقلّما وجدنا اهتماماً بالصحابة، سوى ما تركه الحرّ العاملي (1104هـ) في «رسالة في معرفة الصحابة»، كما صنّف الشيخ جعفر السبحاني المعاصر كتاباً في الصحابة الذين شايعوا علياً فبلغوا عنده 250 شخصاً.
لكنّ أيّ محاولة لرصد الصحابة وأسمائهم وعددهم، رهينة بالتعريف الذي نقّدمه لهم، بحيث يكون هو الذي تستوعبه نظريّة عدالة الصحابة، فيقع النقاش فيها على صعيد هذه الدائرة لمفهوم الصحابي أو تلك. وسنرى ما هي هويّة هذا التعريف هنا فهل هو بحث لغويّ محض، أو أنّهم يلقون عليه صفة اصطلاحيّة؛ بدليل أنّهم جميعاً اتفقوا على أنّ الصحابي لابدّ أن يكون مسلماً، مع أنّ إسلام الصحابي أمرٌ غير مأخوذ في الدلالة اللغويّة الأصليّة لمفهوم الصحبة؟ وما هي قيمة الاشتغال في تعريف الصحابي أساساً؟
1 ـ تعريفات (الصحابي) بين المحدّثين والأصوليّين، عرضٌ وتحليل
وعلى أيّة حال، ففي هذا الصدد يُذكر أكثر من تعريف للصحابي، والذي يستوعب عندهم الذكور والإناث كما هو واضح، وأبرزها:
التعريف الأوّل: ما ذكره ابن حجر العسقلاني، حيث قال: «الصحابيّ مَن لقي النبيَّ‘ مؤمناً به ومات على الإسلام، فيدخل في من لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغزُ، ومن رآه رؤيةً ولو لم يجالسه، ومن لم يره لعارضٍ كالعمى»([11]).
وقال الزركشي: «اختلفوا فيه، فذهب الأكثرون إلى أنّه من اجتمع مؤمناً بمحمّد صلى الله عليه وسلم وصحبه ولو ساعة روى عنه أو لا؛ لأنّ اللغة تقتضي ذلك، وإن كان العرف يقتضي طول الصحبة وكثرتها. وقيل: يُشترط الرواية وطول الصحبة وقيل: يشترط أحدهما»([12]).
هذا التعريف من التعريفات الواسعة التي يدخل فيها تقريباً كلّ المسلمين الذين كانوا في حياة النبيّ، ويبدو أنّ المحدّثين في الوسط السنّي ـ بل صار مشهوراً ـ كانوا أكثر ميلاً إلى هذا التعريف، ولهذا نميل إلى تسميته بالتعريف الحديثي للصحابي.
وبعد نقله تعريف ابن حجر، أورد بعض علماء الإماميّة هنا ـ وهو السيد علي الميلاني ـ بأنّ هذا التعريف يُدخل المنافقين في الصحابة مستغرباً ذلك([13])، إلا أنّه غير صحيح؛ فإنّ تعبير ابن حجر وغيره كان دقيقاً من حيث إنّه استخدم مفردة الإيمان، فيكون مراده من الصحابي هو كلّ من آمن بالله تعالى ولقي محمّداً، بل خروج المنافقين من الصحابة بالمفهوم التعديلي عند أهل السنّة واضح، وسيأتي بحثه بعون الله.
والعجب من الكلام الموهم للسيّد الميلاني، حيث يصرّح ابن حجر نفسه بعد تعريفه مباشرةً بالقول: «ويخرج بقيد الإيمان، من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرّةً أخرى. وقولنا: (به) يخرج من لقيه مؤمناً بغيره، كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة.. ويدخل في قولنا: (مؤمناً به)، كلّ مكلّف من الجنّ والإنس»([14]). ألا يستحقّ هذا النصّ التأمّل لمعرفة أنّ تعابير الإيمان والكفر التي استخدمت هنا يمكن أن تُخرج المنافقين على قولهم؟
نعم، قد يواجه هذا التعريف إشكاليّة أنّ الإيمان ظاهرة قلبيّة، فكيف يمكن التأكّد منها؟ أو بمعنى آخر: لا يمكن الحكم بصحبة أحدٍ لم يُحرز إيمانه([15])، وهذه ثغرة في التعريف؛ لأنّ التعريف الحديثي يريد في الحقيقة إدخال كلّ الصحابة ـ غير المنافقين المعروفين ـ في دائرة التعديل، لكنّه بهذه الطريقة ترك ثغرةً لكلّ من يشكّك في أصل إيمان فلان أو فلان، ويعتبرهم منافقين مخفيّين، وسيأتي التعرّض لهذا الموضوع أكثر.
التعريف الثاني: ما يُنسب إلى جمهور من الأصوليّين من أهل السنّة، حيث يُدّعى اعتمادهم على العرف في تحديد مفهوم الصحابي، في مقابل المحدّثين المعتمدين على اللغة في ذلك([16]).
والصحابي عند الأصوليّين هو من طالت صُحبته للنبيّ وكثرت مجالسته له على طريق التبع له والأخذ عنه. ونَقَل الآمدي عن عمر بن يحيى أنّه من طالت صحبته وأخذ العلم عن النبيّ([17]). ويظهر ـ في المنقول ـ اختيار هذا القول من بعض علماء الإباضيّة، حيث تبنّاه الشيخ أحمد بن سعيد الشماخي (928هـ)([18]).
وقد نُسب هذا القول في بداياته إلى سعيد بن المسيّب (94هـ)، حيث نُقل عنه أنّه كان يقول: «الصحابة لا نعدّهم إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم سنةً أو سنتين، وغزا معه غزوةً أو غزوتين»([19]). ولعلّه يظهر أيضاً من أنس بن مالك (93هـ)، حيث ينقل ابن الصلاح الحلبي عنه قائلاً: «وروّينا عن شعبة، عن موسى السبلاني وأثني عليه خيراً، قال: أتيت أنس بن مالك، فقلت: هل بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ غيرك؟ قال: بقي ناسٌ من الأعراب قد رأوه، فأمّا من صحبه فلا. إسناده جيّد، حدّث به مسلم بحضرة أبي زرعة»([20]). كما أنّه يبدو من عاصم الأحول حيث نُقل عنه أنّه قال: «عبد الله بن سرجس رأى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يكن له صحبة»([21]).
يقول الزركشي: «وقال ابن السمعاني: والظاهر من طالت صحبته مع النبي صلى الله عليه وسلم وكثرت مجالسته له وينبغي أن يطيل المكث معه على طريق التبع له والأخذ عنه، ولهذا يوصف من أطال مجالسة أهل العلم بأنّه من أصحابه. ثم قال: هذه طريقة الأصوليّين، أما عند أصحاب الحديث فيطلقون اسم الصحابة على كلّ من روى عنه حديثاً أو كلمة ويتوسّعون حتى يعدّون من رآه رؤيةً ما من الصحابة، وهذا لشرف منزلة النبي صلى الله عليه وسلم أعطوا كل من رآه حكم الصحابة.. وقال ابن فورك: هو من أكثر مجالسته واختصّ به؛ ولذلك لم يعدّ الوافدون من الصحابة، وقد يقال: فلان من الصحابة بمعنى أنّه لقيه وروى عنه وإن لم تطل صحبته ولم يختصّ به، إلا أنّ ذلك بتقييد، والأوّل بإطلاق. انتهى. وقال أبو نصر بن القشيري: لفظ الصحابي من الصحبة فكلّ من صحبه صلى الله عليه وسلم لحظة يطلق عليه اسم الصحابي لفظاً، غير أنّ العرف اقترن به، فلا يطلق هذا اللفظ إلا على من صحبه مدة طالت صحبته فيها. قال: ولا تضبط هذه المدّة بحدّ معين، وكذا قال الغزالي»([22]).
ومن الواضح أنّ هذا التعريف سيُخرج عدداً هائلاً من الصحابة عن دائرة الصحبة التي يفترض أن تترتب عليها آثارها، مقارنةً بالتعريف الأوّل، خاصّةً لو أضفنا إليه ـ فيما نُقل ـ اشتراط الأخذ عن النبيّ والرواية.
لكنّ المحدّثين في الوسط السنّي، لم يرضوا بهذا التعريف؛ حيث علّق ابن الصلاح عليه بقوله: «لكن في عبارته ضيق، يوجب ألا يعدّ من الصحابة جَرير بن عبد الله البجلّي، ومن شَاركه في فَقْد ظاهر ما اشترطه فيهم، ممّن لا نعرف خلافاً في عدّه من الصحابة»([23]).
وبهذا جعل ابنُ الصلاح ـ وتبعه المامقاني([24]) ـ التعارفَ والشهرة وسيلة نقديّة لتفنيد هذا التعريف، بل رأينا أنّ بعضهم ذكر أنّ شرف النبي وعظيم بركته يستدعيان شمول هذه البركة لكلّ من لقيه([25]).
وفي المقابل، يبدو أنّ هذا التعريف الأصوليّ السنّي قد ذهب إليه بعض الإماميّة، وهو أنّ الصحابيَّ من كثرت ملازمته للنبيّ، وأنّ المصاحبة تستدعي طول الصحبة وطول اللبث، ويرى السيّد مرتضى العسكري أنّ كلمة الأصحاب أو الصحابة ما كانت بمثابة العَلَم على أصحاب رسول الله، بل هذا شيءٌ ظهر تدريجيّاً بين المسلمين، وإلا فإنّ تعيين أصحاب رسول الله كان بحاجة في عصر النبي إلى ذكر المضاف إليه([26]).
غير أنّ الذي يظهر من الشهيد الثاني هو أنّه يختار تعريف محدّثي أهل السنّة، مع أخذ قيد اللقاء لا مجرّد الرؤية، قال: «الصحابيُّ: من لقي النبي‘ مؤمناً به، ومات على الإسلام وإن تخلّلت ردّته على الأظهر»([27])، وهذا ما يظهر من الحسين بن عبد الصمد ـ أي الميل إلى قول المحدّثين ـ لأنّه ذكر أنّ النبي توفّي عن مائة وأربعة عشر ألف صحابي([28]).
التعريف الثالث: وهو التعريف الذي يمثل القول المتوسّط بين القولين المتقدّمين، ولعلّني أسمّيه التعريف الشرعي، فإنّ القول الأوّل يعتمد على اللقاء، فيما الثاني يعتمد على طول الصحبة والملازمة، والصحيح ـ عند القائل بهذا التعريف ـ أنّ المراد بالصحابيّ شرعاً معنى خاص يقترب من الثاني لكنّه لا يطابقه، وهو أنّ الصحابة هم المهاجرون والأنصار ومن يدخل في حكمهم ممّن أسلم قديماً في العهد المكّي ثم مات أو استشهد أو هاجر إلى الحبشة ولم يعد إلا بعد الحديبيّة، ويدخل النساء المهاجرات وموالي المهاجرين الذين شاركوا في الإسلام والهجرة([29]).
التعريف الرابع: ما ذهب إليه جماعة من محدّثي أهل السنّة، وهو مجرّد الرؤية دون حاجة إلى اللقاء، أي من رأى النبيَّ مسلماً بالغاً عاقلاً.
وقد ذهب إلى هذا القول البخاريّ، حيث ذكر أنّ الصحابي هو من صحب النبي أو رآه من المسلمين، كما ذهب إليه علي بن المديني مكتفياً برؤية النبي ساعة من نهار([30]). وقد نُسب إلى ابن حنبل والبخاري والواقدي أنّ الصحابي هو مطلق المصاحب ولو لساعةٍ أو حتّى مجرّد رؤية([31]).
والذي رأيناه أنّ البخاريّ صدّر باب فضائل الصحابة في صحيحه بقوله: «ومن صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه»([32]).
وربما يمكن دمج التعريف الأوّل مع هذا التعريف؛ لتقاربهما جداً؛ ولعلّ القائلين بهما يقصدون شيئاً واحداً.
التعريف الخامس: إنّ الصحابي هو من أدرك النبيّ ولو لم يره.
وهذا هو أوسع التعريفات على الإطلاق، وقد نسبه السيوطي إلى يحيى بن عثمان بن صالح المصري وابن منده وابن عبد البرّ([33]).
يقول العيني: «وقال أبو عمر: الأحنف بن قيس أدرك النبي ولم يره ودعا له، وإنما ذكرناه في الصحابة؛ لأنّه أسلم على عهد النبيّ»([34]). ولعلّه يبرّر كونه من الصحابة أو لعلّه يقصد أنّه ليس صحابيّاً، ولكنّنا ألحقناه إلحاقاً لأجل هذا السبب.
2 ـ نقد التعريف الحديثي للصحابي أو نظريّة اللقاء والرؤية
هذه هي أهمّ الأقوال في تعريف الصحابي، والذي يبدو أنّه مستند القول الأوّل هو اللغة، حيث يقال: صحب فلانٌ فلاناً، ويقصد أنّه صحبه ولو لساعة في الطريق، فإنّ هذه الجملة تصدق في هذه الحال أيضاً([35]).
ويناقش هذا التعريف، مع التعريف الرابع، فضلاً عن الخامس؛ فإنّ ما يرد على الأوّل يرد على الرابع والخامس أيضاً، بأمور:
أوّلاً: ليس مصطلح الصحابي أو الصحابة أو أصحابي أو صحب النبي أو صحبتي بذي بال إلا إذا وقع في لسان دليلٍ شرعي، فهنا ندرس التعبير الوارد في الدليل الشرعي وننظر فيه، ثم نرتّب الأثر الوارد في الدليل على المفاد اللغوي ضمن سياق هذا الدليل الشرعي، وإلا فتسمية (الصحابي) في حدّ نفسها لا قيمة وراء البحث عنها ـ ولكلّ شخص أن ينحت مصطلحاً يريده ـ لاسيما مع عدم ورود هذا التعبير في القرآن الكريم، فليس هدف الأصوليّ أو الفقيه أو المتكلّم أو الرجالي وأمثالهم، مجرّد تحليل تاريخ أصحاب النبي ومن لقيه أو رآه، بقدر ما يهدف إلى ترتيب آثار وردت في النصوص بحقّ من اتّسم بهذا العنوان أو ذاك.
من هنا، لا نوافق على ما ذكره الحرّ العاملي، من أنّ الصحبة بما هي هي مدحٌ إذا اُخذت الصحبة بمعنى اللقاء أو الرؤيا وأمثال ذلك، إلا على معنى سوف نذكره في آخر هذا البحث فانتظر. نعم هي نعمةٌ على صاحبها أنّه رأى النبيَّ أو لقيه أو لازمه أو جالسه أو تحدّث معه، أمّا هل تشكّلُ عنصرَ مدحٍ لوحدها بصرف النظر عن سائر العناوين الملحوظة في هذا السياق؟ فهو أوّل الكلام، بل المدح يكون على سلوكٍ حسنٍ صدر من الشخص، ولهذا توعّد القرآن نساء النبيّ ـ رغم صحبتهنّ ـ أن يكون عذابهنّ مضاعفاً على تقدير المعصية، وبهذا كان الاتصال بالنبيّ أشدّ وطأ ومسؤوليّة على أصحابه من عدم الاتصال في بعض الأحيان، فدعوى أصالة المدح في الصحابي غير مقنعة، بصرف النظر عن الأدلّة الآتية في تحقيق عدالة الصحابة، والتي لا يقبل بها الحرّ العاملي نفسه.
إذن، فالمؤرّخ أو المحدّث أو الرجالي يمكنه أن يخترع لنفسه عنواناً مثل عنوان (الصحابة)، ثم يضع تحته أفراداً، وفقاً لتنظيمٍ خاصّ يرجع إليه، لكنّ هذا لا ينفع هنا، فلابدّ من ملاحظة الأدلّة الشرعية وتحليلها لغويّاً، لا تحليل مصطلحٍ جامعٍ انتزاعي قد لا يثبت ورودُه في دليلٍ شرعي معتبر لترتيب أثر العدالة عليه.
وبعبارة أخرى: عدالة الصحابة تعبّر عن حكمٍ بالعدالة منصبّ على كلّ صحابي حسب الفرض، وهنا لابدّ من الرجوع إلى أدلّة هذا الحكم لمعرفة العنوان الوارد فيها، والذي رُتّب الحكمُ عليه، ففي القرآن الكريم رتّب الحكم ـ مثلاً ـ على عنوان (السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار) أو على (المؤمنين المبايعين تحت الشجرة)، فإذا كان المدرك في عدالة الصحابة هو هاتين الآيتين فأيّ فائدة من وراء البحث عن تعريف كلمة (صحابي)، وتفكيكها لغويّاً وعرفيّاً؟! بل كيف يمكن ترتيب آثار هاتين الآيتين على كلّ صحابي بالمفهوم الأوسع من مفهوم المهاجرين والأنصار؟! فلينصبّ البحث على عنوان المهاجرين والأنصار مباشرةً، بدل تطويل المسافة بعنوانٍ آخر.
وهذه التعليقة منّا مجرّد مدخل مفتاحي لتلمّس عناصر الموضوع، إضافة إلى أنّ من يثبت عنده مدرك لتعديل الصحابة لا يحتوي على مشتقّات كلمة (صحب)، كالنصوص القرآنيّة، فإنّه لن يكون معنيّاً بالبحث في تعريف (الصحابي)، بل لا يصحّ منه ترتيب الآثار على هذا العنوان الذي لم يؤخذ عنده في لسان دليلٍ شرعي.
ثانياً: وفقاً لما تقدّم نميّز ـ في عنوان الصحبة الوارد في بعض الأحاديث ـ بين استخدام الفعل واستخدام اسم الفاعل، وهذا التمييز مقبولٌ حتى من الناحية اللغويّة والعرفيّة، فإذا ورد في الرواية المثبتة لعدالة الصحابيّ ـ لا الرواية الواردة في مطلق فضلٍ للصحابي ـ تعبير: من صحب النبي كان كذا وكذا، أمكن الاستناد إلى إطلاقها لإثبات الشمول لمن صحبه ولو لساعةٍ؛ لصدق عنوان (من صحب) ولو بهذا المقدار، ما لم يُدّعَ الانصراف، أما لو كان المدرك هو «أصحابي كالنجوم..» فإنّ العرف لا يفهم من الصاحب هنا مطلق من صحب ولو لساعة، بل يرون ذلك وصفاً لحالةٍ لها نحو استمراريّة، فهي مثل الأوصاف التي تطلق بلحاظ الملكات، مثل بائع العدس، عندما تطلق بلا قيد.
قد تقول: يكفيني الإطلاق اللغوي الصحيح، فالمفترض أخذ اللغة مرجعاً هنا، واللغة تقبل ذلك، فأيّ حاجة إلى إقحام العرف في الميدان؟
والجواب: إنّ فهم النصوص الصادرة في مناخٍ اجتماعيّ ما لا يقف عند حدود التفسير المعجمي، بل يلاحظ الفهم العرفي السياقي الانسباقي أيضاً، كما هو ديدن جمهور علماء المسلمين في تفسير القرآن وشرح الحديث، فعندما تقول أنت اليوم: أصحابي، فإنّ العرف لا يفهم منك أنّك تريد الحديث عن كلّ من لقيك ولو ساعة في حياتك، وإلا لصحّ أن تقول: أصحابي عددهم (مليون) شخص؛ لأنك بلا شك لقيت (مليون) شخص حتى الآن في حياتك مثلاً، كما في الحج وغيره، فهل هذا الفهم صحيح عرفاً؟ وهل يفهم عرف أهل اللغة العربية، بل وغيرها، ذلك أيضاً من مثل هذا التعبير؟
من هنا، لا يصحّ تغييب مرجعيّة العرف واللغة معاً هنا؛ لفهم المراد من تعبير أصحابي أو صحابتي أو ما شابه ذلك.
ثالثاً: إنّ هذا التعريف يدخل فيه غير المسلم؛ لصدق عنوان الصحبة لغةً عليه، ويدخل فيه أيضاً المنافقون لصدق عنوان الصحبة لغةً فيهم، مع أنّهم في التعريف الحديثي قد أخذوا شرط الإيمان والموت عليه. وبعبارةٍ أخرى: إنّ جعل اللغة مرجعاً حصريّاً ينافيه أخذ قيد الإيمان والموت عليه في تعريف الصحابي.
لكنّ هذا الإشكال يمكن أن يجاب عنه، فإنّ القائلين بالتعريف العام أو الخاصّ للصحابي، لا يقصدون حصر المرجعيّة في ترتيب آثار الصحبة باللغة أو العرف، بل الكلّ متفقٌ على تدخّل الشرع في مفهوم (الصحابي الذي تترتّب عليه الآثار)، وهذه القيود الإضافيّة التي وضعت عند الجميع على تعريف الصحابي إنّما جاءت من الاعتبارات الشرعيّة، فمثلاً لا يمكن أن يكون الاقتداء بأيّ واحد من الصحابة موجباً للهداية حتى لو كان الصحابيُّ كافراً، سواء أخذنا مفهوم اللقيا أم الرؤية أم الملازمة؛ لأنّ الاستتباع بين الاقتداء والهداية فيه قرينة على إرادة الصحابي المسلم؛ كونه الهادي إلى الإسلام، فيكون هذا مدرَكاً شرعياً لأخذ قيد الإسلام رغم صحّة إطلاق وصف الصحابي لغةً وعرفاً على الصاحب الكافر.
وبهذا يظهر وجود ثلاث مرجعيّات تساهم في تحديد الصحابي هي: اللغة، والعرف، والشرع، أي النصوص النقليّة من الكتاب والسنّة.
وإذا كان الأمر كذلك فهذا معناه أنّ تحديد مفهوم الصحابي رهينٌ بملاحظة جملة النصوص الشرعيّة، فلعلّها تعطي قيداً إضافيّاً أو تحذف قيداً مذكوراً، فلا يصحّ فرض تعريف للصحابي ثم البحث عن دليل عدالته، بل الأصحّ هو دراسة الأدلّة والنظر فيما تعطيه بصرف النظر عن عنوان الصحابي، ثم وضع عنوان ـ جامع مانع ـ لكلّ من عدلّته النصوص.
رابعاً: إنّ الاقتصار على الرؤية ولو من دون لقاء في التعنون بعنوان (الصحابي) غير صحيحٍ، لا لغةً ولا عرفاً ولا شرعاً، فلا يقال لمن رأى شخصاً ولو ساعةً أنّه صاحبه أو صحبه أو من صحابته أو من أصحابه، واللغة تأبى ذلك، لاسيّما لو عُمّم لرؤية النبي ميتاً كما وقع لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي الشاعر، هذا فضلاً عن العرف.
والأوضح من ذلك ما ذهب إليه بعضهم من كفاية الرؤية ولو من دون تمييز، ومثاله محمد بن أبي بكر الذي ولد قبل وفاة النبي بثلاثة أشهر وبضعة أيام([36])، فكيف يُطلق لغةً وعرفاً على مثله أنّه من أصحاب النبي؟
وأوضح من ذلك أخذ عنوان إدراك زمن النبي ولو لم يره، فلا العرف ولا اللغة تقبل بإطلاق وصف الصحابي أو الصاحب على مثل هذا الشخص.
وبهذا يظهر أنّ اللغة والعرف لا يساعدان على التفسير الرابع والخامس أيضاً هنا.
أما الشرع، فالذي يبدو مستنداً لهذا التعريف الذي اختاره الإمام البخاري، ما ورد في صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي‘ أنّه قال: «يأتي على الناس زمان يغزو فئام([37]) من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله‘ فيقولون: نعم، فيفتح لهم..»([38]). فهي دالّة على كفاية الرؤية في تحقّق دخول الجنّة، مما يعني أنّ عنوان الصحابي شاملٌ ـ شرعاً ـ لكلّ من رأى النبي.
إلا أنّ الاستدلال بهذه الرواية غير صحيح، وذلك:
أ ـ لورودها بصيغة «من صحب رسول الله»، بدل «من رأى»، في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما([39])، ومع تردّد الحديث بين صيغتين يصعب الوثوق بواحدة معيّنة منهما، فيؤخذ بالقدر المتيقّن، وهو هنا عنوان الصحبة دون الرؤية.
ب ـ ما ذكره بعض المعاصرين، من أنّ هذا الحديث لو كان مرجعاً شرعيّاً في كفاية الرؤية، لشمل ـ شرعاً ـ الكافرين والمنافقين، مع أنّهم لا يلتزمون بذلك([40]).
لكن يمكنهم الجواب عن ذلك، بأنّ هذا الحديث يُثبت كفاية الرؤية في مقابل اللقيا والمجالسة وطول الصحبة وكثرة الملازمة، لا في مقابل سائر الخصوصيّات المأخوذة من دليلٍ آخر كالإسلام، نعم ظاهر إطلاق بعض الكلمات أنّهم لم يذكروا في تعريف الصحابي غير وصف الرؤية أو اللقيا، فإن كان إطلاقهم هذا مقصوداً كان هذا الإيراد في محلّه.
هذا كلّه في قيد الرؤية من طرف الصحابي، أما لو جعلنا النبي هو الذي رآى هذا الصحابي حتى لو لم يره الصحابي، كما يظهر من بعضٍ، حيث اكتفى بأن يراه النبي حتى لو لم يرَ هذا الصحابيُّ النبيَّ فضلاً عن أن يلتقيه، فإنّ الأمر أوضح في عدم الصدق اللغوي، فضلاً عن العرفي والشرعي، فلا يقال: أنا صاحب فلان؛ لأنّه رآني مرّةً واحدة من دون لقيا بيننا ومن دون أن أراه أنا!
وقد يخطر في بالي القول ـ انتصاراً لأوسع التعريفات هنا ـ: إنّ كلمة (صحابي) عندما تنسب للنبيّ، فإنّها تعني المسلم، فمثلاً تقول: فلانٌ من أصحاب محمّد، أي من الذين آمنوا معه، ومعه تشمل مطلق المسلم ولو لم يرَ النبيَّ أو يره النبيُّ.
والجواب: إنّ هذا الاستخدام وإن كان ممكناً في العصر النبوي، لكنّه لا يظهر انصرافه من اللفظ لغةً وعرفاً، فنأخذ بالقدر المتيقّن اللغوي والعرفي في الدلالة، ولهذا نجد أنّه لا يقال للمسلمين اليوم بأنّهم من أصحاب محمّد؛ لكونهم آمنوا به، ويكفي هذا الشكّ لمَنْعِنَا عن اختيار هذا المعنى وتبنيّه.
ومن كلّ ما تقدّم يتبيّن أنّ التعاريف الأوّل والرابع والخامس غير مقنعة، لو بقينا نحن ومفردة (الصحابي).
3 ـ نقد نظريّة المعنى الشرعي الخاصّ للصحابي
لا شك في أنّ البحث عن خصوصيّات شرعّية على تعريف الصحابي أمرٌ جيّد عندما يراد ترتيب آثار على عنوانٍ ما ثمّة خصوصيّات شرعيّة له، لكنّنا الآن نبحث في التفكيك العنواني لا الحكمي للصحابة، وهذا معناه أنّ صدق عنوان الصحابي غير مربوط لا لغةً ولا عرفاً بالهجرة ولا بالجهاد ولا بالغزو مع النبي، ولا حتى بالإسلام بمعنى سوف نبيّنه، ولا بالهجرة إلى الحبشة والعود بعد الحديبية، فكلّ هذه المفاهيم لا علاقة لها بمفهوم الصحبة والصحابة، وإنما هي ذات علاقة في ترتيب بعض الأحكام والآثار مثل العدالة مثلاً، انطلاقاً من أنّ الأدلّة التي رتّبت تلك الآثار لم تدلّ على أزيد من هذه المساحة. وإلا فمفهوم الصحبة في نفسه لغةً وعرفاً وشرعاً يكفي فيه الملازمة وطول العلاقة بين الطرفين.
وبهذا يصحّ إطلاق عنوان (صاحب) حينئذٍ، حتى مع عدم الإسلام، والاختلاف العقدي لا يمنع من إطلاق وصف الصحبة، ولهذا وصفت الآيات القرآنيّة بعض الأنبياء بأنّهم أصحاب قومهم رغم الهوّة العقدية بينهم وبين قومهم، قال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (التكوير: 2)، وقال سبحانه: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُم وَمَا غَوَى﴾ (النجم: 2).
نعم، يدخل الشرع في تحديد المفهوم عندما يؤسّس لاصطلاح جديد ويتحوّل إلى حقيقة شرعيّة أخصّ أو أعم من الحقيقة اللغويّة، فلو أثبتنا أنّ تعبير الأصحاب أو الصحابة أو الصحابي صارت له في عصر النبي حقيقة شرعيّة بحيث عندما يطلق يُتبادر منه إلى الذهن المعنى الخاص لا العام، لكان يمكن هنا الأخذ بمرجعيّة الشرع، فنحن نقبل بمرجعيّة الشرع عندما يكون هناك نصّ يدلّ على توسعة أو تضييق أو انتقال إلى معنى جديد له نحو مناسبة مع المعنى القديم، مثل عنوان الصلاة والصوم، أما مجرّد أن تأتي رواية «أصحابي كالنجوم..» فهذه لا تؤسّس لمفهوم جديد للصحبة، وإنّما ترتّب التوصيف المذكور فيها على عنوان أصحاب النبي بما يحمله من معنى لغوي وعرفي، ولو فرضنا تقيدّها بقيدٍ ما في روايةٍ أخرى، فهذا تقييد في الحكم بأن نقول مثلاً: مراده ـ بقرينة الرواية الثانية ـ بعض الأصحاب، وهم فلان وفلان، فهذا ليس تأسيساً لمفهوم جديد.
وقد أشرنا فيما سبق إلى أنّ مصطلح الصحابة لا يُحرز أنّه صار حقيقةً شرعيّة في العصر النبوي، ولا أنّه كان يطلق ويراد به أصحاب النبي من دون إضافة، فإنّ هذا الأمر يحتاج إلى دليل، لاسيما مع خلوّ النص القرآني عن هذا العنوان في حقّ أصحاب النبيّ.
من هنا نقول: الشرع ذو دور في ترتيب الآثار على الصحابة، وذو دور في تفسير العنوان عندما يرد ما يفيد ذلك موضوعاً لا حكماً، أو تكون هناك حقيقة شرعيّة في العصر النبويّ، أمّا في غير ذلك فلا دور له في تفسير المفهوم، وإنّما دوره في تعيين مساحة الموضوع الذي ينطبق المفهوم ـ وهو العدالة ـ عليه، بصرف النظر عن تسميته بالصحابي أو الصحابة، فتأمّل جيداً.
وعليه، فالتفسير الرابع، وكذا القيود الدينيّة التي اُضيفت على التفاسير كلّها، لا تمثل جزءاً من دلالة كلمة (صحابي)، بل هي إضافات حكميّة، أو عمليّات نحت لمصطلح جديد للمفردة بعد العصر النبويّ، وليست شرحاً تفكيكياً للمفردة نفسها، أو أنّه يمكن فرض هذا التعريف على أنّه نتيجة الموقف من عدالة الصحابة وأنّ العدالة ـ عند القائل بهذا التعريف ـ ثابتة لهذه المساحة فقط، وهذا غير تعريف الصحابي في نفسه، أرجو التدقيق.
4 ـ تصويب النظريّة الأصوليّة في تعريف الصحابي (الملازمة)
مما أسلفناه، يظهر أنّ التعريف الأصحّ لمفهوم الصحبة أو الصحابي هو ما ذكره الأصوليّون من الملازمة والارتباط المتكرّر بما يحقّق عرفاً توصيف هذا الشخص أو ذاك بأنّه من أصحاب النبيّ.
وغالب الظنّ أنّ التعريف الحديثي جاء تالياً تاريخيّاً للتعريف الأصولي الذي هو التعريف اللغوي العرفي معاً، كما رأينا في نصوص ابن المسيّب وأنس بن مالك.
لكنّ هذا التوصيف لا يُلازم الحكم، فنحن هنا نعرّف فقط كلمة صحابي وأمثالها من حيث ورودها في عنوان البحث، أما هل كلّ من يتصف بهذا العنوان (صحابي) تلحقه أحكام خاصّة مثل العدالة ودخول الجنّة ونحو ذلك أو لا؟ فهذا هو البحث الحكمي لا الموضوعي، وقد يثبت البحثُ الحكمَ بعدالة الصحابة، وقد يثبت عدالة عنوانٍ أوسع من عنوان الصحابة، وقد يثبت عدالة بعض الصحابة فقط، وقد يثبت عدالة المهاجرين والأنصار ومن بحكمهم خاصّة، فهذا أمرٌ آخر يأتي إن شاء الله سبحانه.
والنتيجة التي نخرج بها من تشريح المفردة والمصطلح، أنّنا لو خصّصنا نظرنا بتعريف كلمة الصحابي والصحابة، بصرف النظر عن الموقف من صحابة النبي مما سيأتي بحثه بعون الله، فإنّ هذه المفردة تعبّر ـ في القدر المتيقّن من دلالتها ـ عن المعنى الأصوليّ للصحابي (التعريف الثاني)، دون سائر المعاني، والنسبة بين هذه النتيجة وبين الموقف من نظريّة عدالة الصحابة قد تتحد وقد تتداخل، بمعنى أنّني قد أفهم هذه الكلمة وفقاً للتعريف الأصولي لها، لكنّني ولأجل الأدلّة في الكتاب والسنّة أحكم بعدالة جميع من رأى النبيّ، سواء سمّيناه في اللغة والعرف صحابيّاً أم لا، وقد أقبل بالتفسير الحديثي للكلمة (التعريف الأوّل)، لكنّني في الوقت عينه لم يثبت عندي أنّ من يسمّى بالصحابي بهذا التعريف قد ثبتت عدالته، فالتمييز بين البحث التفكيكي اللغوي والمصطلحي لهذه الكلمة وبين نتائج البحث الحكمي في الموقف من عدالة الصحابة، بالغ الأهميّة، فاقتضى التنويه.
وبهذا يظهر أنّ البحث التصوّري في تحليل هذه الكلمة لا قيمة له في نفسه، بل القيمة في تحليل النصوص الدالّة على العدالة وعدمها من حيث تركيبها ومفرداتها وسياقاتها. وأمّا ماذا يقصد هذا العالم أو ذاك من هذه المفردة فهو بحثٌ لا يعنينا هنا.
ثانياً: نظريّة عدالة الصحابة، الأدلّة والشواهد
حظيت نظريّة عدالة الصحابة باهتمام إسلاميّ، وأقام أنصارها أدلّةً عديدة على إثباتها من القرآن والسنّة والإجماع وبعض الوجوه الاعتباريّة والعقلائيّة والعقلانيّة، ولابدّ لنا هنا من استعراض هذه الأدلّة؛ لمعرفة مدى دلالتها والمعطيات التي تقدّمها([41]).
وأبرز هذه الأدلّة:
1 ـ المستند القرآني لعدالة الصحابة
حاول أنصار نظريّة عدالة الصحابة الاستناد إلى القرآن الكريم لإثبات مقولتهم، كما فعل في مقابلهم أنصار نظريّة الإمامة، والآيات التي اعتمدوا عليها يمكن لنا أن نقسّمها إلى قسمين أساسيّين هما:
أ ـ الآيات التي تأخذ عنوان الأمّة أو الكلّ، أو نحو ذلك من العناوين العامّة.
ب ـ الآيات التي تأخذ العنوان الخاص كالمهاجرين والأنصار وغير ذلك.
وندرس هذين النوعين، كالآتي:
1 ـ 1 ـ الآيات العامّة في إثبات عدالة الصحابة، عرض وبيان
تتعدّد الآيات المستدلّ بها هنا، أو التي يمكن جعلها دليلاً، وهي:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (البقرة: 143).
فهذه الآية الكريمة ـ عندما نتصوّر أنّنا نسمعها في فضاء العصر النبوي جالسين تحت المنبر النبوي ـ تخاطب المسلمين في ذلك العصر وتجعلهم أمّةً وسطاً شهداء على الناس، وتعدهم بأنّه سبحانه لن يضيع إيمانهم، وهذا توصيف مادح عام للمسلمين في عصر النبيّ، وهو كفيل بأن يكون شهادةً لهم ومنقبة.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (آل عمران: 110).
فهذه الآية تصف المؤمنين وتخاطبهم بأنّهم خير أمّة أخرجت للناس، وأنّهم يؤمنون بالله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ومثل هذه الأوصاف تفوق المدح، كما هو واضح.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (الفتح: 29).
فإنّ هذه الأوصاف المادحة التي احتوتها هذه الآية الكريمة كلّها تتعلّق بمن كان مؤمناً مع النبيّ، والسورة مدنيّة نزلت بعد صلح الحديبية كما هو المشهور، فتدلّ على شمول مضمونها لكلّ المؤمنين في تلك الفترة.
يقول ابن الجوزي: «وهذا الوصف لجميع الصحابة عند الجمهور»([42]).
الآية الرابعة: قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنفال: 64).
فإذا كانت هذه الآية الكريمة تجعل المؤمنين مع النبيّ، فيهم الكفاية للنبيّ، وأنّ بهم يحقّق ما يريد بإذن الله سبحانه، فهذا خير دليلٍ على أنّ القرآن ينظر إلى هؤلاء الذين كانوا يحيطون بالنبيّ على أنّهم أمّة يمكن أن يعتمد عليها الرسول ويبني حساباته عليها ويحقّق الأهداف من خلالها.
الآية الخامسة: قوله سبحانه: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أعدّ الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم﴾ (التوبة: 88 ـ 89).
فهذه الآية تجعل المؤمنين مع الرسول في عداد المجاهدين الذين يوعدون بالخيرات وبالجنّة التي سوف يدخلونها.
الآية السادسة: قوله تبارك وتعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: 78).
فإنّ الآية تخاطب المؤمنين في ذلك الزمان، وهم صحابة النبيّ، وتقول بأنّ الله اجتباهم واصطفاهم، وهذه منزلة عظيمة لهم، ثم جعلهم شهداء على الناس([43]).
وإنّما اقتصرنا على بعض الآيات التي ليس فيها قيد، لتكون عامّةً، فمثل قوله تعالى: ﴿لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ..﴾ (التحريم: 8) لم ندرجها؛ إذ قد يناقش في أصل إيمان كلّ من كان مع النبيّ، فليلاحظ جيّداً، لهذا اكتفينا بنموذج لذلك وهو الآية الخامسة المتقدّمة.
وقفات تحليليّة نقديّة مع الاستدلال بالنصوص القرآنية العامّة
هذه هي أهم الآيات العامّة التي ذكرت دليلاً على عدالة الصحابة جميعهم بالمعنى الواسع، ولكن يمكن التوقّف هنا عند بعض النقاط التي نجدها على صلة بهذه المجموعة من الآيات الكريمة.
وقبل ذلك لابدّ من الإشارة إلى أنّ هذه الآيات يفترض ـ حسب تقريب الاستدلال بها ـ أنّها تخاطب المسلمين في ذلك العصر، وبناءً عليه فعندما يحكم بعدالة الصحابي انطلاقاً من بعض هذه الآيات الكريمة على الأقلّ، يلزم تعريف الصحابيّ بأنّه كلّ مؤمن كان مع النبي، سواء لازمه أم لا، وسواء غزا معه أم لا، وسواء رآه أم لا، وسواء التقى به أم لا.. فمن الناحية النظريّة لا ينبغي أخذ كلّ هذه القيود، وإنما المفروض أخذ خصوصيّة الانتماء للأمّة والإيمان والمعيّة بهذا المعنى.
فالاستناد لهذه الآيات يُثبت عدالة ما هو أزيد من الصحابيّ بالمعنى الأصولي، ولعلّه لذلك عرّف المحدّثون الصحابي بمجرّد الرؤية ولو مرّة واحدة؛ إذ في العادة رأى المسلمون كلّهم النبيّ ولو لمرّة واحدة، بل ربما يكون هذا هو منطلق التعريف الخامس المتقدّم بصرف النظر عن ملاحظاتنا في التمييز بين تعريف الصحابي وحكم العدالة الوارد في الدليل الشرعي ولو على عنوان غير عنوان الصحابي.
وعلى أيّة حال، فأبرز المداخلات النقديّة هنا هو الآتي:
1 ـ 1 ـ 1 ـ من هم المعنيّون في الآيات العامّة؟ تحليل ثلاث فرضيّات
المداخلة النقديّة الأولى: الظاهر من طريقة الاستدلال بأغلب هذه الآيات أنّها تقوم على أنّ المخاطب بها هم الصحابة، وكأنّها تقوم على نظريّة الخطاب القرآني ببعض معانيها، أو نظرية الحكاية عن الواقع الناجز إلى زمن نزول الآيات، وهنا نحن أمام فرضيّات ثلاث:
الفرضيّة الأولى: إنّ الآيات تخاطب المجموعة التي سمعتها من لسان النبي في المرّة الأولى، وهذا ما لا نعلمه من حيث العدد، فقد يكونون قلّةً وقد يكونون كثرة، ولا يوجد تحديد لهم بأعيانهم، وعددهم أخصّ بكثير في العادة من الصحابة عامّة بأيّ معنى من المعاني فسّرنا عنوان الصحابة، فهذه الآيات لا تُثبت شيئاً من الناحية العمليّة، وفقاً لهذه الفرضيّة، إلا نادراً.
الفرضيّة الثانية: إنّ الآيات تخاطب الأمّة الإسلاميّة ككلّ على امتداد الزمان والمكان، فجعلُ الله تعالى المؤمنين أمّةً وسطاً يُقصد به المؤمنون إلى يوم القيامة ملحوظين جميعاً من الناحية الزمنيّة، وهذا ما يُعرف بنظريّة عدم اختصاص الخطاب بالمشافهين، فالجملة ما دام العنوان الوارد فيها عامّاً تصلح لمخاطبة كلّ مصاديق هذا العنوان، سواء الذي تحقّق منها خارجاً أم ما سوف يتحقّق إلى يوم القيامة.
وبناءً على هذه الفرضيّة، لن يكون هناك معنى لجعل العناوين الواردة في هذه الآيات خاصّةً بالصحابة، بل تشمل المؤمنين اليوم، فعندما يقال: ملّة أبيكم إبراهيم، يمكننا القول اليوم: ملّة أبينا إبراهيم، وعندما يقال: جعلناكم أمّةً وسطاً، يمكننا اليوم القول: نحن أمّة وسط، وليس فقط المسلمون في الصدر الأوّل هم الأمّة الوسط، فلو دلّت هذه الآيات على عدالة الصحابة لدلّت على عدالة جميع المؤمنين إلى يوم القيامة، وهو واضح الفساد، ولو دلّت على خصوص العدول من المؤمنين إلى يوم القيامة لدلّت على خصوص العدول من الصحابة، لا على عدالة جميع الصحابة.
الفرضيّة الثالثة: إنّ الآيات تخاطب الفرد أو المجموعة الموجودة من المسلمين حال نزولها، سواء من حضر مجلس المشافهة ساعة النطق بالآية للمرّة الأولى على لسان النبيّ أم لم يكن كذلك.
وبناءً على هذا الافتراض، تتمّ دلالة الآيات على المطلوب لو قلنا بدلالتها على التعديل، لكن يبقى أنّ هذا معناه أنّ ألوان الخطاب الواردة في القرآن الكريم يفترض تفسيرها بأجمعها على ذلك، ومن ثمّ ما هو الموجب لتسرية أحكام القرآن للمسلمين الذين أتوا بعد ذلك؟
والجواب عن هذا السؤال بحثناه مفصّلاً في دراساتنا القرآنية ـ الأصوليّة وتعرّض له العلماء، وهو عدم القول بالفصل أو الإجماع على الاشتراك في الأحكام إلا ما خرج بدليل أو ما شابه ذلك، وهنا نقول: ما هو الموجب لكون سائر الآيات ساريةً ـ من حيث المضمون دون الخطاب ـ لما بعد الزمن الإسلامي الأوّل، أمّا هذه الآيات فلا؟!
فإن كان الموجب هو نفس نظريّة عدالة الصحابة، فهذا مصادرة على المطلوب، وإلا فليُبرز، ومع التسرية ـ وفقاً للقاعدة ـ لا يعود هناك مجال للحديث عن عدالة الصحابة أجمعين.
إلا أنّه قد يجاب هنا بأنّ الأصل في الخطاب أن يكون متعلّقاً بالموصوفين زمن النزول، والتسرية لغيرهم تحتاج لدليل، ودليل التسرية في باب الأحكام هو قاعدة الاشتراك، وهي لا تُثبت التسرية في غير باب الأحكام الشرعيّة، كالذي نحن فيه، فإنّنا نتكلّم عن آيات تحمل توصيفات خبريّة وليس إنشاءات حكميّة، فلا يرد هذا الإشكال.
فإن قُبل هذا الجواب تمّ، وإلا استحكم الإشكال السابق.
1 ـ 1 ـ 2 ـ البنية اللغوية للخطابات الموصِّفة للجماعات
المداخلة النقديّة الثانية: قد تعرّضنا في أبحاث حجيّة السنّة وغيرها، لنقطة مهمّة في فهم ألوان الخطاب والبيان، وهي أنّ اللغة العربيّة عندما تُطْلَقُ فيها أوصافٌ على الجماعات، فإنّه يُلاحظ فيها حال الأعم الأغلب، لا الاستيعاب الشمولي التفصيلي الفردي، إلا مع قرينة، فعندما نقول: الشرقيّون اليوم متخلّفون، أو نقول: الغربيّون متقدّمون، أو العكس، فهذا لا يعني أنّ كلّ فردٍ فرد من الغربيّين متقدّم على كلّ فردٍ فرد من الشرقيّين، وإنّما يُراد أنّ ملاحظة الحال الاجتماعي العام يستدعي صورةً من هذا النوع، فعندما يقال: أنتم أمّةٌ وسط، فالتوصيف هنا توصيف للأمّة بما هي أمّة، وكذلك عندما يقال: كنتم خير أمّةٍ أخرجت للناس، فتوصيف الأمّة لا يعني توصيف كلّ فردٍ فرد.
وهكذا الحال عندما يقول بأنّ الذين آمنوا مع محمّد هم ركّع سجّد أتقياء.. فإنّ هذه الأوصاف عندما تُطلق بملاحظة جماعاتٍ تبلغ الآلاف فإنّه يلاحظ فيها الحالة الغالبة عرفاً، فالعرف يقول: أنصار هذا الزعيم أبطال أشداء، أو تلامذة هذه المدرسة ناجحون، أو تلامذة الشخصيّة الفلانيّة ناشطون سياسياً، فهذه الأوصاف عندما تُطلق على مجموعاتٍ كبيرة تأخذ الطابع الغالبي ما لم يحوِ النصُّ إشاراتٍ واضحة لإرادة الجميع بشكل تامّ، فهذا هو حال الجمل الخبريّة التي من هذا النوع عرفاً.
ويشهد لذلك ـ من باب المثال ـ بعض ما ورد في الآيات نفسها، فهل كان كلّ الصحابة بالمعنى العريض سيماهم على وجوههم من أثر السجود؟ وهل كانوا كلّهم فرداً فرداً كثيري الركوع والسجود؟
إنّ هذا كلّه يعطينا تأكيداً لرؤيتنا اللغويّة لفهم النصوص، وهي رؤية نزعم أنّها تسير على وفق الفهم العرفي دون الفهم الفلسفي الإطلاقي.
وعليه، فما نفهمه من مجمل هذه الآيات أنّها تريد أن تُثبت أنّ الحالة الغالبة والطابع العام في الصحابة كان الصلاح والخير والإيمان، ولكنّ هذا لا يمنع من وجود حالاتٍ هنا وهناك خارجة عن القاعدة الغالبيّة هذه، حتى لو شكّلت الخمسة أو العشرة في المائة.
وكلامنا أسهل وأكثر عرفيّةً من كلام الفخر الرازي الذي قال في تفسير آية الأمّة الوسط: «إنّ قوله: (جعلناكم)، خطاب لمجموعهم، لا لكلّ واحدٍ منهم وحده.. وهذا معنى ما قال العلماء: ليس المراد من الآية أنّ كلّهم كذلك، بل المراد أنه لابدّ وأن يوجد فيما بينهم من يكون بهذه الصفة»([44]).
وقال أيضاً: «ولقائل أن يقول: الإخبار عن الشخص بأنّه خير أعمّ من الإخبار عنه بأنّه خير في جميع الأمور، أو في بعض الأمور، ولذلك فإنّه يصحّ تقسيمه إلى هذين القسمين، فيقال: الخير إما أن يكون خيراً في بعض الأمور دون البعض أو في كلّ الأمور، ومورد التقسيم مشترك بين القسمين، فمن كان خيراً من بعض الوجوه دون البعض، يصدق عليه أنّه خير، فإذن إخبار الله تعالى عن خيريّة الأمّة لا يقتضي إخباره تعالى عن خيريّتهم في كلّ الأمور، فثبت أنّ هذا لا ينافي إقدامهم على الكبائر فضلاً عن الصغائر»([45]).
هذا، وتوجد بحوث متعلّقة بآية (خير أمّة أخرجت للناس)، من حيث كون الجملة اللاحقة حاليّة بهدف التنزيل منزلة التعليل لأجل الحضّ ـ كما ذكر ابن عاشور([46]) ـ أو غير ذلك، ويمكن مراجعتها في محلّه، وقد بحثناها بالتفصيل في فقه الأمر بالمعروف، فلتراجع([47]). حتى لا نكرّر ولا نطيل.
1 ـ 1 ـ 3 ـ العلاقة العضويّة بين مساحة المدلول وتاريخ النزول
المداخلة النقديّة الثالثة: إذا كانت هذه الآيات تستخدم النهج الخطابي أو تتحدّث عن الفرد الخارجي، لا الممتدّ في الزمان والمكان، فهذا يعني أنّها لا تقدر على إثبات عدالة جميع الصحابة؛ لأنّ المفروض في هذه الحال ملاحظة زمان نزولها وتطبيقها على زمان النزول لا ما بعده، فلو نزلت الآية مثلاً في العام الثالث للهجرة، فيمكن من خلالها إثبات عدالة علي بن أبي طالب أو أبي بكر، لكنّه لا يمكن من خلالها إثبات عدالة أبي سفيان ولا أبي هريرة؛ لأنّهما أسلما بعد ذلك.
وعليه، فأغلب هذه المجموعة من الآيات لا تُثبت القاعدة العامة بالطريقة الحرفيّة التي يريدها المستدلّ، بل لابدّ فيها من ملاحظة التفاصيل، ومن ثمّ يُفترض أن نحكم ـ لو جعلنا المعيار آيةً نزلت في العام السادس من الهجرة مثلاً ـ بأنّ المسلمين الذين كانوا مع النبيّ زمان نزول الآية، تحكم هذه الآية بعدالتهم، ولا إشارة فيها لحال المسلمين الذي أسلموا بعد ذلك، سواء في عصر النبيّ أم بعده، وإلا لزم تعميم التعديل لكلّ المسلمين بعد عصر النبيّ أيضاً.
نعم مثل آية: ﴿.. وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾، قد لا يجري فيه الإشكال الثاني والثالث.
1 ـ 1 ـ 4 ـ آية الفتح بين التقييد والتوصيف، نقد النقد الشيعي
المداخلة النقديّة الرابعة: ذكر الشيخُ المفيد أنّ هذه الآية ـ الآية الأخيرة من سورة الفتح ـ تذكر مجموعةً من المواصفات في الذين هم مؤمنين مع محمّد، فهي تقول بأنّ المؤمنين مع محمّد يتصفون بمجموعة أوصاف وهي كذا وكذا، من هنا نعود إلى الواقع الخارجي، فما وجدنا من المحيطين بالنبيّ فيهم هذه الصفات، قلنا بأنّهم المؤمنون معه، وإلا لا نحسبهم في زمرة أصحابه، بل في زمرة الكافرين أو المنافقين.
وقد عزّز المفيد ذلك بأنّ القرآن قد بيّن أنّ هذه الصفة هي صفة هؤلاء في التوراة والإنجيل، وهذا معناه أنّ هؤلاء كانوا متصفين بهذه الصفات من أوّل حياتهم، وإلا كيف يكونون ممدوحين في التوراة والإنجيل حال كونهم كفاراً يعبدون الأوثان قبل دخولهم في الإسلام؟!
وهذا ما يجرّ إلى اختصاص هذه الآية بمثل علي وفاطمة والحسن والحسين وأمثالهم، كما ألمح الشيخ المفيد إلى أنّ ظاهر الآية المدحُ في الحال لا بملاحظة العواقب والاستقبال([48]).
وهذه الطريقة التي استخدمها المفيدُ، عاد واستخدمها المحدّث النوري (1320هـ) في معالجة الروايات الشيعيّة الواردة في مدح الصحابة([49])، وسيأتي بعون الله التعرّض لها، وهذا ما وجدناه في بعض الكلمات الأخرى([50]).
إلا أنّ هذه المحاولة النقديّة من الشيخ المفيد وغيره غيرُ صحيحة؛ وذلك أنّ ظاهر هذه الجملة في الآية كلّها هو الإخبار، فكما أنّها تخبر عن أنّ محمداً رسول الله كذلك تُخبر عن أنّ الذين هم معه يتصفون بمجموع صفات، فلا يكون معناها ـ كما قال المفيد ـ محمد رسول الله والذين معه ممن اتصف بهذه الصفات يكونون ممدوحين في التوراة والإنجيل وموعودين بالمغفرة، فإنّ هذا، أي جعل الصفات قيداً في الذين معه لا وصفاً، خلاف ظاهر الآية.
فإذا قلت: الأستاذ قدير ومن معه محصّلون، فهذا وصف لكلّ من معه، لا أنّه جملة شرطيّة أو تفصيليّة بحيث يكون معناها: فإن كان من معه محصلين فهم كذا وكذا.. إذ هذا خلاف الظاهر جداً.
فالشيخ المفيد أراد أن يقلب المعيار من الآية إلى الواقع، مع أنّ ظاهر الآية الإخبار عن الواقع الخارجي، فتكون هي المعيار لا العكس، وهذا تماماً كما في آية التطهير وغيرها، فهل يفسّرها الشيخ المفيد بأنّ من ثبتت طهارته خارجاً من أهل البيت يكون مشمولاً للآية وإلا فلا؟ أو أنّه يعتبرها بنفسها معياراً للحديث عن واقع أهل البيت؟
وأمّا وجود توصيفات أصحاب محمّد في التوراة والإنجيل، فلا أجد فيه أيّ غرابة، إذ المأخوذ هنا توصيفهم بملاحظة اتصافهم بكونهم مع النبيّ بقرينة ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، وقبل البعثة لم يكونوا معه حتى يشملهم الوصف، وإلا هل كان الإمام عليّ سيماه على وجهه من أثر السجود قبل البعثة، وكان شديداً على الكفّار قبل البعثة أو أنّ ذلك تحقّق بعد البعثة أو بعد الهجرة؟! فعندما أقول أصحاب فلان الذين يُخلقون بعد ألف عام فيهم هذه الصفات، فهذا لا يعني اتصافهم بها قبل أن يصيروا أصحابه، بل الملحوظ حال الصحبة والمعيّة.
وقسْ ذلك على البيانات العرفيّة، فلو قلت: تلامذة السيّد الخوئي مجدّون في الدرس، فهل معنى هذا ضرورة اتصافهم بذلك قبل بدء دراستهم الحوزويّة؟!
والغريب من مثل الشيخ المفيد، كيف يجمع بين هذه المقولة التي توجب الاختصاص بمثل أهل البيت، ثم يقول بعد ذلك بأنّ الوعد بالمغفرة الوارد في الآية خاصّ بالذين آمنوا وعملوا الصالحات من أصحاب محمّد لا كلّهم([51])، فلو كان هذا هو المراد لكان من اللازم شمول المغفرة لهم جميعاً بلا حاجة للتعليق على ما هو مفروض التحقّق، فكيف جمع بين الإشكالين؟! إلا لو كان في مقام الجدل فقط.
وأما مسألة اختصاص المدح بملاحظة الحال دون الاستقبال، فهذا ما سوف نبحثه تحت عنوان عام؛ كونه يطال مجمل الأدلّة تقريباً على مدح الصحابة وعدالتهم، فانتظر.
1 ـ 1 ـ 5 ـ تفكيك المعيّة في آية الفتح
المداخلة النقديّة الخامسة: ما ذكره علي بن يونس العاملي (877هـ)، وتبعه كثيرون، من أنّه لا يُراد بكلمة (معه) الواردة في آية سورة الفتح، المعيّة في الزمان والمكان؛ لأنّ هذا معناه أنّ من كان مع النبيّ في المدينة فهو ممّن تشمله هذه الآية، مع أنّه كان مع النبيّ فيها منافقون كما تشهد بذلك الآيات الكريمة. كما لا يراد بالمعيّة، ما يرجع إلى الدين؛ لأنّ هذه الأوصاف الواردة في الآية لا يتصف بها كلّ متديّن بالإسلام، وإنّما هي أوصاف خاصّة، كما لا يراد بالمعيّة المصاحبة فتكون عامّة إلا ما خرج بالدليل كالمنافقين؛ وذلك لأنّ الآية على هذا التفسير تصبح مجازاً بعد تخصيصها.
من هنا تُحمل الآية محملاً أولى من هذا كلّه، وهو المعيّة في النصرة وبنحو الحقيقة بلا تخصيص، فلا تشمل جميع الصحابة([52])، أو المعيّة في الإيمان والتقوى، كما ذكر الشيخ ناصر مكارم الشيرازي([53]).
والجواب إنّ الحمل على المعيّة في النصرة خلاف الظاهر، من حيث الحاجة إلى تقدير لا دلالة في الآية عليه بخصوصه، فالأصحّ عرفاً هو أن يكون المقصود بالمعيّة هم من يُحسبون أنّهم معه، يقال: مع العالم الفلاني في دعوته فلانٌ وفلان، أي هؤلاء الذين يكونون إلى جانبه ويحسبون أنّهم معه، وهذا في العصر النبوي يصدق على الصحابة المحيطين به، حيث يقال: هؤلاء معه، وبخروج المنافقين لا يحصل مجاز؛ لأنّ التخصيص ليس مجازاً عند المتأخّرين، وعلى مبنانا في تفسير الآية لا تخصيص؛ لأنّ الآية تصف الجماعة وصفاً لا يمانع من الأوّل في خروج بعض الأفراد، ومنهم المنافقون، حيث إنّهم ليسوا في الحقيقة مع النبيّ بالمفهوم الذي قلناه، فلا داعي لحمل الآية على عناوين أخصّ منها مثل النصرة وما شابه ذلك.
1 ـ 1 ـ 6 ـ آية الفتح من الإخبار إلى الإنشاء، تغيير وجهة الدلالة
المداخلة النقديّة السادسة: يحتمل بعض الباحثين المعاصرين، ولعلّه يرجع في روحه إلى ما أفاده الشيخ المفيد ممّا تقدّم سابقاً، أن تكون الآية برغم ظاهرها الإخباري واقعةً موقع الإنشاء، فهي تريد أن تقول: يجب على من يريد أن يكون مع محمّدٍ أن يكون كذا وكذا، فالذين هم مع محمد يجب فيهم كذا وكذا، فلا يكون في الآية أيّ إشارة خبريّة مطلقاً، بل هي بيانٌ لحكم شرعي وأخلاقي وتوجيهي عام، فتخرج تماماً عن موضوع البحث([54]).
إلا أنّ هذه المحاولة ـ على وجاهة احتمالها في نفسها ـ غير دقيقة؛ فإنّ إخراج ظاهر جملة خبريّة نحو الإنشاء يحتاج إلى قرينة وشاهد ولو كان سياقيّاً، وهو مفقود في المقام، خاصّة مع كون الجملة الأولى إخباراً عن كون محمّد هو رسول الله، كما أنّ الحديث عن مثلهم في التوراة والانجيل خلاف ظاهر الإنشائيّة، بل هو حكاية خبريّة عن جماعات متعيّنة ـ بصرف النظر عن زمان التعيّن ـ وأنّها مذكورة وموصّفة في التوراة والإنجيل، إلا إذا قيل بأنّ مثلهم في التوراة والانجيل هو أيضاً في سياق الإنشاء، بمعنى أنّه في الإنجيل اُصدر حكمٌ إنشائي أيضاً بأنّ أصحاب محمّد يجب أن يكونوا كذلك، وهو بعيدٌ جداً كما هو واضح عن سياق الآية الكريمة.
1 ـ 1 ـ 7 ـ شواهد التقييد في ذيل آية الفتح، وقفة نقديّة
المداخلة النقديّة السابعة: ما ذكره العديد من المفسّرين الشيعة، من أنّ آية سورة الفتح تحمل في ذيلها قرينة واضحة على عدم عموم مطلعها لجميع الصحابة أو على وجود تمييز بين صحابة النبيّ، فإنّها ذكرت أنّ الوعد الإلهي بالمغفرة والأجر ثابتين لخصوص من آمن وعمل الصالحات (منهم)، وهذا معناه وجود تمييز بينهم، وإلا فما معنى كلمة (منهم) في هذه الآية الكريمة؟!([55]).
ويثار في الذهن تساؤلٌ نقدي هنا ضدّ هذه المداخلة، وهو أنّ حمل (منهم) في الآية على التبعيض غير ممكن أبداً؛ لأنّ المفروض أنّ الضمير الوارد فيها راجع إلى (الذين معه..)، وهؤلاء ممن لا يصحّ التبعيض فيهم بعد أن وصفهم بكلّ هذه الأوصاف العالية، لاسيما ذكرهم في التوراة والإنجيل، فعود الضمير يوجب خللاً مضمونيّاً واضحاً في الآيات الكريمة.
من هنا، قد يُرى أنّ الأرجح في التفسير، هو جعل (منهم) بيانيّةً لا تبعيضيّة؛ كي يتميّز أنّ هذا الوعد يراد توجيهه في حقّهم لا في المطلق، وهذا ما فهمه جمع من المفسّرين([56]). فتكون الجملة بمعنى: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم من تقدّم الحديث عنهم وعن صفاتهم، مغفرةً وأجراً.
ويتعزّز هذا الأمر ـ بيانيّة الكلمة ـ بالآية المتقدّمة من مجموعة هذه الآيات حيث قال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أعدّ الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم﴾ (التوبة: 88 ـ 89)، حيث لم يرد ذكر (منهم) فيها، الأمر الذي يؤيّد عدم إرادة التبعيضيّة هنا أيضاً.
لكنّ العلامة الطباطبائي ـ تبعاً لآخرين ـ حاول أن يدافع عن تبعيضيّة (منهم) في الآية الكريمة، بمعنى من آمن وعمل صالحاً واستمرّ على ذلك، بحيث كان مؤمناً من الأوّل مقابل الكافر والمنافق، وعاملاً بالصالحات مقابل مقترفي المعاصي، كما يُفهم من آيات الإفك وآية النبأ، ومستمراً على ذلك مقابل من آمن ثم كفر أو آمن ثم انحرف وعصى.. فهذا هو ـ فقط ـ من يشمله الوعد الإلهي المذكور([57])؛ لأنّ (من) البيانيّة لا تدخل على الضمير مطلقاً في كلام العرب، فتعيّن أن تكون تبعيضيّةً([58]).
وبمراجعة كتب اللغة لم يظهر ذكرهم لهذا الشرط، فابن هشام الأنصاري لم يشر إلى ذلك في مغني اللبيب([59])، بل في القرآن إشارة مشابهة قد تصحّح دخول (من) البيانيّة على الضمير، وهي قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة: 73)، فإنّ (منهم) ترجع إلى صدر الآية، والمفروض أخذ الكفر في عنوانه. وأمّا إرجاعُها إلى مقدّر، وهو مطلق أهل الكتاب، فقد لا يبدو منسجماً مع ظاهر اللفظ.
ولعلّ الطباطبائي انطلق من كون ما بعد (من) البيانية يجب أن يبيّن الجنس، والمفروض في الضمير أنّه مبهم، كما أفاده الشيخ البلاغي([60]). غير أنّ عود الضمير على ما تقدّم يمكن أن يرفع إبهامه بحسب المآل، فيكون في قوّة قولنا: عملوا الصالحات من جنس الصحابة، فتكون (من) بيانيّة بلا مانع، تماماً كقولنا: (الذهبُ مادّة مفيدة للجسم، وقد اشتريت خاتماً منه)، فإنّ الضمير حيث عاد إلى الذهب، أيّ مانع من كون (من) هنا بيانيّةً، بلا وجود تلك الإشكاليّة التي أثارها المحقّق البلاغي.
ويحاول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي أن يقدّم تفسيراً قريباً، لكن بطريقة أخرى، فيرى أنّ تكرار ذكر هذه الأوصاف مع أنّها مستبطنة فيما مضى، ما هو إلا إشارة إلى جانب الاستمرار، فكأنّ آخر الآية يريد أن يقول لكلّ أولئك المتّصفين بالصفات السابقة بأنّكم موعودون بالمغفرة إذا استمرّيتم على الإيمان والعمل الصالح، أما إذا لم تستمرّوا عليهما معاً فلا يشملكم هذا الوعد. من هنا التزم الشيرازي بتبعيضيّة (من) بلحاظ الاستمرار الزمني، لا بملاحظة الأصل، رافضاً كونها بيانيّة؛ لأنّ ذلك خلاف الظاهر، بل خلاف القرائن العقليّة؛ إذ لا أحد يدّعي عصمة جميع الصحابة، فيطرأ احتمال الكفر أو المعصية في المرحلة اللاحقة، ومعه كيف يعدهم الله بما وعدهم به دون تقييد بالإيمان والعمل الصالح؟!([61]).
والملاحظة التي تسجّل على محاولة الشيرازي، تكمن في عدم وجود أيّ إشارة لقيد الاستمراريّة، وأنّ هذا القيد هو بعينه ما أريد من التبعيض في كلمة (منهم)، فلا ظهور في الآية في أنّ مطلعها كان بملاحظة الحدوث، فيما ذيلُها كان بلحاظ الاستمرار، بل الظاهر أنّ الجميع كان بملاحظة الاتصاف. وإذا كانت الجنّة والرحمة والمغفرة مأخوذةً بقيد الإيمان والعمل الصالح بنحو الاستمرار دون رِدّة فإنّ هذا يؤخذ في كلّ فقرات الآية، بقرينة ورود توصيفهم في التوراة والإنجيل، إذ هل من المعقول أن يبشّر الإنجيل والتوراة، ثم يتبيّن أنّهم ارتدّوا أو انحرفوا، أو أنّ المناسب أن يكون التوصيف بملاحظة مجمل حالهم في الدنيا؟!
وفي تقديري، حتى لو لم يرد ذيل الآية، فإنّ مطلعها شاهد على أنّ هذا الاتصاف اتصاف بلحاظ مجمل حالهم في الدنيا، وإخبار عن أنّهم لن يرتدّوا ولن يفسقوا، ولهذا كانت لهم الجنّة لأنّهم آمنوا وعملوا الصالحات في مجمل حياتهم حتى وفاتهم. وإلا فالأصحّ أنّ الأمور بخواتيمها فلو وصفتُ شخصاً توفّي، فلا أصف بضعة سنوات صالحة من عمره وأقول: هو متديّن صالح، مع علمي بأنّ بقية عمره كان فيها مرتدّاً فاسداً.
وأما قضيّة عدم الوعد دون تقيّد بالإيمان والعمل الصالح فهذا صحيح؛ لكن المفروض أنّ هذا الوعد تعلّق بمن بُيّنَ حالُه في مطلع الآية، وهو من اتصف بصفاتٍ تستبطن الإيمان والعمل الصالح، فلا وعد للصحابة مطلقاً، وإنّما بالإيمان والعمل الصالح، والمفروض تحقّقهما بمقتضى إخبارات مطلع الآية الكريمة نفسها، فهذا تماماً كعلم الله المسبق بأفعالنا من حيث كونه لا يفضي إلى سلبنا الاختيار.
هذا، وقد حاول المفسّرُ الطبري أن يرجع ضمير «منهم» إلى معنى الشطء الوارد في مثل أصحاب النبيّ في الإنجيل، على أساس أنّ المراد كلّ من يدخل في دين محمّد إلى يوم القيامة بعد الجماعة التي جاء وصفها، فتكون (من) تبعيضيّة دون أن تحدث تبعيضاً في الصحابة أنفسهم([62]).
إلا أنّ هذا الإرجاع في الضمير خلاف الظاهر من الآية الكريمة التي وقعت كلّها في سياق الحديث عن صحابة النبي، فعود الضمير إلى فرع جزئي متضمّن في معنى الشطء غير ظاهر منه، يحتاج إلى شاهد وقرينة.
وقد احتمل الفخر الرازي ـ بعد أن تبنّى كون (من) لبيان الجنس ـ أن تكون (من) هنا للتبعيض، لكن الضمير المتصل بها عائد إلى الكفّار الذين ذكروا قبلها ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾، فيكون المعنى: إنّ الله وعد الذين آمنوا من هؤلاء الكفار مغفرةً، وأمّا من لم يؤمن فله جهنّم([63]).
وهذا الكلام أبعد ـ على مستوى الظهور العرفي ـ من سابقه، ولو كانت هذه الطريقة سليمة، لأمكن اختراع مراجع عديدة للضمير! فالمفترض أخذ السياق كلّه، وما هي الآيةُ بصدده وتريد أن تركّز عليه، وليس إلا الذين مع محمّد، فإنّ الضمائر عادةً ترجع إلى النقطة المحوريّة أو النقاط المركزيّة في النصّ، والتي يدور الحديث عنها، إمّا إرجاع الضمير إلى أيّ نقطة في النصّ لا تمثل أساساً محوريّاً فهذا يحتاج عادة إلى مقاربة سياقية أو قرينة معيّنة كالجملة المعترضة أو نحو ذلك، وإلا فلماذا لا نقول بأنّ الضمير في (والذين معه) يرجع إلى الله، في قوله تعالى: (محمد رسول الله)؟!
وفي محاولةٍ أخرى، سعى القرطبي ـ في أحد المعاني التي طرحها ـ للتأكيد على أنّ (من) هنا مؤكّدة، لا تبعيضيّة ولا للجنس، فكأنّ الآية تريد التأكيد على أنّ كلّ مؤمن وعامل للصالحات من الصحابة له وعدٌ خاصّ بالمغفرة غير الوعد العام الذي لمطلق المؤمنين، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ (الإسراء: 82)، فهو تأكيد للشفاء في كلّ حرف في القرآن، لا أنّ بعض القرآن شفاء([64]).
أما الشيخ ابن تيميّة الحراني، فاعتبر أنّ ذكر الإيمان والعمل الصالح إنما جيء به في نهاية الآية للتأكيد على أنّ معيار الجنّة والمغفرة هو الإيمان والعمل الصالح، حتى لا يتوهّم أحدٌ أنّ مجرّد الاتصاف بما مرّ من صفات هو الذي أوجب دخولهم الجنّة، فذكر ذلك مع أنّ كلّهم متصفٌ بالإيمان والعمل الصالح([65]).
إلا أن هذا المعنى غريب، فإنّ هذه الأوصاف التي ذكرت في مطلع الآية دالّة على الإيمان والعمل الصالح دلالة مستبطنة واضحة، بل إنّ الإيمان مفروغٌ عنه فيها، ولعمري لو لم يُذكر هذا الذيل في الآية، هل كان يُدّعى أنّ مطلَعها إلى قوله ﴿لِيَغِيْظَ بِهِمُ الْكُفَّاْرَ﴾ غير دالّ على إيمانهم وعملهم الصالح؟!
وربما يُحتمل أن يكون (منهم) راجعاً للذين آمنوا، فيكون المعنى: وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الذين آمنوا مغفرة، وذلك بهدف إخراج غير العاملين للصالحات.
لكنّه بعيد جداً، فإنّ لازمه شمول الوعد للذين آمنوا ولعاملي الصالحات منهم معاً، وهو غريب عن السياقات القرآنيّة وغير مألوف أبداً، بل يلزمه التوسّع وليس الاشتراط للعمل الصالح.
وربما يحتمل أيضاً كون (منهم) نوع بَدَل، بعد المحافظة على التبعيض، فيكون المراد جملة مستأنفة بعيدة عن السابق، وهي بمعنى: وعد الله بعض الذين آمنوا وعملوا الصالحات كذا وكذا.
لكنّه بعيدٌ أيضاً ومخالفٌ لسياقات القرآن وأدبيّاته في أنّ الوعد بالجنّة والمغفرة راجع لكلّ المؤمنين الصالحين.
والذي يترجّح عندي في تفسير هذا المقطع من الآية الكريمة، ويبدو لي أنّه قد التقطه بنحو الإشارة الشيخُ ابن تيميّة، هو أنّ القرآن يريد دائماً تأكيد ميزان الإيمان والعمل الصالح، فذكر أنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة، لكن لو قال ذلك لخرج عن دائرة الصحابة، فبيّن أنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم له كذا وكذا، فتكون (من) على الأرجح بيانيّةً لتوكيد المفهوم، وهذا هو الذي يحقّق الانسجام بين فقرات الآية، حيث وصفهم بصفاتٍ ثمّ وعدهم بالمغفرة والأجر، فكأنّه قال: إنّ من يؤمن من أصحاب محمّد ويعمل صالحاً فله كذا وكذا، وهم كلّهم يؤمنون ويعملون الصالحات، وإلا فالحمل على التبعيض يفضي إلى المنافرة في فقرات الآية الكريمة، فالإشكال بالذيل غير صحيح.
وبالبيان الذي قلناه ـ التوكيد ـ يرتفع افتراض اللغويّة في إضافة (آمنوا وعملوا الصالحات منهم) هنا، كما صار واضحاً.
الآيات العامّة، خلاصة واستنتاج
والذي نفهمه من مجمل هذا النوع من الآيات الكريمة أنّها تحكي عن الحالة العامّة التي كانت تحكم المجتمع المؤمن مع رسول الله’، وأنّ هذا المجتمع كانت تحكمه قيم الدين ومعانيه، وكان المسلمون يضحّون بالغالي والنفيس في سبيل الإسلام، وكانت تسيطر عليهم الحالة الإيمانيّة العاطفيّة الصادقة، لكن هذا كلّه لا يمنع من وجود حالات على مستوى بعض الأفراد الذين قد يبلغون 1% أو 5% أو 10% وهؤلاء هم المنافقون مع المنحرفين، وكذلك على مستوى بعض الحالات للفرد الواحد، كأن يخطئ أو يعصي في موقعٍ أو آخر ثم يتوب أو يجهل في تصرّف هنا أو هناك، ومعه فلا كلّ الصحابة بالعدول، ولا جميعهم أو أغلبهم بالفسّاق أو المنحرفين أو المنافقين.
وأما مناقشة هذه الآيات بالواقع التاريخي أو إجراء مقاربة بينه وبين الصورة النمطيّة عن الصحابة عند أهل السنّة أو الشيعة، فهذا ما سنُفرد له ـ بعون الله تعالى ـ بحثاً مستقلاً لاحقاً.
وبهذا يظهر أنّ المداخلات النقديّة السبع على الاستدلال بهذه الآيات على عدالة جميع الصحابة، يمكن مناقشتها، إلا المداخلة الثانية (ومعها الثالثة) التي سجّلناها، ونعتبرها بالغة الأهميّة هنا، فهي تبطل الاستدلال، لكنّها تسمح بشيء من تعديل المجتمع لا تعديل الأفراد، وسيأتي أنّنا سوف نعلّق كثيراً من الفهم والاستنتاج على هذه الطريقة في تناول الآيات الكريمة.
1 ـ 2 ـ الآيات الخاصّة لإثبات العدالة، بيان واستعراض
هذه هي المجموعة الثانية من الآيات المستدلّ بها على عدالة الصحابة، وقد حظيت بأهميّة عالية جداً في هذا الموضوع بين الفرقاء المتخاصمين فيه، وتركّز الجدل عليها.
وأهمّ هذه الآيات الكريمة هو الآتي:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 100).
فالآية واضحة وصريحة في رضا الله تعالى عن السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، ومن أبرز من سبق المهاجرين علي بن أبي طالب وأبي بكر بن أبي قحافة وخديجة بنت خويلد، بإجماع المسلمين تقريباً، فهذه الآية بما وعدت به من الخلود في الجنّة والنعيم المقيم والرضا، شاهدٌ صارخ على مكانة هؤلاء وعدالتهم ونقائهم.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (الفتح: 18 ـ 19).
فالآية تعلن رضا الله تعالى عن المؤمنين الذين بايعوا الرسول تحت الشجرة، وليس هؤلاء سوى الصحابة الذين تشهد الآية بما في قلوبهم وبإنزال السكينة عليهم وما إلى ذلك من الثناء والمديح.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 8 ـ 9).
فالآيات بصدد مدح المهاجرين والأنصار على إيمانهم وتفانيهم وإخلاصهم وصدقهم ونصرتهم، وهذا من عظيم المنزلة ورفيع المكانة، فكيف يُحكم بعد ذلك بفسقهم وعدم عدالتهم؟!
الآية الرابعة: قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: 74).
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: 117).
فالآية تعلن توبة الله وعفوه عن المهاجرين والأنصار، وهي واردة في سورة التوبة، وهي من أواخر ما نزل من القرآن الكريم.
الآية السادسة والسابعة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 41). ومثلها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل: 110).
إلى غيرها من النصوص القرآنيّة التي ترتب بعض النتائج على بعض الخاصيات والعناوين، مثل الإسلام والقتال قبل الفتح أو بعده كما جاء في الآية العاشرة من سورة الحديد([66]).
وقفات تفكيكيّة وتقويميّة للنصوص القرآنيّة الخاصّة
هذه الآيات القرآنية لابدّ من دراستها، فهناك بعض التعليقات في مجال الاستناد إليها هنا:
1 ـ 2 ـ 1 ـ عدم استيعاب النصوص لدائرة الصحابة جميعاً
إنّ هذه الآيات كلّها لا تفيد عدالة جميع الصحابة لا بالتعريف الحديثي للصحابة ولا بالتعريف الأصولي؛ لأنها أخصّ بكثير من عنوان الصحبة؛ فالآية الأولى خاصّة بالسابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار؛ لأنّها قيّدت اللاحقين لهم بالاتباع لهم بإحسان، ولا تجعل مطلق الاتباع كافياً، وهذا واضح، لاسيما بناءً على جعل (من) في الآية تبعيضيّةً لا بيانية.
والآية الثانية تستوعب من بايع النبي تحت الشجرة لا مطلق الصحابة، فكلّ من أسلم مثلاً ـ في المقدار المتيقّن ـ بعد صلح الحديبيّة لا يكون مشمولاً لهذه الآية، وكلّ من لم يكن حاضراً البيعة فهو كذلك.
والآية الثالثة تتحدّث عن خصوص الجماعات الأولى التي هاجرت من مكة والجماعات الأولى التي آوت وناصرت في المدينة، وأين هذا من عدالة جميع الصحابة حتى بالمعنى الأصولي، لاسيما وكثير من الصحابة أسلم بعد الهجرة وحصول المؤاخاة في المدينة.
وعلى المنوال عينه الآية الرابعة، لاسيما مع تخصيصها بالجهاد والنصرة، فليس كلّ الصحابة مجاهدين ومناصرين للنبيّ، أو شاركوا في حروبه وغزواته، حتى بالمعنى الأصولي للصحبة، الأمر الذي يستدعي إثبات الموضوع الذي هو الإيمان والهجرة والجهاد قبل إثبات الحكم.
وهذه الآيات مختلفة عن الآية الأخيرة من سورة الفتح التي تقدّمت في المجموعة الأولى؛ إذ تلك هي التي قامت بوصف الذين مع محمد، أما هذه فهي تجعل الموضوع عنواناً أخصّ من عنوان (الذين معه) بكثير، كما صار واضحاً، وترتّب حكم المغفرة أو الإيمان الحقيقي أو نحو ذلك عليه.
والحاصل: إنّ هذه الآيات أخصّ من المدّعى السائد بكثير، ولعلّه لهذا وجدنا بعض العلماء لم يستعرضها في الأدلّة القرآنية على عدالة الصحابة كابن الصلاح الشهرزوريّ.
1 ـ 2 ـ 2 ـ إخراج (السابقون الأوّلون) من الدائرة الزمانيّة، نقد المفيد والمرتضى
ذكر الشريف المرتضى وغيره، أنّ الآية الأولى تفيد السبق، وكلمة (الأوّلون) تعني معنى (السابقون)، لكنّ الآية لا تحدّد لنا السبق في أيّ شيء، وادّعاء أنّه السبق إلى الإسلام والإيمان بالنبيّ مصادرة؛ إذ لعلّه السبق إلى فعل الخير والدين معاً، وهو لا يُثبت أنّ المتقدّم إسلاماً هو المراد بالآية ما لم نُثبت أنّه سابقٌ بالخيرات أيضاً، فيبطل الاستدلال بالآية على أفضليّة أوائل المهاجرين والأنصار إسلاماً.
يُضاف إلى ذلك أنّ الآية مقيّدةٌ بقيد لبّي متصل بها، إضافة إلى قيد الإسلام والإيمان بالنبي ـ لو سلّمنا ـ وهذا معناه أنّه لابدّ من إثبات إخلاص هذا الصحابي أو ذاك وأنّ ظاهره كباطنه، وهذا يعني أنّ مجرّد السبق إلى الإسلام الظاهريّ لا يكفي([67]).
وبهذا أبطل هؤلاء العلماء الاستدلالَ بالآية على عظم منزلة الخليفة الأوّل أبي بكر بن أبي قحافة.
ولا يبدو لي أنّ هذه المناقشة صائبة؛ إذ المفهوم عرفاً هو السبق إلى الإسلام، وأنهم من أوائل الذين التحقوا بهذا الدين ثم جاء من بعدهم بعد الهجرة وتابعهم على مسيرتهم، فأنت إذا قلت اليوم: لقد أجاد السابقون الأوّلون من أبناء مسيرة النهضة في الأمّة، وكذلك الذين اتبعوهم في هذه المسيرة، فإنّ الذي يفهم منها عرفاً هم أوائل القوم زماناً.
ويتعزّز ذلك بأنّه لو اُريد ما ذُكِر، لما كانت هناك حاجة لذكر المهاجرين والأنصار؛ إذ قد يكون هناك سابقون وهم بعدهم زماناً مثل الكثير من الصالحين، كأئمّة أهل البيت اللاحقين، فهم ـ باعتراف المفيد والمرتضى وغيرهما ـ سابقون لخلّص الأنصار والمهاجرين، فأيّ معنى حينئذٍ لذكر المهاجرين والأنصار والذين يفترض أن يكونوا من التابعين في أغلبهم وفقاً لتفسير المرتضى؟! إلا إذا قيل بأنّ نظر الآية من الأوّل لخصوص المهاجرين والأنصار، فأرادت مدح السابقين منهم.
بل يزداد ترجيح ما نقول، بأنّ كلمة (الأوّلون)، تدلّ على الدفعة الأولى من السابقين، مما يرجّح اللحاظ الزماني في الموضوع.
وأمّا قيد الإخلاص، فهو مطلوب، لكنّ الآية عندما تُطلق فهي بنفسها تكون قد أمّنت قيد الإخلاص، وإلا كيف أطلقت؟! فلو جاء نصٌّ وقال: صحابة محمّدٍ كلّهم عدول، فهل هذا يعني أنّه هو اكتشف صلاحهم وشهد بعدالتهم أو أنّ كلامه مقيّدٌ بإخلاصهم، وعلينا نحن أن نُثبت إخلاصهم من الخارج لا من إطلاق كلامه وعمومه؟!
يُضاف إلى ذلك أنّ في الآية مقطعين أحدهما السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار، وثانيهما من اتبع هؤلاء، ومن الملاحظ أنّ الآية قيّدت التابعين بأن يتّبعوا بإحسان، ولم نجدها تقدّم مثل هذا القيد في السابقين، وهذا يدلّ على أنّ السابقين محرزٌ فيهم جميعاً هذا القيد دون التابعين مما اضطرّ إلى ذكر قيد الإحسان في التابعين دونهم، وهذا كاشفٌ عن تحقّق مثل الإخلاص فيهم.
قد تقول ـ كما ذكر الشيخ المفيد([68]) ـ: إنّ (بإحسان) ليست شرطاً أو قيداً في الإتباع، وإنما هي وصف له، فالإتّباع لأولئك حسنٌ، لا أنّ الإتباع لهم منه حسنٌ وغير حسن، وقيّدت الآية بالإتّباع الحسن لهم. كما أنّه من الممكن أن يكون القيد لهما معاً، واكتفي بذكره في التابعين للاختصار بعد اقترانهما ببعضهما في الآية الكريمة.
ويمكن أن نجيب بأنّ الإحسان ظاهرٌ في القيديّة ولو المستبطنة في التوصيف، وأصالة الاحترازيّة في القيود تدعم ذلك، ولا يمكن عود الجار والمجرور إلى كلّ من اسم الفاعل (السابقون) والفعل (اتبعوهم)، فيرجع إلى الأقرب، وأما تقدير وجوده في الأوّل فهو صحيح، لكنّنا بيّنّا أنّ المتكفّل لوجوده هو المولى بفعل عدم ذكره قيداً وترتيب الرضا عليه، مع أنه ذكر خصوصيّة الإحسان. وحتى لو لم يكن الإحسان قيداً بل كان وصفاً، لكان معناه حُسن اتّباع هؤلاء مطلقاً، وحيث لم يذكر قيداً ورتّب الرضا عليه كان أوضح في الدلالة على الرضا بجميعهم، لا أنّنا بحاجة إلى إثبات قيد من الخارج، فمثلاً آية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ..﴾ هي بنفسها تثبت مكانة ذلك المتصدّق في ركوعه، لا أنّنا بحاجة للاستدلال بها إلى إثبات إخلاصه في التصدّق ثم الاستعانة بها؛ فالمولى هنا يُبرز الاتّصاف بترتيبه أثراً على عنوان يحتاج إلى غيره، فيكشف عن أنّه قد أحرز غيره.
1 ـ 2 ـ 3 ـ التقيّد الوصفي في (السابقون الأوّلون)، نقد الطباطبائي
يلوح من ثنايا كلمات العلامة الطباطبائي وغيره([69]) ـ بتعميقٍ منّا ـ أنّ آية (السابقون الأوّلون) مقيّدة وصفاً غير مقيّدة زماناً، بمعنى أنّها لما أثبتت رضا الله تعالى عنهم، دلّ ذلك على أنّ مجرّد السبق إلى الهجرة والنصرة لا يكفي ما لم يكن معه إيمان وعمل صالح، بقرينة سائر الآيات الكريمة التي تدلّ على أنّ الله تعالى لا يرضى عن القوم الفاسقين، وهذا معناه أنّ وصف السبق والأوليّة لابدّ وأن يكون مقروناً بهذين الوصفين، فلا يشمل ـ بحسب الآية ـ السابقين الأولين غير المتصفين بهذه الأوصاف، فلا بدّ من إحراز الاتصاف الإضافي المذكور.
نعم، الآية غير مقيّدة بزمان حيث تكشف عن تحقّق الرضا الإلهي وإعداد الجنّة لهم، وهذا لا يتناسب مع صلاح حالهم في لحظة واحدة فقط، على خلاف الآية الثانية (لقد رضي الله)، فإنّها ظاهرة في ارتباط الرضا بزمان المبايعة تحت الشجرة، فيمكن تصوّر ارتفاع الرضا بعده إذا تغيّر حالهم.
فالآيتان ـ على هذا ـ لا تدلان على مدحٍ مطلق للصحابة أو عنوان منهم، كما يريد المستدلّ.
إلا أنّه قد ظهر الجواب عن ذلك مما أسلفناه؛ فإنّ الآية عندما تُسند الرضا الإلهيَّ إلى وصف السابقين الأوّلين، فهي تشهد ضمناً ـ بالدلالة العرفيّة ـ بتحقّق سائر الشروط فيهم، فنحن نقرّ بأنّ قيد الإيمان والعمل الصالح مأخوذ ثبوتاً، لكنّ تعليق الآية عليه إثباتاً غير ظاهر، بل الظاهر شهادتها بكونه وصفاً منجّزاً فيهم، وهذا هو ظاهر الجمل الخبريّة الخالية من الشرط ونحوه، يشهد لذلك (بإحسان) كما بيّنا سابقاً.
وبهذا يظهر عدم صحّة ما ذكره المفسّر الشيخ مكارم الشيرازي، من أنّ أخذ شرط الإحسان في التابعين يقتضي أخذه بطريق أولى في السابقين، وأنّه لا يُعقل أن تُضمن الجنّة للصحابة مطلقاً مهما فعلوا؛ فهذا إغراء لهم بالقبيح..([70]).
فإنّ الإغراء بالقبيح يمكن تصوّره إذا لم نحتمل ـ حيث المورد خارجيٌّ ـ أنّ الله لعلمه بحالهم وأنّهم لا ينحرفون بمجرّد اطمئنانهم بدخول الجنّة، أطلق هذا الكلام في حقهم، فهذا تماماً مثل سورة الإنسان التي يقول الشيرازي وغيره بأنّها نزلت في عليّ والزهراء، فهل هي إغراء بالقبيح في حقّهم؟!
1 ـ 2 ـ 4 ـ فك العلاقة بين مفهوم (التابعين) القرآني والاصطلاحي
اشتهر في الثقافة الإسلاميّة اعتبار الجيل اللاحق لجيل الصحابة (تابعين)، وقسّموهم إلى أقسام، ككبار التابعين وصغارهم، ثم جعلوا من بَعْدَهم تحت عنوان (تابعي التابعين).
ونريد أن نشير هنا ـ استطراداً ـ إلى أنّ الآية لا علاقة لها بهذا التوصيف والتحقيب؛ لأنّ ظاهر (من) في قوله: ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ هو التبعيضيّة لا البيانيّة، كما أنّ صيغ الماضي تساعد على ذلك، وهذا معناه أنّ الذين أسلموا من الصحابة بعد جيل السابقين، يُحسبون من التابعين، كما أنّ الآية لم تضع إطاراً زمنياً للتابعين مما يعني قابليّة انفتاح مضمون جملة: (والذين اتبعوهم بإحسان) على المدى الزمني إلى يومنا هذا، إلا إذا قيل بتمحّضها في الإخبار عن واقع مفروغ عنه، فتكون إشارة لخصوص من اتّبع إلى زمن نزول الآية.
بل حتى لو جعلنا (من) بيانيّةً، فقد يقال بأنّ وصف المهاجرين والأنصار لا يشمل تمام الصحابة، فيظلّ غيرهم في دائرة التابعين، رغم كونه من الصحابة، إذ لا يصدق على من أسلم بعد فتح مكّة ـ لاسيما مع عدم الجهاد ـ أنّه مهاجر أو من الأنصار.
وبهذا تكون هذه الآية قد قيّدت الرضا عن التابعين (بالإحسان)، فربما تكون حينها أدلّ على عدم عدالة جميع الصحابة، وفق التفسير الذي بيّناه للتابعين، إلا إذا قيل بأنّ هذا التعبير توصيفيّ وليس تقييديّاً.
1 ـ 2 ـ 5 ـ الفخر الرازي وتوظيف الآيات في إثبات خلافة أبي بكر
ذكر الفخر الرازي محاولةً مختلفة في دلالة الآيات، ربما كان ينظر فيها إلى مثل إشكال السيّد المرتضى المتقدّم، وخلاصتها أنّ الآية الكريمة أطلقت وصف السابقين الأوّلين دون أن تبيّن الوجه الذي كانوا به سابقين، مما يستدعي بقاء اللفظ مجملاً، إلا أنّ التأمّل في كلمات الآية يرشد إلى الحيثيّة التي بها كان السبق، وهي قوله: ﴿مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ فإنّ إقحام هذا القيد ـ مع إمكان حذفه ـ يدلّ على أنّ السبق كان في الهجرة والنصرة، فكلّ من سبق إلى الهجرة يكون هو المراد، وكذلك كلّ من سبق إلى النصرة، وبهذا يتعيّن المراد من السابقين ويرتفع الإجمال في الآية.
ولكي يُعقلن الرازي معياريّة السبق إلى الهجرة والنصرة، ذكر أنّ الذي يبادر ويسبق إلى الهجرة معناه استعداده للإقدام على طاعة عظيمة فيها المشاقّ ومخالفة الطبع والإقدام على ترك أمواله ودياره، كما أنّ السبق إلى النصرة فوزٌ عظيم؛ لأنّ فيه إقداماً على خدمة الرسالة في مراحل ضعفها.
وقد وظّف الرازي هذا التفسير لإثبات خلافة أبي بكر، حيث ذكر أنّ أبا بكر كان أوّل المهاجرين مع رسول الله‘، حيث كان معه كما تفيده قصّة الغار، وكان ملازماً في الهجرة للرسول‘ يخدمه ويعينه، وكان صاحباً له في هذه الهجرة كما دلّت الآية، فيكون هو المصداق الأوّل والأبرز للآية التي نحن فيها، ويقدّمُ على عليّ بن أبي طالب، فإنّه وإن كان من السابقين، إلا أنّه في السبق يأتي بعد أبي بكر، وهذا ما يُثبت حقيّة إمامة أبي بكر، إذ لو كانت إمامتُه باطلةً لاستحقّ اللعن والمقت، دون هذا المدح الذي في الآية الكريمة.
ثم أورد الفخر الرازي على نفسه بجواز أن يُراد السبق إلى الإسلام من جهة، وإمكان عروض وصف آخر لأبي بكر بعد أخذه الخلافة، فتكون الآية دالّةً على توصيفه في مرحلة خاصّة.
وأجاب بأنّ السبق إلى الهجرة يتضمّن السبق في الإسلام دون العكس، فيكون الأوّل أولى، والتخصيص الزماني خلاف الإطلاق في الآية، فقد أثبتت الرضا دون استثناء، وعندما يرتّب الرضا على وصف السابقين المعلّل بالهجرة والنصرة، فإنّه يقتضي بقاء الرضا الإلهي ببقاء الوصف، والمفروض بقاء الوصف فيبقى الرضا، مضافاً إلى أنّ تهيئة الجنان لهم ظاهرةٌ في ذلك([71]).
إلا أنه يمكن التعليق على كلام الفخر الرازي، وذلك:
1 ـ إنّ (من) الواردة في الآية، إما بيانيّة أو تبعيضيّة، فإن كانت بيانيةً لم يكن وصف المهاجرين والأنصار مأخوذاً على نحو علّة السبق وملاكه؛ لأنّ المفروض أن يصبح المراد: والسابقون الأوّلون الذي هم كلّ المهاجرين والأنصار. ومعه لا يصحّ ما ذكره الرازي، ولا تعود هناك قيمة لأوّل من هاجر فضلاً عن أن تثبت إمامة أبي بكر بذلك. لكنّ الآية على هذا تصبح دالّةً على الرضا الإلهي عن مجموع المهاجرين والأنصار.
وأما إذا كانت (من) تبعيضيّةً، فكما يمكن تصوّر احتمال الرازي، كذلك يمكن تصوّر احتمالٍ آخر، وهو أن يكون السابق من المهاجرين والأنصار هو السابق مطلقاً، وإنّما ذكر هذان الوصفان ليشيرا إلى أنّ السابق منحصرٌ في دائرة هؤلاء، وهذه إضافة دلاليّة تساعد على معرفة حال السابق وترفع قدراً من الإبهام عنه، فليس الوصفان لبيان ملاك السبق، بل هما لتحديد المساحة التي يقع السابق داخلها.
بل يمكن القول بأنّ السابق على نوعين: أحدهما سابق وهو الأوّل زماناً في السبق إلى العلم والخير والتقوى، وثانيهما سابقٌ، لكنه ليس الأوّل زماناً، فأرادت الآية أن تُعطي دلالةً على متبوعيّة السابق الذي يكون الأوّل أيضاً من ناحية الزمان، وجاءت بوصف المهاجرين والأنصار لتدلّ على أنّ السابقين في الخير والتقوى والكمال المعنوي موجودون في الأزمنة اللاحقة لكنّ الأوّلون منهم زماناً موجودون بين المهاجرين والأنصار، فيكون التوصيف مساعداً على التحديد، وبهذا نجمع بين السبق الروحي والأوّلية الزمنية، ويكفي ذلك لإبطال الاحتمال الذي أثاره الفخر الرازي.
2 ـ إنّ المحاولة التعقيّلية التي ذكرها الرازي غير واضحة؛ فنحن نقرّ بأنّ الهجرة والنصرة معانٍ سامية، وتختزن الكثير من الدلالات الإيمانية والروحيّة، لكنّ الهجرة والنصرة لا تعنيان السبق بالضرورة، ومجرّد التقدّم الزمني في الهجرة لا يعني أنّه أوّل القوم وسابقهم، فإنّ هذا يتصوّر عندما يكون التنافس الاختياري على الهجرة، أما عندما يقف جميع المسلمين على الهجرة، لكن يصادف من الناحية الزمنيّة ـ ولضرورات تقنيّة تستدعيها طبيعة الخروج من مكّة ـ تقدّم خروج زيد على عمرو، فأيّ دلالة عقليّة أو اعتبارية على أحسنيّة الخارج الأوّل؟! خاصّةً لو كان تأخّر الخارج لسبب نبيل كمبيته في فراش الرسول أو حمايته للنساء المسلمات.
3 ـ لنفرض جدلاً صحّة ما قاله الرازي، لكنّ الغريب أنّه جعل أبا بكر أوّل المهاجرين، مع أنّه ليس كذلك، ففي المرويّات التاريخيّة أنّ النبيَّ لم يكن في الدفعة الأولى المهاجرة، وقد عدّ بعضهم مصعب بن عمير أوّل المهاجرين، وعدّ بعضهم أبا سلمة بن عبد الرحمن في الذكور، وزوجته أم سلمة، وذكروا أنّ الثاني كان عامر بن ربيعة حليف بني عدي بن كعب، ثم عبد الله بن جحش، وعثمان بن مظعون، وعمار بن ياسر، ويقول الذهبي بعد هذا: «ثم خرج عمر وعياش بن أبي ربيعة»، وهناك ترتيب آخر أيضاً ذكروه([72]).
ولم نعثر على من اعتبر أنّ أبا بكر بن أبي قحافة كان أوّل من هاجر إلى المدينة المنوّرة، فكلام الرازي ليس له أساسٌ تاريخيّ، ومن ثمّ عليه أن يجعل غير عليّ وأبي بكر أولى بالخلافة، بل لماذا نحّى أوّل الأنصار زماناً عن موضوع الخلافة مع أنّ الآية تشير إلى الأنصار أيضاً؟ إلا إذا كان هدفة مجرّد إجراء مقارنة مع خصوص عليّ في مقام الاحتجاج على الشيعة.
4 ـ لنفرض أنّ أبا بكر كان أوّل المهاجرين إلى المدينة، لكن بناءً على طريقة تحليل الرازي في جعل الهجرة عنواناً للسبق، كان يفترض أن لا ينسى الهجرة إلى الحبشة، فإنّ فيها الخاصيات نفسها، بل قد تكون من بعض الزوايا أشدّ؛ لأنّ مهاجري المدينة أقدموا على الأنصار، أما مهاجرو الحبشة فلم يُقدموا على أخٍ مسلم ينصرهم، بل على قومٍ غير مسلمين، فلماذا حُصر عنوان المهاجرين بالهجرة للمدينة خاصّة؟!
إلا إذا قيل بأنّ ذلك بقرينة (الأنصار) في الآية، مع أنّ المهاجرين للمدينة والمناصرين فيها، يمكن فرضهم أبرز مصداق تاريخيّ لعنوان المهاجرين والأنصار، لا أنّ الوصفين منحصران فيهما.
5 ـ إنّ قول الرازي بأنّ السبق إلى الهجرة يتضمّن السبق إلى الإسلام لا دليل عليه، نعم يتضمّن الإسلام، فلا السبق إلى الإسلام يتضمّن السبق إلى الهجرة، ولا العكس، وإذا تساوت الاحتمالات لم يعد كلام الرازي تامّاً.
وحاصل الكلام: إنّ الرازي تكلّف في محاولة إثبات حقيّة إمامة أبي بكر بمثل هذه الآية الكريمة، والإنصاف أنّ الآية منصرفة عن ذلك وبصدد مدح مجموعة من الأشخاص معاً، بلا إيجاد تفضيل بينهم أو تقديم وتأخير.
1 ـ 2 ـ 6 ـ إثبات الرضا بين الإطلاق والتفريد، إشكاليّة البحراني
أورد ابن ميثم البحراني (699هـ) على الاستدلال بمثل هذه الآيات بأنّ غايتها إثبات الرضا. وإثباتُ الرضا أعمّ من إثباته مطلقاً على الشخص وإثباته بلحاظ أحد أفعاله دون غيرها، والمقدار المتيقّن أنّ الله رضي عن هؤلاء في فعلٍ فعلوه، ولعلّه أصل إسلامهم، أما سائر أفعالهم فلم يرضَ عنها([73]).
وهذا الإيراد غير صحيح، لاسيما في الآية الأولى هنا؛ لما ذكرناه بما صار واضحاً، من أنّ إطلاق الرضا مع تهيئة الجنّة ظاهرٌ عرفاً في شموليّة الرضا، أي عن مجموع حياته بضمّ بعضها إلى بعض، لا عن كلّ أفعاله بما يفيد العصمة أو ما هو قريب منها. فعندما يقول علّام الغيوب بأنه راضٍ عن هذه المجموعة ولا يقيّد الرضا بفعلٍ خاص يدلّ ذلك على الرضا العام، فما يقوله البحراني خلاف الظهور العرفي.
بل لو كان الرضا عن مفردة واحدة، فإنّ الله يرضى عن جميع البشر على الإطلاق، فما من إنسان إلا وفعل فعلاً ما يُرضي الله تبارك وتعالى، وما من مسلم إلا وكان كذلك، فما قيمة كلّ هذا النصّ الذي يريد أن يضيء على حالة خاصّة؟! بل هل يصحّ التعامل بنفس هذه الطريقة مع تفسير سائر آيات القرآن الكريم أو الأحاديث الشريفة؟! فلو قالت الرواية: فلانٌ ثقة خذ عنه معالم دينك، فهل نفهم منها أنّه ثقة في ثلاثة مفاهيم دينيّة ينقلها لك فقط، فإنّ هذا هو القدر المتيقّن من وصف (الثقة) بضمّه إلى صيغة الجمع في (معالم الدين)؟! وهل هذا فهمٌ عرفي؟! أرجو تطبيق نفس هذا الفهم على أدلّة البحراني على إمامة أهل البيت في الكتاب والسنّة!
وحيث إنّنا في سياقٍ استدلاليّ، وليسنا في سياق جدليّ؛ فأيّ محاولة لفهم النصّ هنا ستشكّل قانوناً يلزمنا باستخدامه في تفسير سائر الآيات الكريمة، فلننتبه لذلك جيّداً.
1 ـ 2 ـ 7 ـ النصوص المادحة ومعضل الإغراء بالقبيح، ردّ ونقد
ذكر بعض العلماء أنّ آية: (السابقون الأوّلون) والثانية أيضاً، إما أن يُقصد بها من ثبتت عصمته أو غيره، والأوّل مقتصر على أهل البيت؛ لعدم قول أحد بعصمة حتى أبرز الصحابة، والثاني معناه أنّ الرضا الإلهي وكذا الجنّات المعروشات مشروطتان بالاستمرار على فعل الإيمان والعمل الصالح، وإلا كان ذكر هذه إغراءً لأصحابها بالقبيح، وهو فاسد بالإجماع، ولا يجوز على الله تعالى([74]).
ويجاب بأنّه حيث كان المورد جزئيّاً، أمكن القول بأنّ أولئك المقصودين بالآية قلّةٌ قليلة، والله عَلِمَ بأنّهم من إيمانهم لا يُغرَون بالقبيح بنزول هذه الآية الكريمة، لا لأنّهم معصومون، بل لأنّ هذه الآية لا توقعهم في الأمن من مكر الله أو تدفعهم لعدم الإيمان والعمل الصالح، فالآية لعلمها بحالهم نزلت كذلك، لا لعدم أخذ قيد الاستمراريّة ثبوتاً، وفرق بين الأمرين، وقد سبق أن أشرنا لمثل هذا آنفاً.
1 ـ 2 ـ 8 ـ هل آية البيعة خاصّة بالإمام عليّ؟! تحفّظ وتعليق
ذكر بعض العلماء الناقدين أنّ آية: ﴿لقد رضي الله..﴾ ظاهرة في تعليق الرضا الإلهي على وصف الإيمان، والمؤمن هو من يستحقّ الثواب ولا يكون مستحقّاً لشيءٍ من العقاب، فلا تكون الآية شاملةً لكلّ من بايع تحت الشجرة، كما أنّ الآية الكريمة ذكرت بأنّ الله علم ما في قلوب هؤلاء، وأنّه أنزل السكينة عليهم، ومن نزلت السكينة عليه أثابه فتحاً قريباً، ونحن نعلم بلا خلاف أنّ أوّل حرب وقعت بعد بيعة الرضوان كانت خيبر، وأنّ الفتح فيها كان على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأنّ البقية كانوا خائفين لم يَعرِفُوا السكينة، فيكون هو المعنيّ بالآية والذي نزلت عليه السكينة وأثابه الله الفتح المبين القريب لا غير([75]).
وهذه المناقشة يمكن الجواب عنها؛ وذلك:
1 ـ إنّ وصف الإيمان غير مشروط باستحقاق الثواب دون عقابٍ إطلاقاً؛ بل هو وصفٌ مرتّب على الشهادتين والاعتقاد بهما قلباً، أمّا استحقاق الثواب وعدم استحقاق العقاب مطلقاً على أيّ ذنب، فهذا غير داخل في توصيف (المؤمن)؛ وإلا لزم أن لا تُخاطب آياتُ (المؤمنون، والذين آمنوا) ونحو ذلك إلا أولئك غير المستحقّين لعقابٍ أصلاً! وهذا لا يقول به حتى صاحب هذا الإشكال نفسه.
نعم، لو أشكل بأنّه لابدّ من إثبات وصف الإيمان، فلو شُكّ فيه في مورد شخصٍ لم يعد يمكن التمسّك بالآية؛ لكونه تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقيّة للعام نفسه، كما قد يُستوحى من كلمات بعضهم([76])، تمّ وكان منسجماً بصرف النظر عن مبرّرات صغرى الشكّ المذكور.
2 ـ إنّ الإثابة بنزول السكينة وتحقّق الفتح لا يعني أنّ الفتح سيكون على أيديهم بالمباشرة، فيقال: إنّ الله أثابهم فتحاً قريباً ولو على يد بعضهم، فالآية تثبت أنّ الله سيمنحهم فتحاً ومغانم، لكنّها لا تقول بأنّ ذلك يقتصر على الشخص الأوّل الذي يحقّق الفتح، فهذا تأوّلٌ شديد في الآية الكريمة.
وليس هذا الذي نقوله مجازاً، كما ذكر ابن يونس العاملي([77])؛ لأنّه لم يقل ستفتحون البلدان وتضعون أيديكم على الغنائم، وإنما قال وأثابكم فتحاً، وهذا ليس فيه نسبة لهم من حيث الفاعل حتى يكون مجازاً.
3 ـ بل إنّ إسناد فتح خيبر لعليّ لوحده غير منطقيّ؛ فإنّ الكثير من المسلمين شاركوا في فتح خيبر أيضاً حتى لو كان القائد أو الشخصية الأبرز هي عليّ، لكنّ هذا لا يمنع عن صدق عنوان الآية في حقّهم، فهل كلّهم اضطربوا في خيبر ولم يكن أحد على الإطلاق في سكينة؟ وهل يمكن إثبات ذلك بشكل مؤكّد تاريخيّاً، حتى نحصر الآية في عليّ بن أبي طالب كما يريد المناقشون هنا؟
4 ـ والغريب أنّ المناقشين هنا تارةً يفرضون تقيّد الآية بوقتها، وأخرى يتعاملون وكأنّها مطلقة، فلا أدري لماذا لم يقولوا هنا بأنّ نزول السكينة كان في صلح الحديبيّة، وأنّه لا يدلّ على أنّهم سيكونون في السكينة إلى الأبد، بحيث لو لم تكن السكينة موجودة في قلوبهم في فتح خيبر فلا يضرّ؟! مع أنّ هذا محتملٌ جداً، نتيجة تركيبة الجملة عبر صيغة الفعل الماضي، وكلّنا يعرف أنّهم اضطربوا في قضيّة صلح الحديبيّة. وفي ظنّي فإنّ الأسلوب الجدلي كان حاكماً في دراسة هذه النصوص عند الفريقين المتنازعين.
5 ـ هذا كلّه فضلاً عن أنّ الفتح القريب قد يكون عنواناً لفتوحاتهم، لا عنواناً لفتح خاصّ وقع بعد ذلك، ولا إشارة في الآية لكون المراد بالفتح القريب خصوص فتح خيبر، أو أقرب فتحٍ بعد صلح الحديبيّة.
1 ـ 2 ـ 9 ـ آية البيعة بين الحصر والامتداد الزماني
إنّ مقتضى الجمع بين أجزاء الآية الكريمة، يدلّ على أنّ الرضا الإلهي كان بملاحظة بيعة الرضوان التي وقعت في الحديبيّة في العام السادس للهجرة، ولم يكن مطلقاً ممتداً في الزمان والمكان، فليس للآية نظرٌ إلى المؤمنين المبايعين على امتداد حياتهم، وهذا هو الظاهر من قوله تعالى: ﴿إذ يبايعونك﴾، فالله رضي عنهم من حيث كونهم قد بايعوا وفي زمان ومكان بيعتهم، ولكنّ هذا لا يُثبت استمرار الرضا عنهم بعد ذلك، لاسيما وأنّه لا يوجد في الآية حديثٌ عن الجنّة، وإنّما عن نزول السكينة وحصول الغنائم لهم لاحقاً، وهذا يمكن أن ينتهي بوفاة الرسول، لأنّ (فتحاً ـ مغانم) فيها تنكير يمنع عن التأكّد من الشمول والإطلاق القهري؛ فيؤخذ بالقدر المتيقّن من دلالة الآية الكريمة.
فلاحظ ما يُشبه هذه الجملة ويحاكيها، هل تفهم منه الدلالة على الشمول للمستقبل الزماني أو لا؟ مثل أن يقول الوالد لولده: لقد رضيت عنك إذ أعطيت المال لأخيك، أو يقال: لقد رضي زيدٌ عن عمرو إذ ينصُر المظلوم، فهل ترى أنّ عرف أهل اللغة يفهمون أنها إثبات الرضا المطلق في المستقبل أو يفهمون أنّه الآن راضٍ عنه نتيجة فعله هذا وفي ظرف فعله هذا، مع السكوت الإيجابي أو السلبي عن المستقبل؟
ويتعزّز هذا الأمر بما ذكره بعضهم([78]) في الإيراد على الاستدلال بالآية هنا، من أنّه لابدّ من ضمّها إلى آية أخرى وردت في البيعة نفسها، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (الفتح: 10)، فهذه الآية تدلّ على أنّ هناك فريقين في المبايعين، ولا أقلّ من أنّ الآية تثير في ذهننا صورةً لفريقين: أحدهما الناكثون، والآخر الموفون بالعهد، ولو كان جميع الذين بايعوا تحت الشجرة موفون بعهدهم فأيّ ضرورة لإثارة هذه القضيّة في حقّهم؟
بل ربما يتأيّد ذلك أيضاً ـ كما ذكر بعضهم([79]) ـ بأنّ القرآن لم يجعل الوفاء بالعهد شاملاً لكلّ المؤمنين، حيث قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 23)، فلو كان كلّ المؤمنين ممّن صدقوا العهدَ، لما كانت هناك حاجة لـ (من) في مطلع الآية الكريمة.
قد تقول: إنّ الآية المستدلّ بها على حُسن حال الصحابة هنا تُعلّق حديثها على المؤمنين، أمّا هذه الآية (الفتح: 10)، فتعلّقه على مطلق المبايعين دون توصيفهم بالمؤمنين.
ويجاب: بأنّ هذا يكشف لنا عن أنّ المبايعين تحت الشجرة لم يكونوا كلّهم مؤمنين، بل كانوا على نوعين مؤمن وغير مؤمن، وأنّ القسم الثاني هو الذي يرد فيه النكث لمفاد البيعة، ومعه لا يمكن الاستدلال بحضور بيعة الرضوان مطلقاً قبل إثبات إيمان من حضر، نعم مع ثبوت إيمانه يصحّ، ولا يكفي إسلامه؛ لأنّ الآيات ترتّب الآثار على الإيمان، وهو مغاير للإسلام، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ..﴾ (الحجرات: 14).
ولعلّه لهذا وجدنا بعضهم([80]) يركّز على مناقشة إيمان زيدٍ وعمرو، لا على أيّ شيء آخر.
وقد حاول بعض علماء أهل السنّة الردّ على هذا الكلام كلّه، بأنّ الظرف الذي جاء في الآية يراد به الظرفيّة المحضة أو التعليل: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، فيدلّ على أنّ تعلّق الرضا كان بالمبايعين ومن حيثيّة البيعة، فمن اتصف بهذه الحيثيّة كان مرضيّاً مطلقاً بحكم الآية الكريمة([81]).
إلا أنّ هذا الكلام غير واضح؛ فنحن نقبل بدور البيعة في الرضا، إلا أنّ الآية جعلت بيعة المؤمنين هي المعيار التامّ للرضا، فأخذت قيدين في ترتيب الرضا، نعم هي لا تدلّ على أنّ الذين بايعوا كان منهم المؤمن والمنافق والفاسق و.. وإنّما تدلّ على قبول بيعة المؤمنين، وقد يكونون كذلك جميعاً وقد لا يكونون، وإثبات ذلك أو عدمه يكون من خارج الآية الكريمة.
فإذا قصد الشيعي هنا أنّ الآية تنوّع المبايعين إلى مؤمنين وغيرهم، فهذا غير ظاهر منها، وإذا قصد السنّي أنّها تحكم بإيمان كلّ من بايع، فهذا أيضاً غير ظاهر، نعم، لا يُعقل أن تريد الآية شخصاً واحداً أو شخصين من أصل ألف شخص فهذا أيضاً لا يتناسب مع الفهم العرفي المتناسق مع مناسبات الحكم والموضوع وظرف النزول.
فالمفهوم من الآية هو رضا الله عنهم لمبايعتهم تحت الشجرة، وهذا لا إطلاق فيه بملاحظة مستقبل الزمان، فأنت إذا قلت: أنا رضيت عنك حيث ساعدت أخاك، فهذا لا إطلاق فيه للرضا المطلق حتى وفاته، بل هو ناظر لحصول الرضا من هذه الناحية.
نعم، يمكن للمستدلّ هنا أن يستعين باستصحاب الرضا حتى يثبت العكس، لكنّ الدليل على التعديل اللاحق سيكون بالاستصحاب، لا بالآية نفسها، فانتبه جيّداً، حتى لا يُجعل دليل عدم العدالة الذي يقدّمه الشيعي مثلاً معارضاً للكتاب، بل هو في واقعه رافعٌ للاستصحاب فقط، فتأمّل جيّداً.
1 ـ 2 ـ 10 ـ دلالة العموم في آية البيعة
ذكر الشريف المرتضى وتبعه غيره([82]) أنّ (المؤمنين) في آية بيعة الرضوان لا تفيد العموم؛ لأنّ الألف واللام لا تفيد الاستغراق، بل هي مردّدة بين العموم والخصوص، فقد يريد بعضهم وقد يريد جميعهم، فلا دلالة في الآية على إرادة العموم.
ويناقش ـ بصرف النظر عن إفادة الألف واللام للعموم كما ذكره جمع من محقّقي الأصوليّين المتأخّرين ـ بأنّ ظاهر عدم ذكر قيود أخَر أنّ هذه الأوصاف ـ أي الإيمان والبيعة ـ كافية في الاتصاف بالرضا، والفهم العرفي حجّةٌ في المقام.
1 ـ 2 ـ 11 ـ الآيات بين توصيف الأفراد وتوصيف الجماعات
إنّ أغلب هذه الآيات ـ كالثالثة والرابعة ـ يجري فيها ما أشرنا إليه في المجموعة الأولى من الآيات، وهو أنّها وصفٌ للجماعات، بحيث يصدق في حالة الصدق الأعمّي والأغلبي، بلا حاجة إلى افتراض الموجبة الكلية الحدّية.
وقد تقدّم منّا بيان المقاربة الدلاليّة لهذا الفهم من النصوص، فلا نعيد.
1 ـ 2 ـ 12 ـ النصّ القرآني بين القيود الظاهرة والباطنة
ذكر بعض العلماء أنّ الآية الثالثة هنا، أخذت مجموعةً من القيود الظاهرة والباطنة، فالقيود الظاهرة هي الفقر والهجرة والإخراج من الديار والأموال، أما القيود الباطنة فهي ابتغاء الفضل من الله والرضوان ونصرة الرسول، وهذا معناه أنّ الذي يمكننا ترتيب توصيف الصدق في حقّه إنّما هو من تمكّنا في المرحلة السابقة من إثبات تمام صفاته الظاهرة والباطنة المذكورة في الآية الكريمة، وهذا لا يُثبت عدالة جميع الصحابة من الآية نفسها([83]).
وهذا الإشكال يرجع في روحه إلى اعتبار مقاطع الآية قيوداً لا أوصافاً يجري الإنباء عنها، فعندما أقول: أعطِ أهلَ هذه المحلّة الفقراء مالاً، فإنّ هذا الكلام يحتمل إرادتي تقييد من تعطيهم بالفقر، ويحتمل أنّني أريد إعطاءهم المال جميعهم مع توصيفي لهم بالفقر وإخباري عن فقرهم، فكأنّني قلت: أعط أهل هذه المحلّة مالاً؛ فهم فقراء.
ولعلّ ما يرجّح التقييد في مورد بحثنا في هذه الآية، أنّ الآية في مقام بيان حكمٍ شرعي لا في سياق الكشف عن واقعٍ خارجي؛ فإنّ جملة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ ترجع إلى ما جاء في الآية السابقة، وهي آية الفيء، حيث قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الحشر: 7)، فالجارّ والمجرور في (للفقراء)، إما بدلٌ من (ولذي القربى واليتامى..)، فيكون المعنى: إنّ مال الفيء هو لله وللرسول ولذي القربى و.. من الفقراء المهاجرين، ويكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ..﴾ عطفاً على الفقراء المهاجرين، أو أنّ الجارّ والمجرور مترتّبان على قوله: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُم﴾، بمعنى: كي لا يكون المال حصراً بين الأغنياء بل يكون أيضاً للفقراء المهاجرين الذين فيهم هذه الصفات.
وعليه، فتكون الآيات بصدد بيان حكمٍ شرعي في مصرف مال الفيء، ومعه فتكون الصفات المأخوذة أظهر في القيديّة؛ حيث السياق إنشائيٌّ وليس إخباريّاً، لأنه عندما يقول: أعط مال الفيء للفقير المهاجر المخرَج المبتغي فضل الله والناصر له ولرسوله، فمن الطبيعي أن يوكل تحديد هذه الصفات للمكلّف، ولا يكون المولى بصدد الإخبار عن وجودها، ويكون قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أشبه ببيان الحكمة والعلّة، أي أعطوا هؤلاء مال الفيء، فهم الصادقون.
وحتى لو لم تكن الآيات ظاهرةً في القيديّة، إلا أنّ ظهورها في الوصفيّة مشكلٌ ومبهم بعد هذا السياق الحُكمي الإنشائي الذي تحمله، خاصّةً مع تصدير الآية بعنوان الفقراء لا بعنوان المهاجرين، والله العالم.
وربما يكون من الباب نفسه، ما ذكره ابن ميثم البحراني، من أنّ الأوصاف الموجودة في الآية الكريمة لا تنطبق على عموم الصحابة بل على بعضهم، مضيفاً أنّ الصادق وصفٌ أعمّ من الصدق في جميع الأحوال أو في بعضها، ومعه يمكن أن يصدقوا من ناحية آحادهم، وممكن أن لا يصدقوا، فالكذب جائز بالاتفاق على آحاد الصحابة([84]).
لكن تفسير البحراني لـ (الصادق) غير واضح؛ لأنّ الصدق هنا إما أن يُراد منه الحقّانية، أي وأولئك على الحقّ، أو يراد منه صدق القلوب والنفوس، أو نحو ذلك من المعاني، أمّا إرادة الصدق المقابل للكذب في الإخبار فهو غير واضح، وعلى تقديره فأيّ معنى للحديث بأنّ هذا الوصف لا يشمل تمام الحالات، بل يصدق في بعضها، فإذا أراد كفاية صدق وصف (الصدق) على تحقّقه في بعض الحالات فهذا غريب، إذ سيكون كلّ الناس صادقين؛ إذ لا يوجد من يكذب في كلّ أقواله، فلا بدّ من صدقه في بعضها، وهذا لا يطلق عليه أنّه صادق عرفاً. نعم بيّن علماء أصول الفقه أنّ الصادق قد يكذب، بمعنى صدوره منه نادراً أو اتفاقاً، وإلا لخرج عن أن يوصف بالصادق بذاته، بل يوصف هذا القول منه أو ذاك بالصدق بوصفه فعلاً جزئيّاً من الأفعال.
وقد استشهد بعضهم لذلك بالآية اللاحقة ـ بعد وصف المهاجرين والأنصار ـ حيث جاء فيها قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر: 10)، حيث إنّه ليس كلّ الذين جاؤوا بعد المجموعتين السابقتين يقولون ذلك، إذ ليس كلّهم مستغفرين وداعين، فهذا دليل على أنّ هذه الأوصاف لبعض اللاحقين، فتكون الأوصاف المتقدّمة في الآيات السابقة لبعض الصحابة لا لجميعهم؛ ومن هنا حَكَمَ الإمام مالك بن أنس بعدم استحقاق السابّ للصحابة الفيء، بمقتضى سياق هذه الآيات([85]).
وهذا الكلام جيّد لولا أنّه من المحتمل أن تكون الآية المذكورة ناظرة إلى الخارج، وليست مسوقةً على نهج القضية الحقيقيّة، بحيث تتحدّث عن المجموعة الثالثة من المسلمين المؤمنين آنذاك، وهي التي أسلمت وآمنت بعد حركة الهجرة والنصرة، كما في الذين أسلموا بعد معركة الأحزاب أو بعد صلح الحديبيّة، حيث لم يكن هؤلاء في غالبهم من المهاجرين ولم يكونوا من الأنصار بعد تخصيص وصف الأنصار بالرعيل الأوّل الذي آوى ونصر واحتضن الدعوة في يثرب، فالآية تخبر عن المجموعة الثالثة، ومعه لا معنى لنفي إطلاقها حيث قد يكونون جميعاً متّصفين بهذه الصفات واقعاً.
مضافاً إلى أنّه بناءً على ما قلناه، من أنّ الأوصاف اللاحقة للجماعات تصدق ولو مع المخالف القليل النادر، يمكن وصف المجموعة الثالثة بما ذكر حتى مع جرّ مضمونها زماناً إلى يوم القيامة؛ لأنّ الغالبيّة الساحقة من المسلمين تستغفر وتحبّ المسلمين الأوائل. نعم قد يختلفون في بعض المصاديق وهذا شأنٌ آخر.
ولعلّه لأجل نكتة السياق الأحكامي التي ذكرناها جاء ما نسب إلى الإمام مالك بن أنس، فلا نعيد.
ونجد في السياق عينه الجوابَ النمطيَّ الشيعيّ على كلّ آيات عدالة الصحابة، يكرّره الشيخ محمد سند([86])، وهو أنّ هذه الآيات تحوي أوصافاً، فلا بدّ من إثبات صدق هذه الأوصاف في حقّهم لترتيب الآثار، لا العكس.
وقد قلنا بأنّ هذه الطريقة مشروطة بأن لا يكون ظاهر الآيات أو بعضها هو الإخبار عن تحقّق الأوصاف فيهم، إذ في هذه الحال يجب تقديم الآية القرآنية على بعض المرويّات التاريخية لو كانت تعارضها، وأما مع كثرة الشواهد التاريخية فلابدّ من استئناف بحث حقيقيّ في حلّ هذه الإشكاليّة، لا الاستعجال بتقديم غير القرآن عليه، كما حصل في بعض الكلمات.
1 ـ 2 ـ 13 ـ آية التوبة وعدم الدلالة على نفي الذنب اللاحق
إنّ غاية ما تدلّ عليه الآية الخامسة (التوبة: 117) هنا، أنّ الله تعالى قد تاب عن المهاجرين والأنصار المتّبعين للرسول في ساعات الشدّة، لا عن مطلقهم حتى لو لم يتّبعوه، وهي تدلّ على أنّ بعضهم قد كاد يزيغ قلبه وينحرف أو يتراجع، لكنّ الله عفا عن هذه الهفوات وسامحهم، وهذا يعني أنّهم كانوا يخطؤون ويزلّون ويتوب الله عليهم، ولا تنفي هذه الآيات إمكان ارتكابهم الخطأ فيما بعد، بل هي تدلّ على التوبة في لحظتها، وأنّ ما صدر منهم إلى أواخر البعثة النبويّة ـ لأنّ السورة هي التوبة ـ معفوّ عنه، وأن زيغ قلوبهم مغفور، مما حصل منهم سابقاً، أما أنّه لن يحصل شيء بعد ذلك، فهذا لا تشير إليه الآية الكريمة لا سلباً ولا إيجاباً.
نعم، دلالتها على التوبة عنهم تلك اللحظة، ليست بالأمر الهيّن إطلاقاً، وسيأتي لاحقاً ما يشير إلى طبيعة التعاطي الإلهي الرحيم مع ذلك المجتمع النبويّ.
1 ـ 2 ـ 14 ـ آيات سورة النحل والوعد المعلّق
إنّ الآيتين الأخيرتين السادسة والسابعة (النحل: 41، 110) ـ ومثلهما الآية الرابعة (الأنفال: 74) ـ دالّتان على فضل الهجرة في الله والجهاد والصبر والوعد بالمغفرة بنحو القضيّة الحقيقيّة، فكلّ من ثبت أنّ هجرته كانت لله، وأنّه جاهد وصبرَ موعودٌ بالمغفرة ومستحقٌّ لهذا المدح العظيم، ولا يُعلم أنّها بصدد الإشارة لواقع خارجيّ تريد توصيفه فلاحظ السياق.
فإذا ناقش شخصٌ فعليه أن يناقش في أصل تحقّق هذه الأوصاف من الأوّل، لاسيما مع ظهور الآية الأولى في الوعد الأخروي إضافةً إلى الدنيويّ، إلا إذا قيل بأنّها وعدتهم بالأجر الدنيوي، أما الأخروي فلم تعدهم به، بل وصفته بأنّهم أعظم من ذاك الدنيوي الذي حصلوا عليه، الأمر الذي يقع على خلاف سياق الامتنان والوعد الموجود في الآية الكريمة.
1 ـ 2 ـ 15 ـ هلاميّة مفهوم (السابقون الأوّلون) في تعديل الصحابة
أورد الشيخ آصف محسني على الاستدلال بآية (السابقون الأوّلون)، بأنّها لا تشرح لنا مفهوماً دقيقاً بحيث نستطيع أن ندرج شخصاً في السابقين أو نخرجه عنهم، ولهذا قيل بأنّ المراد هم من صلّى إلى القبلتين، وقيل: من بايع بيعة الرضوان، وقيل: هم أهل بدر خاصّة، وقيل: هم الذين أسلموا قبل الهجرة، كما جاء في أوائل كتاب الاستيعاب شرحُ هذه الاختلافات، وكأنّ الشيخ محسني عاد ورجّح المفهوم الأضيق([87]).
والتساؤل المذكور في محلّه، بل غايته أنّه يجب علينا الأخذ بالقدر المتيقّن كلّما شككنا في المراد، وهو يُساعد على تضييق دائرة الاستدلال بهذه الآية عن الشمول لعدد كبير من الصحابة، فتأمّل جيّداً. وإن كان الذي يبدو لي أنّها تتحدّث عن الجيل الذي أسلم بدايات سنيّ الدعوة.
نتيجة البحث في المستند القرآني لعدالة الصحابة
من خلال تتبّع الآيات القرآنيّة التي تعدّ المستند لنظريّة عدالة الصحابة، وما لم نذكره صار حاله واضحاً ممّا ذكرناه فلا نطيل، نجد أنّه لم تقم أيّ آية على إثبات عدالتهم جميعاً؛ لأنّ المجموعة الأولى من الآيات الكريمة ليس فيها دلالة على عدالة الجميع، والمجموعة الثانية أخصّ من المدّعى، لعدم كونها في مقام الحديث عن جميع الصحابة، بل عن بعضهم، من هنا نجد أنّ القفز من هذه الآيات إلى إثبات عدالة جميع الصحابة ـ لاسيما بالمعنى الحديثي للصحابة ـ غير صحيح.
لكن لا شك في أنّ هذه الآيات تقع ـ في غالبها على الأقل ـ في صراط مدح الجيل الإسلامي الأوّل المعاصر للنبيّ، وأنّ أكثر الذين كانوا مع النبيّ من المهاجرين والأنصار وأمثالهم كانت فيهم الكثير من الصفات الحميدة الفاضلة، خاصّة الدفعة الأولى من المهاجرين والأنصار، وحمل هذه الآيات جميعاً على أنها تريد أن تتحدّث عن شخص واحد، هو الإمام علي بن أبي طالب، أو عن مجموعة محدودة لا تتعدّى أصابع اليد الواحدة، كما صوّر ذلك بعض نقّاد نظريّة عدالة الصحابة.. بعيدٌ جداً عن سياق الآيات وجمع بعضها مع بعض، فالإنصاف أنّ الآيات تمدح أمّةً كبيرةً من الناس كانت تحيط بالرسول وعلى مقربة منه وملازمة له.
وحيث فهمنا توصيفات الآيات وأنّها لاحقة للجماعات، فلا تكون ناظرةً لكلّ فردٍ فرد، بل ناظرة للأعم الأغلب، فيكون قيام دليلٍ حجّة على عدم عدالة واحدٍ ممّن تشمله الآيات موجباً لإحراز عدم كونه من الأعم الأغلب، وبهذا لا تكون أدلّة عدم عدالة بعض الأفراد مناقضةً لما فهمناه من الكتاب الكريم، وسيأتي المزيد من الإضاءة على هذا الأمر، والله العالم.
2 ـ المستند الحديثي لنظريّة عدالة الصحابة
إلى جانب القرآن الكريم، تمّ الاستناد؛ لإثبات نظريّة عدالة الصحابة، إلى مجموعة من الأحاديث والروايات التي لابدّ من استعراضها، وقد ذكرها علماء أهل السنّة، بل ذكروا أنّ روايات فضل الصحابة لم تقتصر على المصادر السنّية، وإنّما وردت في المصادر الشيعيّة أيضاً.
ومقصودنا من الأحاديث هنا ليس النصوص الحديثية الواردة في فضل هذا الصحابي أو ذاك، أو بعض الصحابة، فإنّ حجم هذه النصوص يفوق حدّ التصوّر، وهو مجموعٌ في كتب ضخمة يمكن مراجعتها، كفضائل الصحابة لأحمد بن حنبل، إنّما نهدف لرصد النصوص التي تؤسّس قاعدةً توثيقيّة تعديليّة عامّة في هذا الصدد للصحابي بالمفهوم الحديثي أو الأصولي.
بدورنا، سوف نستعرض المهمّ من هذه الروايات عند الشيعة والسنّة، ثم نحلّلها لنرى مدى صحّتها صدوراً ودلالةً، ونشرع بالروايات الشيعيّة؛ لأهميّتها من حيث إعطائها قوّةً عند ورودها في مصادر من يعارض بشدّة القول بعدالة الصحابة.
2 ـ 1 ـ الروايات الشيعيّة في تكريس عدالة الصحابة
ثمّة روايات شيعيّة إماميّة دالّة على فضل الصحابة ومكانتهم، أهمّها:
الرواية الأولى: خبر التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري، فقد ورد فيه الحوار الذي جرى بين الله تعالى والنبيّ موسى، وكان من جملة هذا الحوار ـ بحسب نقل الإمام العسكري ـ الآتي: «.. فقال [موسى]: يا ربّ، فإن كان آل محمّد عندك كذلك، فهل في صحابة الأنبياء أكرم [عندك] من صحابتي؟ قال الله عزّ وجل: يا موسى، أما علمت أنّ فضل صحابة محمّد’ على جميع صحابة المرسلين كفضل آل محمد على جميع آل النبيّين و[كـ] فضل محمّد على جميع المرسلين؟!..»([88]).
وقد نقل العلامة المجلسي روايةً عن الإمام علي بن موسى الرضا× فيها هذا الحوار أيضاً([89])، عن كتابَي: علل الشرائع وعيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق، إلا أنّ المطبوع من علل الشرائع وعيون أخبار الرضا فيه هذه الرواية من دون السؤال والجواب المتعلّقَين بالصحابة([90])، بل الرواية موجودة أيضاً في كتاب من لا يحضره الفقيه للصدوق، لكن دون هذا المقطع كذلك([91]).
ولعلّ من الغريب أنّ العلامة المجلسي عاد وذكر هذه الرواية في موضعين آخرين في البحار، نقلاً عن تفسير العسكري وعيون أخبار الرضا ومعاني الأخبار والعلل، وليس فيها هذا المقطع([92]).
وهناك احتمال في وجود نسخَتين وصلتا للعلامة المجلسي لكتاب العلل وأمثاله في إحداها يوجد هذا المقطع الخاصّ بالصحابة، وفي الثانية غير موجود.
ومهما يكن، فهذه الرواية تفضّل صحابة النبيّ ـ دون تمييز ـ على جميع صحابة الأنبياء السابقين، بمن فيهم أمثال عيسى×، الأمر الذي يدلّ على منزلةٍ عظيمة لهم. وحيث إنّنا رجّحنا سابقاً أنّ الدلالة اللغويّة والعرفيّة لكلمة (الصحابة) تفيد التعريف الأصولي، فإنّ هذه الرواية تعدّل الصحابة بالتعريف الأصولي.
لكنّ هذه الرواية في تفسير العسكري غير معتبرة تبعاً لعدم اعتبار هذا التفسير برمّته؛ لعدم ثبوت نسبته إلى الإمام العسكري أساساً، وكذلك الحال في المصادر الأخرى غير كتب الصدوق، مثل المحتضر للحلّي، حيث وردت هناك مرسلةً، وأما كتب الصدوق فلم نعثر على هذا المقطع فيما بأيدينا منها اليوم، فإمّا حصل سهوٌ من المجلسي، فنقل الرواية عن التفسير المنسوب للعسكري، ولما تقاربت المقاطع ظنّ أنّ كلّ ما في رواية التفسير موجود أيضاً في كتب الصدوق، أو أنّه حصل حذف من أحدهم لهذا المقطع، أو حصلت إضافة له منه، ومع تعدّد الاحتمالات يصعب الوثوق.
وحتى على تقدير وجود هذا المقطع في رواية العلل وغيره، فإنّ سندها فيه نفس السند إلى تفسير العسكري، وفيه من هو غير موثق، مثل علي بن محمد بن سيار ويوسف بن محمد بن زياد.
فالرواية ساقطة سنداً، وأمّا من الناحية الدلاليّة فتامّة على نظريّتنا في الأوصاف التي تُطلق على الجماعات، والتي شرحناها سابقاً.
الرواية الثانية: ما ورد عن الإمام علي بن أبي طالب، من قوله: «.. انظروا أهل بيت نبيّكم فالزموا سمتهم، واتّبعوا أثرهم، فلن يُخرجوكم من هدى.. ولا تسبقوهم فتضلّوا، ولا تتأخّروا عنهم فتهلكوا، لقد رأيت أصحاب محمد‘ فما أرى أحداً يشبههم (فما أرى أحداً منهم يشبهه)، لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجّداً قياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأنّ بين أعينهم رُكب المعزى، حتى تبلّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب ورجاء الثواب»([93]).
وقد وصف المحدّث النوري هذا الحديث بقوله: «ففي حديث أبي أراكة، الذي رواه جماعة من المشايخ بطرق متعدّدة، ومتون مختلفة، بالزيادة والنقيصة، وهو على لفظ السيّد في النهج..»([94])، وساق الرواية المتقدّمة، مما يعني وجودها بطرق متعدّدة بينها اختلاف، لكنّها تشترك في مدح الصحابة، والخبر أيضاً منقول عن أبي أراكة في بعض المصادر السنّية([95]).
ونقل العلامة المجلسي هذه الرواية عن ابن أبي الدنيا باختلافٍ طفيف، ولكنّها مسندة([96]).
ولعلّ المصدر الأقدم لهذه الرواية، هو كتاب «المعيار والموازنة في فضائل الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب»([97])، لأبي جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي المعتزلي المتوفّى عام 220هـ، وقد وصف الشيخ محمّد باقر المحمودي هذا الخبر في تصحيحه لهذا الكتاب، بأنّ له مصادر كثيرة([98]).
وظاهر الرواية كسابقتها الإشارة إلى الظاهرة العامّة في أصحاب النبيّ محمد‘، وهي صفاتٍ تشبه ما ورد في الآية الأخيرة من سورة الفتح، كما بيّناها سابقاً، إلا أنّ هذه الرواية وردت في مصادرها، تارةً مرسلةً ولا سند لها، كما في نهج البلاغة، وأخرى مسندة بسندٍ فيه عمرو بن شمر، وهو الوضّاع المعروف عند الشيعة والسنّة معاً. وثالثة بسندٍ فيه القاسم (كما في تاريخ ابن عساكر).
لكنّ اللافت أنّه كيف يروي عمرو بن شمر المتهم بالغلوّ شيئاً مثل هذا في حقّ الصحابة؟ يجب التأمّل في هذا، فهل كان غلوّه عقديّاً دون أن يكون لديه غلوّ طائفي ومذهبي في علاقات المذاهب ببعضها، بحيث كان محبّاً لأهل البيت والصحابة معاً فيضع الأحاديث للاثنين بلا وجود مشكلة عنده؟ هذا يحتاج لدراسة شخصيّته بعمقٍ أكثر.
وكثير من المناقشات الدلاليّة التي وردت على الاستدلال بالآية المتقدّمة تأتي هنا مع أجوبتها، فلا نعيد.
الرواية الثالثة: ما جاء في الصحيفة السجّادية عن الإمام زين العابدين: «اللهم وأتباعُ الرسل ومُصدّقوهم من أهل الأرض بالغيب عند معارضة المعاندين لهم بالتكذيب.. اللهم وأصحابُ محمّدٍ خاصّةً الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجّة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوّته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبّته، يرجون تجارةً لن تبور في مودّته، والذين هجرتهم العشائر إذا تعلّقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذا سكنوا في ظلّ قرابته، فلا تنسى اللهم لهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك، وبما حاشوا الخلق عليك وكانوا مع رسولك، دعاةً لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ومن كثّرت من إعزاز دينك من مظلومهم. اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان.. يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم يتفقون عليهم، ولا يتهمونهم فيما أدّوا إليهم. اللهم وصلّ على التابعين من يومنا هذا إلى يوم الدين..»([99]).
فإنّ كلمة (خاصّة) في الدعاء تميّز أصحاب محمّد عن أصحاب سائر الرسل وتخصّهم بالدعاء، ثم تصفهم بأنّهم أحسنوا الصحبة إلى آخر ما يصف هذا الدعاء به أصحاب محمّد، ولو رجع (خاصّة) إلى ما بعدها لدلّ على شمول الدعاء في المطلع لكلّ الصحابة أيضاً([100]).
والملفت في هذا الدعاء قوله: «ولا يتّهمونهم فيما أدّوا إليهم»، فهذا المقطع يصلح شاهداً على وثاقة الصحابة فيما نقلوه من الدين للأجيال اللاحقة.
والجواب الدلالي الشيعي المعروف على هذه الرواية وأمثالها صار واضحاً مما تقدّم، وهو اختصاص هذا الدعاء بمن ثبت ولم يبدّل بعد ذلك([101]).
وقد ناقشنا هذه الطريقة في الفهم، وقلنا بأنّ هذه النصوص إخباريّة تحكي عن الحالة العامّة للمجتمع الأوّل، وتؤسّس لحُسن حال الصحابة إلا ما خرج بالدليل، لهذا فهي شاملة للمعظم على حدّ تعبير السيد مهدي الحسيني الروحاني([102]).
فلا يبقى هنا سوى ضعف سند الصحيفة السجّادية على ما بحثناه مفصّلاً في محلّه من فقه الجهاد، وفاقاً في ذلك للسيّد الخميني([103]).
الرواية الرابعة: ما جاء في نهج البلاغة وغيره، في كتابٍ للإمام عليّ إلى معاوية بن أبي سفيان، يقول في آخره: «.. ولما أدخل الله العرب في دينه أفواجاً، وأسلمت له هذه الأمّة طوعاً وكرهاً، كنتم ممّن دخل في الدين إما رغبةً أو رهبة، على حين فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأوّلون بفضلهم..»([104]).
فهذا الخبر يدلّ على فضل السابقين من المهاجرين، كما في بعض الآيات السابقة.
لكن يناقش بأنّها تجعل الذين أسلموا بعد الفتح في موقفٍ سيّء، وأنّهم أسلموا رغبةً أو رهبة، ولا تدلّ على حُسن حال جميع الصحابة، هذا مضافاً لورودها بلا سند في نهج البلاغة، ومرسلةً عن رجل في كتاب «وقعة صفين».
الرواية الخامسة: خبر مصباح الشريعة، عن الإمام الصادق× في الباب التاسع والعشرين الذي يقع تحت عنوان «في معرفة الصحابة»، حيث جاء: «لا تدع اليقين بالشكّ والمكشوف بالخفي، ولا تحكم ما لم تره بما تروي، قد عظم الله أمر الغيبة وسوء الظن بإخوانك (قوله) المؤمنين، فكيف بالجرأة على إطلاق قول واعتقاد زور وبهتان في أصحاب رسول الله‘.. واعلم أنّ الله تعالى اختار لنبيّه (من)([105]) أصحابه طائفةً أكرمهم بأجلّ الكرامة، وحلاهم بحلية التأبيد والنصر والاستقامة؛ لصحبته على المحبوب والمكروه، وأنطق لسان نبيّه بفضائلهم ومناقبهم وكراماتهم، واعتقد محبتهم، واذكر فضلهم، واحذر مجالسة أهل البدع؛ فإنّها تنبت في القلب كفراً وضلالاً مبيناً، وإن اشتبه عليك فضيلة بعضهم فكِلْهم عالم الغيب، وقل: اللهم إنّي محبٌّ لمن أحببته ورسولك، ومبغضٌ لمن أبغضته أنت ورسولك، فإنه يكلّف (ولم يكلفك) فوق ذلك»([106]).
فإنّ الرواية ظاهرة في مدح الصحابة وبيان منزلتهم وحُسن حالهم ودالّة على لزوم مراعاة اليقين في الحكم عليهم، وعدم غيبتهم وبهتانهم وما شابه ذلك.
إلا أنّ الاستناد إلى هذه الرواية هنا مشكل؛ وذلك:
أوّلاً: إنّ أصل نسبة كتاب «مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة» إلى الإمام جعفر الصادق غير ثابتة؛ وقد بحثنا حول هذا الكتاب في مناسبة سابقة، وقلنا بأنه لا سند له إطلاقاً، بل قد قال بذلك حتى بعض الإخباريّين كالعلامة المجلسي([107])، وهناك من اعتقد بأنّ هذا الكتاب لأحد المتصوّفة، حيث نُقل أنه لشقيق البلخي([108])، وقيل بأنّ أصل الكتاب للبلخي لكن الموجود اليوم هو مختصر الكتاب، اختصره سليمان الصهرشتي تلميذ السيد المرتضى، واحتمل بعض آخر أن يكون الكتاب من استنباطات بعض أهل العلم([109]).
وقد حاول المحدّث النوري تصحيح الكتاب بحشد شهادات كلّها تقريباً ترجع لعصور متأخّرة ولا تنفع، دون أن يذكر طريقاً للكتاب([110]).
ويظهر أنّ أقدم نسبة للكتاب ترجع إلى ابن طاوس (664هـ)([111]) وتفصله عن الإمام الصادق خمسة قرون دون ذكر طريق، فضلاً عن كون الكتاب مشهوراً، ومعه فالكتاب لا يُعلم كونه رواية فضلاً عن تصحيحها.
ثانياً: إنّ النسخة الموجودة بين أيدينا لكتاب مصباح الشريعة ليس فيها حرف (من) في قوله: «اختار لنبيه أصحابه طائفة»([112])، لكنّ المحدث النوري ينقل عن النسخة التي وصلته وجود هذا الحرف بين (لنبيّه) و (أصحابه)، وإدخال هذا الحرف يكاد يكون أكثر انسجاماً، لاسيما بقرينة ما جاء في ذيل الكلام، فإنّ الذيل صريح بأنه عند الشك في فضيلة بعضهم اُدعُ الله تعالى، وهذا الدعاء فيه تفويض للعلم الإلهي من حيث الحبّ والبغض، فلو كانوا جميعاً صلحاء فلماذا جاء احتمال البغض، وهذا معناه قوّة احتمال إرادة الحديث عن بعض أصحاب النبي الموصوفين بأنهم (طائفة)، فلا يكون الكلام عاماً شاملاً للجميع، بل لعلّه يكون ملوّحاً بالطعن، لا دالاً على التعديل المطلق.
الرواية السادسة: خبر هشام بن سالم ـ وهو صحيح السند على المشهور ـ عن أبي عبد الله× قال: «كان أصحاب رسول الله’ اثني عشر ألفاً، ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكّة، وألفان من الطلقاء، ولم يُرَ فيهم قدريٌّ، ولا مرجي، ولا حروريّ، ولا معتزلي، ولا صاحب (صحاب) رأي، كانوا يبكون الليل والنهار، ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير»([113]).
فهذه الرواية التامّة السند على المشهور ظاهرة واضحة في وجود عدد هائل من أصحاب النبيّ ممدوحٍ تشهد الرواية على تديّنه وبكائه في الليل والنهار، وسلامة مسلكه العقائدي، وهي ظاهرة في الحديث عن هؤلاء، لا فقط بلحاظ حال حياة النبي؛ إذ لو ارتدّ هؤلاء جميعاً وكفروا أو فسقوا أو لم يبق منهم إلا القليل النادر، فأيّ معنى لوصفهم ومدحهم في عصر الإمام الصادق ومن قبله؟ وهل يكون ذلك معقولاً دون إبراز تقييدٍ زمانيّ واضح؟!
إنّ هذه الرواية تؤكّد ما فهمناه من الآيات، من أنّ الصالحين حول النبيّ لم يكونوا مجموعةً صغيرة، بل كانوا جيلاً كبيراً، نعم، الرواية لا تُثبت حال الجميع، وإنّما الظاهرة العامة كما قلنا، لاسيما وأنّها لم تقل: (كان من أصحاب)، وإنّما ذكرت الأصحاب كلّهم، ثم وصفتهم بما وصفتهم به. بل قد يقال بدلالتها على توثيق وتعديل الاثني عشر ألفاً كلّهم، فإنّ ذكر هذا الرقم ثم القول بأنّه لم يُرَ فيهم قدري، ثم مدحهم، قد يكون ملوّحاً بالشمول الاستيعابي التامّ.
ولا يرد على هذه الرواية أنّ هناك من أصحاب النبي من لا يعدّ من مكّة ولا المدينة ولا من الطلقاء، فكيف حذفتهم الرواية؟ وذلك أنّه لا يبعد كون المراد من كانوا في المدينة وإن لم يكونوا من أهل المدينة، وحيث إنّ عددهم قليل أدرجوا في أهل المدينة، أو يُراد هنا التحقيب الزمني لا التصنيف المكاني، شبه ما قيل في تصنيف آيات المكي والمدني بالمعيار المكاني تارةً والزماني (قبل وبعد الهجرة) أخرى. بل لا يراد بالرواية تحديد عدد المسلمين زمن النبي حتى يشكل بأنه كان أكبر من ذلك؛ لأنّها بصدد تحديد عدد الأصحاب، وقد قلنا سابقاً بأنّ الظاهر عرفاً وعقلائياً أنّ الأصحاب وصفٌ يطلق على من لازم فترة معتدّاً بها، لا مطلق من رأى النبي أو رآه النبي، فيكون المراد وصف حال بعض المسلمين لا مطلقهم، وهذا ما يؤكّد فكرة استخدام كلمة (الأصحاب) هنا بالمعنى الأصولي، فلا يصحّ القول بأنّ الكلمة صار لها معنى جديد في عصر الإمام الصادق، وهو المعنى الحديثي الذي باتت تنصرف إليه عند الإطلاق؛ إذ هذا غيرُ محرزٍ أبداً في ذلك العصر.
وليس في سند الرواية مشكلة، إلا من ناحية التريّث في أمر إبراهيم بن هاشم عندي، وإلا فهو ثقة على المشهور.
الرواية السابعة: خبر المجاشعي، عن محمد بن جعفر، عن الصادق×، عن علي×، أنّه قال: «.. وأوصيكم بأصحاب نبيّكم، لا تسبّوهم، وهم الذين لم يُحدثوا بعده حدثاً ولم يأتوا محدَثاً، فإنّ رسول الله’ أوصى بهم..»([114]).
فهذه الرواية تمدح أصحاب النبيّ في أنّهم لم يُحدثوا بعده، وتوصي بهم خيراً.
وقد يُحتمل في الرواية احتمالٌ، وهي أنّها تريد أن تحصر أصحاب النبي بخصوص أولئك الذين لم يُحدثوا ولم يبدّلوا، لا أنّها تريد وصف جميعهم بذلك، ومعه ولا أقلّ من التردّد، تصبح الرواية مجملة من هذه الناحية، تحتمل الدلالة على عدم عدالة بعض الصحابة.
هذا، مضافاً إلى ضعف السند بإهمال المجاشعي إهمالاً شديداً في مصادر الرجال الشيعيّة والسنّية([115]).
الرواية الثامنة: خبر أبي سعيد الخدري، وهو حديث الثقلين، حيث قال رسول الله‘ بعد إيراده الكتاب والعترة: «.. ألا إنّ أهل بيتي عيبتي التي آوي إليها، وأنّ الأنصار كرشي، فاعفوا عن مسيئهم، وأعينوا محسنهم»([116]). وروح هذا المقطع من الرواية ورد في بعض مصادر أهل السنّة أيضاً([117]).
وفي هذا الحديث يوصف الأنصار بأنهم بطانة النبيّ وجماعته، ويطلب العفو عن مسيئهم وإعانة محسنهم، وهذه مكرمة لهم.
وقد شرح الشريف الرضي معنى الكرش فقال: «يحتمل ذلك معنيين: أحدهما أن يكون أراد عليه الصلاة والسلام أنهم مادّتي التي أقوى بها، وأفزع إليها كما تفزع ذوات الاجترار إلى أكراشها في انتزاع لجرة منها، والاعتماد عند فقد المرعى عليها. فأراد عليه الصلاة والسلام أنّ الأنصار رحمة الله عليهم يمدّونه بأنفسهم، ويكون معوله في السراء والضراء عليهم. والمعنى الآخر أن يكون المراد أنّ الأنصار أهلي وعيالي وحامتي وجماعتي، والكرش اسم للجماعة»([118]).
لكنّ الخبر يثبت وجود المسيء والمحسن في الأنصار، غاية الأمر العفو عن المسيء وعدم معاقبته، فضلاً عن أنّه ليست فيه أيّ إشارة لجميع الصحابة أو للمهاجرين، وأين هذا من عدالة الصحابة جميعهم؟!
بل في النفس شيء من مثل هذه الأحاديث التي تميّز الناس، فالأنصار يُعفى عن مسيئهم، أما سائر الناس فيعاقَبون، مع أنّ النبي هدّد بإقامة الحدّ على ابنته الزهراء لو سرقت وهو يعرف بأنّها لا تسرق، إلا إذا قيل بأنّ العفو هنا في الأمور الشخصيّة، فيرتفع الإشكال، أو يقال بأنّه لما كان الشخص صالحاً أمكن العفو عنه؛ لمكان صلاحه بخلاف ما لو كان كثير الفساد والانحراف.
هذا، مضافاً إلى ضعف السند بجهالة عطية العوفي (أو الكوفي).
الرواية التاسعة: ما رواه ابن أبي فتح الإربلي، عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين، أنّه قَدِم عليه نفرٌ من أهل العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا من كلامهم قال لهم: «ألا تخبروني، أنتم المهاجرون الأوّلون الذين اُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون؟»، قالوا: لا، قال: «فأنتم الذين تولّوا الدار والإيمان من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟»، قالوا: لا، قال: «أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنّكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، أخرجوا عني، فعل الله بكم»([119]).
فهذا الخبر يُفهم منه حُسن حال الصحابة، ومنهم الثلاثة المذكورون في الرواية، وقد جاء هذا الخبر في بعض المصادر السنّية أيضاً([120]).
وقد حاول السيّد نور الله التستري (1019هـ)، أن يُجيب عن هذه الرواية بدعوى أنّها مجملة، فهي تدلّ على أنّ المخاطبين فيها لم يكونوا من الفريقين الأولين ـ المهاجرين والأنصار ـ لكنّها لا تدلّ على دخول الثلاثة في هذين الفريقين، فالرواية مبهمة، وإبهامها خيرُ شاهدٍ على أنّها واردة مورد التقية، وإلا فأبو بكر ليس داخلاً في الآية؛ لعدم كونه من فقراء المهاجرين، كما أنّ الآية الثانية قد نزلت في الأنصار، والثلاثة ليسوا من الأنصار حتماً([121]).
ولكنّ هذه المحاولة غير واضحة، لمن فهم سياق حركة الموقف؛ فإنّ الإمام زين العابدين يريد أن يصدّ النفر العراقيين بما يدلّل على حُسن حال الصحابة الذين هؤلاء منهم، فهو يريد الحدّ من ظاهرة نقد الصحابة والحديث فيهم، فأتى بآياتٍ تدلّ على حُسن حال الرعيل الأوّل، وذكرُ هذه الآيات ليس من باب الاستدلال المباشر، وإنّما من باب سدّ الطريق على التعرّض للصحابة، لهذا لم يجعل× العراقيين الذين أتوه في عداد الآية الثالثة، وهذا معناه أنّه يريد أن يدعو لظاهرة احترام الجيل الأوّل. والحمل على التقيّة يحتاج إلى شواهد، لا أنّ أيّ رواية لا تنسجم مع عقائدنا يُفترض حملها على التقيّة!
لكنّ هذا الرواية لا سند لها في المصادر الشيعيّة، وأغلب الظنّ أنّ الإربلي (693هـ) قد أخذها من محمد بن طلحة الشافعي (652هـ)؛ لتقارب تعابيرهما في هذا الموضوع، مع حديثهما معاً عن أهل البيت.
وأمّا في المصادر السنيّة، فهي مرويّة عن محمد بن حاطب، وهو صحابيٌّ صغير توفّي عام 74هـ كما يقول ابن حجر([122])، وتوثيقه مبنيٌّ على عدالة الصحابة جميعاً، والمفروض أنّنا ما زلنا نبحث في عدالتهم.
والحاصل: إنّ الرواية غير تامّة السند، ودلالتها تتبع ما قلناه في البحث القرآني، فلا نعيد، خاصّة ًوأنّها ليست بصدد إعطاء غير مُفاد الآيات، وسياقُها المباشر هو سياق النهي عن التعرّض للصحابة.
الرواية العاشرة: خبر جرير بن عبد الله، عن النبي‘ قال: «المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة»([123]).
وقد رُوي هذا الخبر في بعض مصادر أهل السنّة أيضاً([124])، وقد ذكر الهيثمي أنّ بعض طرق هذا الحديث رجالُها رجال الصحيح([125]).
ومن خلال ملاحظة أمالي الطوسي، الذي هو المصدر الشيعيّ الرئيس الذي نقل الخبر، نجد أنّ هناك اتحاداً في سند الحديث مع بعض أسانيده عند أهل السنّة، وهو: عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن جرير بن عبد الله (البجلّي)، وهذا ما يرجّح أنّ الطوسي أخذ الحديث من كتب أهل السنّة ومشايخهم، كما هي طريقته في بعض كتبه المنفتحة على روايات الفريقين مثل كتاب الأمالي.
وهذه الرواية لا تجعل مطلق الصحابة في حالٍ واحدة، وإنّما تميّز بين المهاجرين والأنصار من جهة، والعتقاء والطلقاء من جهة ثانية، فلو كان كلّ الصحابة عدولاً أتقياء لما كان هناك وجهٌ لهذا التمييز؛ لأنّ المؤمنين كلّهم أولياء بعض، كما نصّ على ذلك القرآن الكريم، لاسيما وأنّها لم تجعل الولاية خاصّةً بالدنيا بل شملتها للآخرة، كما أنّ الرواية لا تتحدّث عن الولاية بمعنى الإرث ونحوه حيث كان يقوم بين المهاجرين والأنصار؛ لأنّ المفروض أنّ هذا الحكم قد طوي بعد نزول آيات الإرث وأمثالها، بقرينة أنّ هذه الرواية يُفترض أن تكون صدرت بعد فتح مكّة، الأمر الذي يرجّح تأخّرها عن نسخ حكم التوارث المذكور، علماً أنّ ذكر قيد الآخرة يبعّد احتمال إرادة التوارث منها؛ إذ لا معنى للتوارث الفقهي هناك إلا بضربٍ من التأويل.
لكنّ الرواية واضحة في ولاية المهاجرين والأنصار لبعضهم حتى في الآخرة، فهم يعينون بعضهم هناك وينصرون بعضهم ويحبّون بعضهم.. إلى آخر معاني الولاية حسبما تفسَّر، ولم تقيّد ببعض المهاجرين والأنصار، بل عمّمت لهم جميعاً.
والذي يظهر من تتبّع سند الحديث أنّه يرجع في الأغلب إلى جرير بن عبد الله البجلّي الذي أسلم عام وفاة رسول الله’، والتحق بمعاوية وخرّب الإمامُ علي× داره، لكن ذكر بعض علماء أهل السنّة أنّه لم يلتحق بمعاوية، بل اعتزل عليّاً ومعاوية معاً حتى مات، والروايات التي تمدحه من جانب عمر بن الخطاب بأنّه يوسف هذه الأمّة([126]) قد لا يراد منها سوى الإشارة إلى جماله؛ لأنّه ورد أنّه كان جميلاً جداً. وفي هذه الحال لا نلتزم بثبوت وثاقته، إلا بعد افتراض ثبوت عدالة الصحابة، والمفروض أنّنا ما زلنا نبحث في هذا الثبوت.
وقد ذكر الهيثمي أنّ السند الآخر إلى ابن مسعود، فيه عاصم بن بهدلة، وفيه خلاف([127]).
ومعه، فالسند مشكلٌ في مصادر الشيعة والسنّة.
الرواية الحادية عشرة: خبر نوادر الراوندي، قال: قال رسول الله‘: «.. وأنا أمنة لأصحابي، فإذا قُبضت دنا من أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمّتي، فإذا قبض أصحابي دنا من أمّتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدين ظاهراً على الأديان كلّها ما دام فيكم من قد رآني»([128]).
فإنّ هذا الحديث يجعل الصحابة أماناً للأمّة بعد النبيّ، وميزةُ الحديث أنّه يجعل الدين ظاهراً ما كان في المسلمين صحابيّ ـ بالمعنى الحديثي ـ رأى رسول الله‘، وهو بهذا يشير إلى عظم مكانة الصحابة.
وقد نوقش في دلالة هذا الحديث، بأنّه أدلّ على عدم عدالة الصحابة منه على عدالتهم؛ فإنّه يشير إلى أنّ الأصحاب سيلاقون ما يوعدون بعد وفاة النبيّ من الحروب والفتن والصراعات والأهواء التي تكون بينهم، كما أقرّ بذلك بعض علماء أهل السنّة، حيث كان النبي يفضّ نزاعاتهم([129]). كما أنّ هذا الحديث يدحضه الواقع التاريخي([130]).
يُضاف إلى ذلك أنّه يمكن القول ـ على رأي بعض الناقدين هنا ـ بأنّ هذا الحديث محرّف؛ لأنّ الأصل فيه ما رواه الحاكمُ النيسابوري في مستدركه بسنده إلى جابر، ومكان (الأصحاب) في المقطع الشاهد جاء (أهل البيت): «وأهل بيتي أمان لأمتي، فإذا ذهب أهل بيتي أتى أمّتي ما يوعدون»([131]). والحديث بصيغة «أهل بيتي» وارد في المصادر الشيعيّة أيضاً([132]).
والذي يظهر لي، بصرف النظر عن ضعف سند الحديث ـ بصيغته الأولى، أي أصحابي ـ في المصادر الشيعيّة، أنّ الحديث معتبر الإسناد بصيغتيه في الحديث السنّي، الأولى رواها أبو موسى الأشعري، والثانية رواها جابر بن عبد الله الأنصاري، وكلاهما ثقة عند أهل السنّة، نعم الأشعريّ فيه كلام كثير عند الشيعة، ومع تعدّد الصيغ لا يمكن الوثوق بإحداهما بعينها للاستدلال بها حتى لو كانت إحدى الصيغتين واردة في صحيح مسلم.
وأمّا على تقدير البقاء مع الصيغة المستدلّ بها هنا على عدالة الصحابة، فلا يصحّ ما ذكره المناقشون في دلالة الحديث؛ وذلك أنّنا قلنا بأنّ كلمة الأصحاب ظاهرة لغةً وعرفاً في الملازمة، مما يعني أنّ المراد من أصحاب النبيّ في الحديث بعضُ المسلمين الذين كانوا عند وفاة الرسول‘، وهذا يعني أنّه من الممكن أن يراد بأنّ أصحاب النبي سيواجهون بعد وفاته مشاكل مع بعض المسلمين، كما في بعض ما ظهر عقب وفاة الرسول، فليس من الضروري أن يكون ما يوعدون أمراً راجعاً إلى سوئهم في أنفسهم، نعم الرواية لا تدلّ على عدالة الصحابة جميعاً، فيكفي أن يكون جمعٌ وافر منهم من الصالحين لتتحقّق هذه الأمور.
ويعزّز ما قلناه أن صدر الحديث هو الكلام عن النجوم مع أهل الأرض، فالمقصود هنا جانب الهداية والدلالة في سياق ربط عمليّة التشبيه بالغرض من الحديث، وهذا معناه أنّه بذهاب النبي سوف يتيه الصحابة بقدرٍ، وبذهاب الصحابة سوف يتيه المسلمون بقدرٍ أيضاً، والتيه لا يناقض العدالة. نعم ذيل الحديث يدلّ على أنّه وكأنّ النفر الواحد من الصحابة له فضيلة، وهذه دلالة ليست قليلة.
الرواية الثانية عشرة: الخبر المرويّ عن الإمام علي× في مدح الأنصار أنّه قال: «هم والله ربوا الإسلام كما يُربي الفلو([133])، مع غنائهم، بأيديهم السباط وألسنتهم السلاط([134])»([135]).
وقد جاء هذا الحديث منسوباً إلى رسول الله‘ في مصادر أهل السنّة، لكن ضعّفه ابن الجوزي بالوليد بن محمد الموقدي([136]).
والحديث ظاهر في سلامة جماعة الأنصار وحُسن فعالهم، لكنّه مرسل لا سند له، وقد ورد فقط في نهج البلاغة، ولا يدلّ على عدالة جميع الصحابة مطلقاً، كما هو واضح.
الرواية الثالثة عشرة: خبر نصر بن مزاحم، في المراسلة التي وقعت بين عليّ ومعاوية، حيث جاء في كتاب عليّ إليه النصُّ الآتي: «.. وفي المهاجرين خيرٌ كثير نعرفه (يُعرف)، جزاهم الله بأحسن أعمالهم»([137]).
وهذا الخبر شاهد على أنّ في المهاجرين خيراً كثيراً، لكنّه لا يدلّ على اعتقاد الإمام عليّ بعدالتهم جميعاً ـ فإنّ الخير الكثير يصدق مع عدالة أكثرهم ـ فضلاً عن عدالة جميع الصحابة، وهذا واضح.
الرواية الرابعة عشرة: خبر منصور بن حازم (الصحيح على المشهور)، قال: قلت لأبي عبد الله×: ..فأخبرني عن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله صدقوا على محمّد صلّى الله عليه وآله أم كذبوا؟ قال: «بل صدقوا»، قال: قلت: فما بالهم اختلفوا؟ فقال: «أما تعلم أنّ الرجل كان يأتي رسول الله صلّى الله عليه وآله فيسأله عن المسألة فيجيبه فيها بالجواب، ثم يجيبه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب، فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً»([138]).
فإنّ لحن الحديث هو تصديق الصحابة فيما نقلوه عن النبيّ، وهو وإن لم يدلّ على العدالة لكنّ إفادته التصديق ليست هيّنة، ولو كانوا يكذبون أو كان الكذب فيهم معتدّاً به لكان من المناسب التبرير به أيضاً.
وقد حاول المجلسيُّ الأوّل تفسير الحديث بأنّه يعني احتمال النسخ، فالحديث يمكن أن يكون منسوخاً، لا أنّه منسوخ فعلاً دائماً، ولهذا كان سبب الاختلاف هو النسخ خاصّة، مستشهداً لذلك بحديث محمد بن عمارة عن الصادق أنّه قال: «ثلاثة كانوا يكذبون على رسول الله: أبو هريرة، وأنس بن مالك، وامرأة»([139]). وكأنّه أراد التوفيق بين الحديثين بذلك([140]).
إلا أنّ تفسيره فيه نظر؛ فإنّ ظاهر إحالة الإمام سبب الاختلاف إلى ظاهرة النسخ بعد إقراره بصدقهم، كاشفٌ عن أنّ الكذب فيهم منعدمٌ أو قليل جداً بحيث لا يستحقّ الذكر، فحمل الحديث على إمكان النسخ خاصّةً، فيه تجاهل لإقرار الإمام بصدقهم الظاهر في التوصيف الفعلي.
والحديث الذي يفيد تكذيب الثلاثة ضعيفُ السند، بعدم ثبوت وثاقة كلّ من محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، ومحمّد بن زكريّا، وجعفر بن محمّد بن عمارة، بل ومحمّد بن عمارة نفسه أيضاً على التحقيق، فكيف يُراد جعله قرينة أو شاهداً هنا؟!
كما حاول الشيخ آصف محسني تفسير هذا الحديث بأنّ المراد به مجموع الأصحاب من حيث المجموع في مجموع كلماتهم، بمعنى أنّه لم يكذب جميعهم في جميع رواياتهم، وأنّ الروايات المختلفة ليست كلّها مكذوبة([141]).
إلا أنّ في كلامه بعض الغرابة التي تبدو لي، فإنّ الإمام يصرّح بصدقهم، وكذب بعضهم ينافي مثل هذا الجواب، بل يصبح حصر التبرير بالنسخ مع تصديقهم بلا معنى هنا، فأنت لو كنت ترى كذب بعض الصحابة وكان عدد مرويّات الكذابين معتداً به، هل كنت ترى أنّ هذا الجواب صائبٌ؟! والحمل على المجموع بما هو مجموع لا معنى له؛ إذ لا يُعقل أنّ السائل يتصوّر كذب مجموع الصحابة في مجموع مرويّاتهم، نعم لو كان الكذب فيهم قليلاً بحيث يكون تأثيره في ظاهرة اختلاف الحديث بسيطاً، أمكن فهم تجاهل الإمام له وتركيزه على قضيّة الناسخ والمنسوخ.
هذه هي الروايات الأساسيّة الواردة في مصادر الشيعة الإماميّة حول فضل الصحابة وعدالتهم عامّة، بصرف النظر عن الروايات الخاصّة بهذا الصحابي أو ذاك أو هذه المجموعة الصغيرة أو تلك، ولهذا لم نُدرج هنا النصوص الشيعيّة الدالّة على حُسن حال الخليفة الأوّل أو الثاني؛ لأنّنا لسنا بصدد البحث الكلامي الخاصّ، وإنما هدفنا التعرّض لنظريّة عدالة جميع الصحابة بوصفها قانوناً عاماً في مجال النقد السندي وعلمَي الدراية والرجال، وإن كانت النصوص الجزئيّة ـ خاصّة تلك المتعلّقة برموز الخلفاء والصحابة وأمّهات المؤمنين ـ يمكنها أن تربك النصوص الجزئية المشابهة التي وردت في هؤلاء بالعكس، وكانت من أدلّة عدم عدالة الصحابة عند القائلين بذلك، إلا أنّ الإنصاف أنّ روايات مدح الخلفاء وأمثالهم قليلةٌ جداً عند الشيعة الإماميّة مقارنةً بالروايات الذامّة أو الطاعنة.
والذي لاحظناه أنّ أكثر ـ وربما كلّ ـ هذه الروايات لم يَرِد في مصادر حديثيّة شيعيّة من الدرجة الأولى، وأنّها بأجمعها ضعيفة السند، عدا رواية واحدة على المشهور وليس عندنا، لم نرَ فيها بشكل جازم (وإن كان هذا لائحاً منها للإنصاف، بل ظاهر) سوى ما قلناه في البحث القرآني من مدح جمهور الصحابة لا أفرادهم واحداً واحداً، وقد لاحظنا أنّ بعض المرويّات هو في الأصل مرويٌّ عند غير الإماميّة وطرقه غير شيعيّة، وقد نفذ إلى بعض كتب الحديث الشيعيّة بأسانيده، في سياق بعض التصنيف الحديثي المشترك بين السنّة والشيعة.
كما توجد رواية أخرى معتبرة السند على المشهور تفيد خصوص تصديق الصحابة في نقلهم عن النبيّ، وهذا يكفي فيه الأعمّ الأغلب من حيث الصحابة ومن حيث حديثهم.
من هذا، فالإنصاف أنّه لا توجد في مصادر الحديث والتاريخ والتفسير والفقه الإماميّة نصوص معتبرة أو حتى كثيرة دالّة على عدالة الصحابة جميعاً، فضلاً عن أن نجعل هذه النصوص في عرض النصوص الشيعيّة الكثيرة الدالّة على عدم عدالة بعضهم، فما حاوله بعض الناقدين المتأخّرين من الإيراد على الشيعة الإماميّة بوجود نصوص تدلّ على فضل الصحابة عامّةً في كتبهم، غيرُ صحيح بهذا المعنى.
نعم، خبر هشام بن سالم ـ التامّ السند ـ يصلح شاهداً على بطلان بعض التصوّرات الشيعيّة المفرطة في تفسيق أغلب الصحابة وتضليلهم أو تكفيرهم، ويمكن الجمع بينه وبين الكثير من الروايات الشيعيّة الجارحة؛ لأنّها في الغالب تجرح بعض الصحابة، فيقتصر على المقدار المتيقّن، والباقون يدلّ حديث هشام بن سالم على حُسن حالهم. ومثلُه خبر منصور بن حازم المعتبر سنداً على المشهور.
ونكتفي بهذا القدر في معالجة النصوص الشيعيّة الإماميّة في عدالة الصحابة، تاركين الإشارة لبعض النصوص الأخرى التي اشتهرت عند أهل السنّة مثل: (أصحابي كالنجوم) إلى البحث الحديثي عند أهل السنّة، وتاركين أيضاً النصوص الخاصّة، ومن أشهرها تلك التي تمتدح هذا الصحابي أو ذاك أو هذا الخليفة أو ذاك.
2 ـ 2 ـ الروايات السنّية في عدالة الصحابة
تعدّدت الروايات المعدّلة للصحابة أو التي استدلّ بها على عدالة جميع الصحابة، في مصادر أهل السنّة، حتى اُلّفت كتبٌ مستقلّة في فضل الصحابة، وكثير من كتب الحديث خصّصت فيها أبواباً لهذا المجال.
ونحن ذاكرون أهمّ هذه الروايات أو أكثرها رواجاً في هذا المجال، والتي تسلّط الضوء على هذه القاعدة التعديليّة العامّة، لا على تعديل هذا الصحابي أو ذاك خاصّة، أو هذه المجموعة أو تلك، وهي كالآتي([142]):
الرواية الأولى: النبويّ المشهور: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي بعد ذلك قوم تسبق شهاداتهم أيمانهم، وأيمانهم شهاداتهم». وقد ورد بصيغ متقاربة([143]).
وفي روايةٍ جاء فقط: «خير الناس قرني»، وفي أخرى جاء: «خير الناس أمّتي، ثم الذين يلونهم»([144]).
ولا يهمّنا البحث في سند هذا الحديث، حيث ادّعي تواتره([145])، فإنّ دلالته تغني؛ إذ ليس المراد منه أنّ كلّ واحد من المسلمين في القرن الذي عاش فيه النبي‘ ـ مهما فسّرنا معنى القرن ومدّته الزمنية ـ أفضل من جميع المسلمين إلى يوم القيامة، وإنما يتحدّث عن الزمان الذي عاش فيه، فعندما نقول نحن اليوم: إن هذا العصر هو عصر الإيمان، أو هو عصر الفسق والضلال، فلا يعني ذلك أنّ جميع أهل هذا العصر يتّصفون بهذه الصفات، وإنّما يعني أنّ الحالة الطاغية على هذا العصر هي الحالة الإيمانيّة أو غيرها، فهذه توصيفاتٌ للأزمنة والعصور، وليست أوصافاً للأفراد حتى يُستدلّ بها على عدالة جميع الصحابة. إنّ هذا بالضبط مثل الروايات الدالّة على تدهور الحال في آخر الزمان، فهل يستدلّ بها على عدم عدالة أهل آخر الزمان كلّهم؟!
أضف إلى ذلك، أنّ كلمة (القرن) مردّدة، فلو فهمناها بمعنى المائة عام أو أقلّ أو أكثر قليلاً، وحسبناها من زمن وفاة النبيّ أو هجرة النبي أو بعثة النبي فهذا معناه أنّ القرن سينتهي في عصر التابعين وسيدخل التابعون أيضاً، فكيف تمّ التمييز في التعديل بين الصحابة والتابعين؟! فإن قبل الخروج التخصيصي فليُقبل في مورد الصحابة أيضاً.
أضف إلى ذلك أيضاً، أنّ إطلاق كلام النبيّ معناه شمول الحديث ما لا يمكن تعقّل شموله، فإنّ الرواية جعلت العصر الرابع هو عصر الانحراف، وهذا معناه أنّنا لو فهمنا القرن بمعنى خمسين سنة فقط ستكون نهاية المرحلة المفضّلة في القرن الثاني الهجري، وستكون في القرن الثالث الهجري، بل الرابع، على تفاسير أخرى للقرن، فهل يريد المستدلّ هنا أن يُثبت خيريّة أهل القرون الهجريّة الثلاثة الأولى وعدالتهم وحُسن حالهم جميعاً؟! وكيف يمكن في ضوء هذا الحديث بهذا التفسير له، تفسير عشرات النصوص الأخرى الدالّة على فساد الحال عقب وفاة النبي أو عقب عصر الصحابة على الأقلّ؟!
من هنا، لا دلالة في هذا الحديث على مفهوم العدالة المطروح هنا إطلاقاً.
ومن المناسب هنا نقل ما قاله ابن عبد البر: «.. (إنّ) قوله صلى الله عليه وسلّم: خير الناس قرني ليس على عمومه؛ بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول، وقد جمع قرنه مع السابقين من المهاجرين والأنصار جماعةً من المنافقين المظهرين للإيمان وأهل الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود»([146]).
نعم، لا يقال بأنّ هذا الحديث شامل للكفّار في عصر النبيّ، كما قيل بالفعل([147])، فإنّ هذه مقيّدات لبيّة واضحة، ينصرف عنها النصّ.
الرواية الثانية: النبويّ الآخر المعروف، عن أبي سعيد الخدري: «لا تسبّوا أصحابي، فإنّ أحدكم لو أنفق مثل اُحُد ذهباً ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه»([148]). وقريب من مفهومه ما يُنقل عن عبد الله بن عمر أنّه كان يقول: «لا تسبّوا أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلّم، فلمقام أحدهم ساعة، خير من عمل أحدكم عمره»([149]). وفي خبر أنس بن مالك عن النبيّ أنّه قال: «إذا أراد الله عز وجل برجل من أمتي خيراً ألقى حُبّ أصحابي في قلبه»([150]).
وقد وقع هذا الحديث موقع الاهتمام من القائلين بنظريّة عدالة الصحابة([151])، ولا نبحث في سند هذا الحديث بعد تصحيح علماء الجرح والتعديل والحديث من أهل السنّة له واشتهاره بينهم، ولكن لنا وقفة دلاليّة مع هذا الحديث، وذلك أننا تارةً نفسّر الصحابي بأنّه كلّ من رأى النبي، وأخرى بالتفسير الأصولي، وهو الملازمة له:
أ ـ فإذا أخذنا بالتفسير الأوّل، فسنرى أنّ هذا الحديث متناقض لا يُعقل صدوره، إذ مع من كان رسول الله‘ يتكلّم بهذا الحديث؟ أليس مع من يراه؟ إذاً فهؤلاء من الأصحاب، فكيف يقول لهم بأنّكم مهما فعلتم لن تبلغوا مكانة أصحابي أبداً، والمفروض أنّ المخاطبين أصحابُه، فكيف يعقل تصوّر ذلك؟!
ب ـ وإذا أخذنا التفسير الأصولي، فمن الممكن أنه‘ يخاطب أشخاصاً ليسوا ملازمين له، كبعض المسلمين من أهل البادية أو المناطق البعيدة الذين جاؤوا إلى المدينة لزيارة النبي، وهنا يُعقل مخاطبتهم، إلا أنّ الخطاب هنا غير موجّه للأمّة الإسلاميّة عبر القرون، بل لهؤلاء بحسب صيغته الظاهرة؛ وهنا من المحتمل أنّ المخاطبين مجموعةٌ لا ترقى إلى مستوى المهاجرين والأنصار، والنبيّ يعرف حالهم، وإلا فلماذا لا يكونون مثل الصحابة؟ إذ ما المانع أن يستقرّوا في المدينة ويلازموا النبي فيصدق عليهم عنوان الصحبة فيكونون من الصحابة؟! فعلى ماذا يجعل النبي أمر بلوغهم منزلة الصحابة بعيداً جداً؟!
الظاهر أنّه إما هناك خصوصيّة في المخاطبين، أو أنّ المراد بالصحابة مجموعة خاصّة من أصحابه لا مطلقاً، وإلا فالحديث مثار تساؤل عندي.
بل هذا الحديث جاء في بعض المصادر ـ على ما قيل([152]) ـ يخاطِب فيه النبيُّ خالد بن الوليد لمّا تخاصم مع عبد الرحمن بن عوف، مع أنّ ابن الوليد معدودٌ من الصحابة حتى بالمعنى الأصوليّ؛ لأنّه صحب النبي مدّةً من الزمن.
وبهذا نتوقّف في هذا الحديث؛ علماً أنّني لم أفهم لماذا خصّ أصحابه‘ بالنهي عن سبّهم؟ وهل كانت هذه القضيّة مطروحة آنذاك أو أنّ هذا الأمر يشي بأنّ هذا الحديث قد وُضع في القرون اللاحقة على خلفيّة تنازع المسلمين حول الصحابة ونزاهتهم والسلوك الأخلاقي تجاههم؟
ربما يكون ذلك لأنّ هناك جماعة كانت تسبّ أصحاب النبي، فورد النهي عن سبّ الأصحاب، وهذا الاحتمال ضئيل جداً على المستوى التاريخي، فلم نسمع بظاهرة سبّ الصحابة في العصر النبوي، إلا من قبل الكافرين، وهو سبّ خارج إطار الصحابة، بل يشمل المسلمين والرسول أيضاً، وظاهر الحديث أنّ النبي ينهى المسلمين عن ذلك.
وربما يكون ذلك لحصول تخاصم أو حالة فرديّة ما، فوقع فيها سبّ، وهنا لا أدري لماذا لم ينهَ النبيُّ عن السبّ مطلقاً بعد كونه حراماً في حقّ كلّ مسلم؛ لأنه من الاعتداء على المسلم؟ ولماذا التفت النبيّ لخصوصيّة الصحبة ولم يبيّن الحكم الشرعيّ العام مع عدم وجود خصوصيّة في الحالة الفرديّة هذه لصحبةِ هذا الصحابي الذي وقع سبّه؟
من هنا قد يطرح احتمال في أنّ هذا الحديث من موضوعات الفترة اللاحقة التي ظهر فيها سبّ الصحابة.
الرواية الثالثة: النبويّ المعروف أيضاً: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم»([153]). وقد جاء بصيغة أخرى في مصادر الشيعة والسنّة([154]).
وهو بالصيغة الشيعيّة: «.. إنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم، فبأيّها أخذ اهتدى، وبأيّ أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة»([155]).
وفي رواية عن الإمام الرضا جاء أنّه صحّح هذا الحديث، لكنّه حصره بأولئك الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا بعد النبي([156]).
أمّا الصيغة السنّية، فهي: «مثل أصحابي مثل النجوم يهتدي به، فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم»([157]).
وورد بصيغة: «مثل أصحابي مثل النجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى»([158]).
وبصيغة: «مثل أصحابي في أُمتي مثل النجوم، بأيّهم اقتديتم اهتديتم»([159]).
وبصيغة: «أصحابي بمنزلة النجوم في السماء بأيّهم اقتديتم اهتديتم»([160]).
وبصيغة: «أصحابي كالنجوم، من اقتدى بشيء منها اهتدى»([161]).
وبصيغة: «أصحابي كالنجوم، فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم»([162]).
وقد أخذ هذا الحديث أهميةً متميّزة، حتى أنّه قد استدلّ به في الفقه في بعض الأحيان، بل اعتُبر من أدلّة حجيّة سنّة الصحابي وليس عدالته فقط([163]).
لكن يمكن مناقشة الاستدلال بهذا الحديث سنداً ومتناً؛ وذلك:
أوّلاً: أما النقد السندي، فقد ضعّف هذا الخبرَ عددٌ لا بأس به من علماء السنّة، فضلاً عن الشيعة بغير صيغته الشيعيّة المتقدّمة، وقد أفاض صاحب عبقات الأنوار([164]) في استعراض مواقف المضعّفين كابن حنبل، والمزني، والبزار، وابن القطان، والدارقطني، وابن حزم، والبيهقي، وابن عبد البرّ، وابن عساكر، وابن الجوزي، وابن دحية، وأبي حيان الأندلسي، والذهبي، وابن مكتوم، وابن قيم الجوزية، وزين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، وكثيرون آخرون.
وأفرد الميلاني رسالةً خاصّة ذكر فيها عين هذا الكلام، وسمّاها «رسالة في حديث أصحابي كالنجوم».
وقد تحدّثت المصادر السنّية عن ضعف هذا الحديث، بأمثال حمزة النصيبي (الجزري)، وحميد بن زيد، وعبد الرحيم بن زيد العمي، وجعفر بن عبد الواحد الهاشمي، والحرث (الحارث) بن غصين، وسلام المدائني([165]). وقيل بأنّ سنده مرفوع([166]).
وحديثٌ ضعيف السند إلى هذا الحدّ لا يصحّ جعله دليلاً بمستوى تأسيس نظريّات كبرى، مثل عدالة الصحابة وحجيّة سنّة الصحابي، وما شابه ذلك([167]).
ثانياً: وأما النقد المتني، فتوجد عدّة ملاحظات هنا، أبرزها:
الملاحظة الأولى: إنّ هذا الحديث يصحّح للملحدين أن يعيبوا على النبيّ؛ وذلك أنّ معنى إمكان الاقتداء بأيّ واحدٍ منهم جواز قتلهم جميعاً؛ لأنّهم قتلوا بعضهم بعضاً، فجاز قتل كلّ واحد اقتداءً بصاحبه([168]).
الملاحظة الثانية: ما ذكره أبو حيان الأندلسي وغيره، من أنّ هذا الحديث يستبطن إباحة الاختلاف بعد النبيّ‘؛ إذ يعني أنّ كلّ هذه الاختلافات كانت هداية، وهذا أمرٌ غير معقول، فالنبيّ لا يبيح هذا الاختلاف قطعاً([169])، علماً أنّه يلزم صيرورة الباغي مهتدياً([170]).
الملاحظة الثالثة: ما ذكره السيّد محمد بن عقيل العلوي، من أنه لابدّ من حصر هذا الحديث بخصوص العلماء الراوين المتحمّلين عن رسول الله من الصحابة، لا مطلق اتّباعهم في اجتهاداتهم وأخطائهم، إذ لا يجوز أن يتعبّدنا النبيّ بالاقتداء بالمخطئ ويقول عنه بأنّه هداية، وكذلك أن يتعبّدنا بالاقتداء بالجاهلين([171]).
الملاحظة الرابعة: ما ذكره غيرُ واحدٍ، من أنّ لازم هذا الحديث أن يعبّدنا الشارع بالمتناقضين؛ لوضوح تناقض سيرة الخلفاء والصحابة في نفسها، فهل يكون الحكم الواقعي هو مجموع هذه السنن المتناقضة، كتناقض سنّة علي مع سنّة الشيخين؟! ولذا رفض التقيّد بهما في حادثة الشورى المعروفة بعد وفاة الخليفة الثاني([172])، ولو كان بأيّ واحدٍ منهم هدى، لكان ضلالة؛ لأنّهم خطّؤوا بعضهم بعضاَ، فيكون الاقتداء بمعاوية هدى وضلالة معاً([173]).
لكنّ الإصفهاني أجاب عن هذه الملاحظة، بأنّ الاهتداء معناه الأخذ بالوظائف الشرعيّة، سواء كانت ظاهريّةً أم واقعية، فالظاهريّة هداية أيضاً ولو لم تطابق الواقع، بل كانت ضلالاً وخطأ واقعاً([174]).
وجواب المحقّق الإصفهاني لا بأس به؛ فنحن اليوم نقول بأنّ تقليد أيّ فقيه ومرجع ـ بناءً على عدم القول بوجوب تقليد الأعلم ـ صحيحٌ ومبرء للذمّة، ونحن متعبَّدون بتقليدِ واحدٍ منهم مع اختلافهم في الأحكام الشرعيّة، فكما لم يكن هذا الأمر تعبّداً بالمتناقضين، كذلك الحال في الأخذ بأيّ واحدٍ من الصحابة، فالحديث لا يشرعن التعبّد بالمتناقضين، نعم، التوصيف الذي فيه «هداية» يقف حائلاً أمام كلام الإصفهاني الغروي؛ لظهوره في الإيصال أو الإرشاد إلى الواقع الحقّ، لا في الحكم الظاهري، إلا أن يراد الهداية السلوكيّة العمليّة فقط.
الملاحظة الخامسة: مَن يُخاطب النبيُّ بهذا الحديث؟ فإن خاطب أصحابه ـ كما هو واضح ـ لم يكن له معنى للإنسان الفصيح، وإن خاطب غيرهم فهو خلاف الظاهر؛ لتبادر الخطاب الشفاهي([175]).
ولعلّه لهذا الإشكال رجّح الآلوسي أن يراد خواصّ الصحابة كي يصحّ الخطاب، لا مطلق الصحابة، مع تجويزه الكلّ ويكون الخطاب لنا([176])، لكن ترجيحه يؤدّي إلى إبطال الاستدلال بالحديث هنا.
لكنّ أساس هذه الملاحظة يمكن التخلّص منه بالأخذ بالمعنى الأصولي لكلمة «أصحابي»، والذي هو المعنى العرفي، ويكون المخاطَب هو قومٌ من المسلمين لم يكونوا ملازمين للنبيّ‘.
الملاحظة السادسة: ما ذكره ابن حزم، من أنّ النبيَّ لا يقول الباطل، وهذا التشبيه الوارد في الحديث غير صحيح؛ وذلك أنّ النجوم لا يُهتدى بها كلّها، فكيف يشبّه النبيُّ أصحابَه بالنجوم في أنه بأيّ واحدٍ كان الاقتداء تكون الهداية؟! مع أنّ بعض النجوم لا تهدي إلى شيء، بل قد يكون اتّباع بعضها ضلالاً([177]). بل لو كان هذا صحيحاً لقال تعالى: وبالنجوم هم يهتدون، ولم يُفرد الكلمة، فالتشبيه غير صحيح([178]).
إلا أنّني أعتقد بأنّ هذه الملاحظة قد تكون متكلّفة بعض الشيء؛ إذ المراد من التعبير أنّه حيث إنّ النجوم ـ كعنوان عام مهمل، لا كلّ نجمٍ نجم ـ تعتبر هداية للمسافرين، كذلك جعل الصحابة هداةً للناس، فهذا كقولك ـ من باب التشبيه؛ لتقريب الفكرة، لا غير ـ: إنّ سيّاراتي الأربع جيّدة كسائر السيارات في المدينة، أيّها استخدمت أوصلك لمقصودك، رغم أنّ بعض السيارات قد يكون خرباً.
الملاحظة السابعة: ما ذكره الشريف المرتضى، من أنّ هذا الحديث لازمه القول بعصمة كلّ الصحابة، وهذا باطلٌ بالاتفاق([179]).
ولعلّه لبعض الإشكالات المتنية السابقة، حاول بعض علماء أهل السنّة تقديم تفسير للحديث يُخرجه عن هذه الإشكاليّات، من هنا ذكر بعضهم أنّه ليس المراد منه الفتوى، وإنّما النقل والتحديث، فكلّ ما حدّث به الصحابة فهو صحيح وهدى؛ وهذا ما يكشف عن وثاقتهم وعدالتهم([180]).
ولكنّ هذا التأويل خلاف ظاهر الحديث؛ لأنه جعل العبرة بالاقتداء لا بالأخذ والسماع والتصديق، والاقتداء ظاهرٌ في الاتّباع، والفقيهُ اليوم لا يقول العرف: هو يقتدي بالرواة العدول، بل يقال: إنّه يأخذ منهم الحديث.
كما ذكر الغزالي أنّ المراد بهذا الحديث وأمثاله هو السيرة الجارية بين الصحابة، لا كلّ صحابيٍّ على حدة([181])، وإلا فما العمل في حال اختلافهما؟([182])، وكأنّه يريد جعل هذا الحديث داعماً لنظريّة السيرة المتشرّعية؛ وربما من هنا وجدنا حضور هذا الحديث في مباحث حجيّة إجماع الصحابة في أصول الفقه السنّي.
وبهذا يظهر أنّ هذا الحديث لا يصحّ سنداً ولا متناً.
وأمّا الرواية الشيعيّة عن الإمام الرضا والتي صحّحته، غاية الأمر أنها فسّرته بمعنى أضيق من معناه اللغوي والعرفي، فهي ضعيفة السند أيضاً بإهمال محمد بن يحيى الصولي([183])، علماً أنّ متنه أيضاً غيرُ واضح؛ لأنه يفسّر الحديث النبوي بخصوص الصالحين من الصحابة حتى مماتهم، وهذا المعنى أخصّ من المعنى العرفي واللغوي، فكيف يُطلق النبي’ هذا الكلام بلا توضيح بحيث سيُفهم منه معنى لا يريده النبيّ، بل هناك محذورٌ في إرادته. إنّنا نعتقد أنّه لا يصحّ للنبيّ أن يطلق كلاماً دون بيانٍ في مثل هذه الحال، لذلك نرجّح أنّ هذا الحديث غير صادر بهذه الطريقة، وبهذا ـ مع ضعفه السندي والمتني ـ لا يمكن الاستدلال به على موضوع بحثنا هنا.
الرواية الرابعة: خبر عبد الله بن مغفل المزني، قال: قال رسول الله‘: «الله الله في أصحابي، (الله الله في أصحابي)، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تبارك وتعالى، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه»([184]).
وقد استُدلّ بهذا الحديث على عدالة الصحابة في بعض الكلمات([185])، وقد وصفه الترمذي بأنّه حسن غريب([186]).
وهذا الحديث يدلّ على حبّ الصحابة وعدم بغضهم وعدم أذيتهم وتجنّب الإيقاع بهم والحديث بالسوء عنهم، وهذا يدلّ على مكانتهم الرفيعة.
وقد يورد على هذا لحديث:
أوّلاً: بما اُورد على ما سبقه، في أنّه لا يُعقل صدور هذا الحديث من النبي‘؛ لأنّه يخاطب فيه أصحابه، لاسيّما وأنّه يقول: «لا تتخذوهم غرضاً بعدي».
لكنّ هذا الإيراد غير واضح هنا على تقدير الأخذ بالتعريف الأصولي للصحبة كما بيّنا سابقاً.
ثانياً: إنّ الصحابة أبغض بعضهم بعضاً، فمعاوية أبغض عليّاً وهكذا، وهذا معناه أنّه لابد أن يكون محلّ البغض الإلهي، فكيف تكون محبّة هذا الصحابي مثلاً حبّاً لله ولرسوله مع أنّه آذى الله وهكذا.. إلا أن يقال: إنّهم ما أبغضوا بعضهم، وإنما قاتلوا بعضهم حبّاً لبعضهم ولأجل الإسلام!
ثالثاً: إنّه يشمل المنافقين والفاسقين وغيرهم، فلا يصحّ الأخذ به، بل هو يشبه الموضوعات([187]).
لكنّ هذه الإشكالية تارةً ترجع لدخول المنافقين، وسوف يأتي الحديث عن هذا الموضوع، وأخرى لدخول الفاسقين، وهذا نحوٌ من افتراض وجود الفاسقين في الصحابة بوصفه أمراً مسلّماً يصلح للاحتجاج به، والمفروض أنّه محلّ البحث والتنازع مع القائلين بعدالة جميع الصحابة، فكيف نورد عليهم أنّ الحديث يشمل الفاسقين من الصحابة؟! فالمناقشة غير وجيهة منهجيّاً.
هذا، ولعلّ الخبر ضعيف بجهالة عبد الله بن عبد الرحمن الواقع في سنده([188]).
الرواية الخامسة: خبر ابن عباس، قال: جاء أعرابي إلى النبي‘، فقال: أبصرت الهلالَ الليلة، فقال: «تشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله؟» قال: نعم، قال: «قم يا بلال، فأذن في الناس أن يصوموا غداً»([189]).
فقد استدلّ بهذا الحديث على عدالة كلّ صحابي أسلم، والأعرابي عادةً لا يلازم النبيّ، فيدلّ على عدالة كلّ صحابي حتى المجهول غير المعروف([190]).
وبصرف النظر عن سند هذا الحديث الذي اعتبر ضعيفاً في بعض الكلمات([191])، كما وبصرف النظر عن معارضته للمعروف فقهيّاً من لزوم شهادة اثنين في إثبات الهلال، لو قلنا بأنّ النبي لم تكن عنده شهادة من شخص آخر من قبل.. لا يدلّ على شيء، إذ غايته كفاية الإسلام في الشاهد، فيكون معارضاً لما دلّ على اشتراط العدالة في الشاهد على رؤية الهلال، وأما القول بأنه دليل على عدالة كلّ صحابي، فهذا يستبطن افتراض مقدّمات مطويّة، إذ لم يصرّح بذلك في النصّ إطلاقاً، وكما هو أمر محتمل، كذلك ما ذكرناه يكون محتملاً أيضاً، فلا موجب لترجيح تأويلٍ على آخر، بل يحتمل أنّ النبيّ بعد أن علم بإسلامه رأى عليه علامات الصلاح وحُسن الخلق، فأجرى قاعدة أصالة العدالة أو كاشفيّة حسن الظاهر عن العدالة.
وإذا قيل بأنّه يبعد الاكتفاء بخبر غير العادل أمكن القول للخصم ببُعد الالتزام بعدالة كلّ الصحابة حتى للأعراب الذين وصفهم القرآن بأنّهم أسلموا ولم يؤمنوا، فكيف لم يتثبّت النبي ـ على الأقلّ ـ من أمر هذا الأعرابي؟!
والخلاصة: إنّ غاية ما في الأمر هو فعل نبوي غير واضح في الكشف عن منطلقاته، فلا يُستند اليه هنا في أمرٍ من هذا النوع.
الرواية السادسة: خبر أنس بن مالك، قال: قال رسول الله‘: «إنّ الله اختارني واختار أصحابي، فجعلهم أصهاري، وجعلهم أنصاري، وأنّه سيجيء في آخر الزمان قومٌ ينتقصونهم، ألا فلا تناكحوهم، ألا فلا تنكحوا إليهم، ألا فلا تصلّوا معهم، ألا فلا تصلّوا عليهم، عليهم حلّت اللعنة»([192])؛ وقريب منها رواية أخرى([193]).
فهذا الحديث يضع الصحابة في موضع الاختيار الإلهي، وهذه منزلة عظيمة، ويمنع انتقاصهم الأمر الذي يكشف عن عدالتهم.
لكن الخبر غير واضح، فإنّ الصحابة انتقص بعضهم من بعض، وهذا لازمه تركهم والقطيعة معهم، بموجب التوجيه الديني الموجود في هذا الحديث، فكيف ينسجم ذلك مع غاية الحديث وهدفه؟ واختصاصُ ذلك بقوم في آخر الزمان غيرُ واضح أبداً.
وفي السند بشر الحنفي، ولم أعرفه، والظاهر أنّه بشر الذي ترجمه المزي، وقال بأنّه غير منسوب، ولم يذكر فيه شيئاً عند العلماء([194]).
الرواية السابعة: خبر جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله‘: «إنّ الله اختار أصحابي على العالمين (على الثقلين) سوى النبيّين والمرسلين، واختار لي من أصحابي أربعةً: أبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً رحمهم الله، فجعلهم (خير) أصحابي، (وقال:) وفي أصحابي كلّهم خير، واختار أمّتي على الأمم، واختار من أمّتي أربعة قرون: القرن الأوّل والثاني والثالث والرابع»([195]).
فإنّ الخبر يدلّ على كون أصحاب النبيّ أفضل من جميع البشر، عدا النبيّين والمرسلين، وهذا دليل قويّ على التعديل.
وقد يُناقش في سند هذا الحديث، فقد قال الهيثمي: «رواه البزاز، ورجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف»([196]). كما ورد الطعن في عبد الله بن صالح وعدّ من المجروحين، وأنّه منكر الحديث جداً([197]). ونقل عن النسائي أنّ هذا الحديث موضوع([198]).
أمّا على مستوى المتن، فإنّ الحديث يقدّم أمّة الرسول على سائر الأمم، ثم يقدّم القرون الأربعة على سائر القرون، ولم يقل أحد بأنّ هذا التقديم يوجب تعديل الأمّة كلّها أو تعديل أبناء القرون الأربعة كلّهم، وهذا يعني أنّ تقديم أصحابه يراد به هذا النوع من التوصيف، نعم التعبير بالكليّة التي تنسب الخير لأصحابه يوحي بالشموليّة رغم احتماله ما قلنا أيضاً. كما أنّ هذا الترتيب الذي ذكر للخلفاء الأربعة يشي بأنّ الموضوع قد يوجب الريب، فكأنّه رتّبهم على ما وقعت عليه الأمور فيما بعد. بل ترحّمه على الخلفاء الأربعة وهم أحياء يوجب الريب، إلا إذا قيل بأنّ هذا التعبير من الراوي، وقد اُدرج إدراجاً في متن الحديث، وليس ببعيد.
الرواية الثامنة: خبر أنس بن مالك، عن النبيّ أنّه قال: «إنّ مَثَل أصحابي في أمّتي كالملح في الطعام، لا يصلح الطعامُ إلا بالملح»([199]).
وهذا الخبر يدلّ على عدم صلاح الأمّة إلا بالصحابة، فكيف يُعقل أن يكونوا غير عدول، ثم يوصفون بمثل هذا الوصف؟!
وقد نوقش في سند هذا الحديث، من حيث إنّ فيه إسماعيل بن مسلم (البصري)، وهو ضعيف جداً([200]). بل هذا الحديث واضح في أنّه يريد أن يتكلّم عن أصحابه لا عن كلّ واحدٍ واحد. كما لا أدري ـ إذا أردتُ ممارسة نقدٍ متنيّ على هذا الحديث ـ هل هو متناسب مع الواقع الخارجي للأمّة المفترض وجود الملح فيها في القرن الأوّل الموجب لصلاحها؟ وهل حقّاً فسدت الأمّة بعد ذهاب الصحابة أواخر القرن الأوّل أو أنّ الفساد ضربها قبل ذلك بكثير خاصّة عندما قتلت ابن بنت النبيّ في مجرزة رهيبة في كربلاء، وقصفت الكعبة بالمنجنيق، وفعلت ما فعلت في واقعة الحرّة؟! وهل حقّاً يريد هذا الحديث أن يقول بأنّنا اليوم لا يمكن أن يصلح حالنا أبداً؛ لأنّ الصحابة غير موجودين فينا؟! أو أنّ الأفضل أن نقول بأنّ هذا التعبير كنائيٌّ عن أنّ الجيل الأوّل من المسلمين كان في إجماله العام يمثل الجيل الذي نقل الإسلام ورعاه وعمل على نشره وحمايته وديمومته، لكن بوصفه جيلاً لا بوصفه أفراداً.
إلا إذا قيل بأنّ غاية ما يفيده الحديث هو أنّه لو كان الطعام صالحاً في نفسه لتمّ صلاحه النهائي بالملح، لا أنّ الملح هو المصلح الوحيد للطعام، بحيث لو وجد كشف عن صلاحه بالضرورة.
الرواية التاسعة: خبر جابر الأنصاري أنّه قال: كنّا يوم الحديبيّة ألفاً وأربعمائة، وقال لنا النبيّ‘: «أنتم اليوم خيرُ أهل الأرض»([201]).
والخبر معتبر الإسناد عند أهل السنّة.
وقد نوقش بأنّ المنافقين كانوا فيهم، ولم يكن المنافقون خير أهل الأرض قطعاً. إلا إذا كان المراد أنّهم كذلك في ذلك اليوم بالنسبة للمعلنين بالشرك، والمظهرين العناد([202]).
إلا أنّ هذه المناقشة غير دقيقة؛ فإنّ خروج المنافقين لبّيٌ واضح، بل وبقرينة التوصيف بالخيريّة، نعم لو أشكل بأنّه لا يتميّز المنافق عن غيره ممّن قُصد بالمدح، لكان أمراً آخر سيأتي بحثه، لكنّ هذا المقيّد اللبّي ينبغي أخذه بعين الاعتبار، وهو واضحٌ في تقديري.
علماً أنّ جعل المنافقين خير أهل الأرض بلحاظ أفضليّتهم على المعاندين المظهرين، خلاف ظهور الرواية جداً، لو فسّرنا المنافق بالكافر المظهر للإسلام، بل كيف يكونون كذلك حتى بهذا اللحاظ وهم في الدرك الأسفل من النار، كما شهد به القرآن الكريم؟!
من هنا، فالأصحّ في مناقشة هذه الرواية أن يقال بأنّها تدلّ على مدحٍ عظيم لمن بايع مسلماً مؤمناً تحت الشجرة، ولكنّها لا تدلّ على تعديل الصحابة عموماً، بل لا تدلّ حتى على تعديل المبايعين مطلقاً في الزمان والمكان، وذلك أنّ الرواية فيها قيد (اليوم)، وهو دالّ على أنّكم اليوم خير أهل الأرض، ولا يدلّ على كونهم سيكونون كذلك لاحقاً، فلا دلالة تعميميّة في الحديث المذكور، بل هو منسجم تماماً مع طبيعة الفهم الذي خرجنا به لآية البيعة تحت الشجرة، فلا يدلّ على سلب العدالة عنهم بعد الحديبيّة، ولا على إثباتها، إلا بالاستصحاب كما علّقنا على مثل ذلك من قَبل، فانتبه.
الرواية العاشرة والحادية عشرة: خبر أبي سعيد الخدري، عن النبي‘ أنّه قال: «يأتي على الناس زمان يغزو فئام([203]) من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله‘ فيقولون: نعم، فيفتح لهم..»([204]).
وكذلك خبر موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري، قال: سمعت طلحة بن خراش، يقول: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبيَّ صلى الله عليه وسلّم يقول: «لا تمسّ النار مسلماً رآني أو رأى من رآني»، قال طلحة: فقد رأيت جابر بن عبد الله، وقال موسى: وقد رأيت طلحة، قال يحيى: وقال لي موسى: وقد رأيتني، ونحن نرجو الله([205]).
ومثلهما خبر عبد الرحمن بن عقبة، عن أبيه عقبة، وكان أصابه سهمٌ مع النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: سمعت النبيّ يقول: «لا يدخل النار مسلمٌ رآني، ولا رأى من رآني، ولا رأى من رأى من رآني، ثلاثاً»([206]).
وهي دالّة على كفاية الرؤية في تحقّق دخول الجنّة، وهذا يعني تعديل كلّ من رأى النبيّ.
ولكنّ رواية الخدري وردت بصيغة «من صحب رسول الله»، بدل «من رأى»، في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما([207])، وهي معتبرة من حيث الإسناد، فتدلّ على تعديل الصحابي بالمفهوم الأصولي، لأنّه القدر المتيقّن من الحديث، إلا إذا قيل بأنّ دخول الجنّة ربما يكون للشفاعة، لا لكونهم عدولاً في الدنيا، فلا تلازم بين دخول الجنّة والعدالة في الدنيا.
هذا، وقد أدرج الألباني خبر طلحة بن خراش في ضعيف سنن الترمذي([208])، وصرّح الهيثمي بأنّ خبر عقبة فيه من لا يعرفهم([209]). بل الخبران الأخيران لو تمّت دلالتهما لدلّا على تعديل جميع الصحابة والتابعين، بل أغلب مسلمي القرن الأوّل والثاني!
هذه كانت أكثر الروايات تداولاً ـ قديماً وحديثاً ـ في كتب الرجال والجرح والتعديل والحديث والدراية والجدل المذهبي عند أهل السنّة لتعديل الصحابة، وقد تبيّن أنها بين ضعف السند وضعف المتن، وقصور الدلالة، وغايته استخراج نصّ آحادي واحد منها.
وأمّا النصوص التي تدلّ على تعديل أهل بدر خاصّة أو أحد أو العشرة المبشرين بالجنّة أو الخلفاء الأربعة، أو نحو ذلك، فلا علاقة لها بعموميّة قاعدة عدالة الصحابة، بل ينبغي أن تُبحث بوصفها قواعد تعديليّة لوحدها، حتى لا نخلط الأمور ببعضها.
ملاحظتان جوهريّتان في رصد القوّة الاحتماليّة لأخبار مدح الصحابة
وينبغي لنا هنا الإشارة إلى نقطتين عامّتين في رصد القوّة الاحتماليّة لمجموع هذه الأخبار:
النقطة الأولى: إنّه قبل إثبات عدالة الصحابة أجمعين وجلالتهم، لابد من النظر بعين الريبة إلى روايات تعديل الصحابة التي يرجع سندها بالضرورة إلى الصحابة أنفسهم، ممّن روى هذه الروايات عن رسول الله‘، وذلك لأنّ هذه المرويّات تقع لمصلحة الصحابة أنفسهم في بعض الأحيان؛ لأنّها تحقّق لهم نفوذاً وهيبةً وعصمةً ونزاهةً وتعالياً عن النقد والمساءلة، فهي روايات لهم لا عليهم، وكلّ رواية يعود نفعها إلى راويها تنخفض فيها درجة الوثوق ويتضاعف فيها احتمال الوضع.
وقد قلنا هذا الأمر في بحثٍ آخر عندما تعرّضنا لروايات ذمّ المرأة في خلقها ودينها، إذ لاحظنا أنّ هذه المرويّات كلّها رواها رجال، ومن المحتمل أن تكون هناك مصلحة مشتركة للرجال في الترويج لهذه الروايات المنقصة من حقّ المرأة وشأنها.
طبعاً، هذا لا يعني أنّ هذه الروايات غير صحيحة في حقّ الصحابة، ولا أنّها موضوعة، وإنّما يعني أنّ التراكم الكمّي لن يستطيع بسرعة تحصيل الوثوق بالصدور لأجل هذه النقطة.
النقطة الثانية: إنّ العصر العباسي ـ بل ومنذ زمن عليّ بن أبي طالب ـ شهد نزاعاً كلاميّاً وفرقياً عظيماً بين المسلمين حول الرعيل الأوّل وما حدث بعد وفاة الرسول، إلى شهادة الحسين بن علي×، ومن الطبيعي في ظلّ الانقسام بين مؤيّد للسلطة بعد وفاة النبيّ، ومعارضٍ لها، أن تظهر أحاديث الطعن في الصحابة أو التزكية لهم والتعديل، فهذا المحفّز المذهبي الفرقي الكلامي يعدّ عاملاً آخر من عوامل الإبطاء في تحصيل الوثوق بروايات مطاعن الصحابة ومناقبهم وتعديلهم جميعاً.
والنتيجة: إنّ المستند الحديثي ـ عند الشيعة والسنّة ـ غير مقنع، ولم تسلم سنداً ومتناً ودلالةً سوى رواية أو روايتين أو ثلاث لا أكثر، وما يستفاد ليس تعديل جميع الصحابة بالمفهوم الحديثي قطعاً.
3 ـ مستند الإجماع في نظريّة عدالة الصحابة
يظهر من بعض أنصار نظريّة عدالة الصحابة الاستناد للإجماع في إثبات صحّة هذه النظريّة([210])، فقد ذكر الخطيب البغدادي أنّ القول بعدالة جميع الصحابة هو «مذهب كافة العلماء، ومن يعتدّ بقوله من الفقهاء»([211])، ويقول ابن عبد البرّ: «قد كُفينا البحث عن أحوالهم؛ لإجماع أهل الحقّ من المسلمين، وهم أهل السنّة والجماعة، على أنّهم كلّهم عدول، فواجبٌ الوقوف على أسمائهم والبحث عن سيرهم وأحوالهم ليهتدي بهديهم..»([212]).
وقال ابن الصلاح: «ثم إنّ الأمّة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم فكذلك، بإجماع العلماء الذين يعتدّ بهم في الإجماع، إحساناً للظنّ بهم، ونظراً إلى ما تمهّد لهم من المآثر، وكان الله سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك؛ لكونهم نَقَلَة الشريعة»([213]).
وقد نقل ابن حجر عن النووي الشافعي إجماعَ من يعتدّ به على أنّ الصحابة كلّهم عدول([214])، والكلمات في تعديل الصحابة كثيرة.
إلا أننا نلاحظ على هذا الإجماع المدّعى:
أوّلاً: لم يتمّ التحقّق من إجماع الأمّة الإسلاميّة على هذا الأمر، فالشيعة لا يقولون بعدالتهم جميعاً، وكذا جمعٌ من المعتزلة والإباضيّة في التفصيل الذي ذكروه بين من لابس الفتن وغيره ونحو ذلك، هذا فضلاً عن المناقشين في هذه النظريّة من المتأخّرين والمعاصرين. ومعه فكيف يُدّعى إجماع الأمّة على هذا الأمر، وهو نقطة خلاف جوهريّ؟!
وكذلك الحال في دعوى الإجماع على عدم عدالتهم، فإنّها دعوى غير صحيحة، بعد ذهاب أكثر علماء أهل السنّة إلى تعديلهم.
ولأجل وضوح عدم انعقاد إجماعٍ إسلامي، نجد كلمات مدّعي الإجماع تصيغه بطريقة معهودة، وهي تنزيل المخالفين منزلة العدم أو إدراجهم خارج نطاق الحقّ ليدخلوا في الابتداع والكفر والزندقة، فالنووي ـ كما نُقل عنه ـ أتى بعبارة «من يعتدّ به»، وكأنّ سائر علماء المسلمين من أهل السنّة والمعتزلة والشيعة لا قيمة لأقوالهم، وكذلك رأينا مع الخطيب البغدادي وابن الصلاح، كما رأينا ابن عبد البرّ يجعل مساحة الإجماع هي «أهل الحقّ من المسلمين»، ثم يحصرهم في أهل السنّة والجماعة، كما نجد البغدادي يقول ـ بعد ادّعائه الإجماع ـ: «وذهبت طائفة من أهل البدع إلى أنّ حال الصحابة كانت مرضيّة إلى وقت الحروب..»([215])، فليلاحَظ كيف جعل المخالفين من المعتزلة من أهل البدع ليسقط قيمة مخالفتهم.
وفي هذا السياق، يُتناقل كلامٌ عن أبي زرعة الرازي، يقول فيه: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله‘ فأعلم أنّه زنديق..»([216])، وأيضاً قال أبو بكر السرخسي: «.. فمن طَعَن فيهم فهو ملحد، منابذ للإسلام، دواؤه السيف إن لم يتب»([217]).
وهذه الطريقة في تبسيط حجم الخلاف عند إرادة ادّعاء الإجماع أو تهميش وتهشيم المخالفين وإخراجهم عن دائرة العلم والتحقيق أو الدين والإيمان والحقّ، رائجة مع الأسف، وقد وجدناها عند المسلمين بمذاهبهم في الفقه والعقائد والأصول والتفسير وغيرها، حتى أنّ الإجماع بات يمكن أن ينعقد من ذهاب اثنين أو ثلاثة من العلماء، ومخالفةُ الآلاف الآخرين أمرٌ لا قيمة له.
وعليه، لا نرى أنّ هناك إجماعاً إسلاميّاً في هذا الموضوع، والذين ناقشوا في عدالة الصحابة لا دليل على كونهم زنادقة وملاحدة وأعداء لأصل الإسلام، وإنّما هي اجتهادات قد تُصيب وقد تخطأ، حتى لو كان بعضهم في زمنٍ ما أو كلّ زمن ينطلق من دوافع سيّئة أخلاقيّاً ومن هوى نفس أو غير ذلك. والباقي لا نراه سوى ادعاءات وتهويلات على الآخرين، ونوعاً من فرض دوغمة معيّنة يتمّ تحريم الحديث فيها أو النقاش.
ثانياً: لنفرض أنّه انعقد إجماع، فهو غير معتبر؛ لأنّه إجماع مدركي واضح، نتيجة وجود سائر الآيات والروايات في المقام والتي اعتمدوا عليها أو يحتمل جداً أنهم اعتمدوا عليها، وقد تحقّق في أصول الفقه أنّ الإجماع بنفسه لا قيمة له؛ لبطلان المستندات النصيّة له، وبطلان نظريّات اللطف والدخول فيه، وحيثيّة الكشف تصبح ضعيفة جداً مع وجود المدرك، فإذا اجتهدنا وفهمنا مستنداتهم بطريقة مختلفة عنهم لم يعد قولهم ملزماً لنا.
ثالثاً: ما ذ كره بعض الباحثين المعاصرين، من أنّ هذا الإجماع لا قيمة له؛ لأنّ حجيّة الإجماع إنّما هي في الشرعيّات لا في الأمور الخارجيّة، بل هذا الإجماع لم يكن يعتقده الصحابة حيث كذّب بعضهم بعضاً([218]).
ولكنّ هذا الإشكال غير واضح؛ فإنّ الإجماع لا فرق فيه بين الأمور الشرعيّة وغيرها، مع تحقّق شروطه، سواء قلنا بمسلك الكشف والحدس فيه أو الدخول أو اللطف أو بدليل النصّ عليه كما يراه الكثير من أهل السنّة، فإنّ كاشفيّة الإجماع عن مسألة فقهيّة ككاشفيّته عن مسألة مثل التي نحن فيها، في كونهم تلقّوا ذلك عن المعصوم لو صحّ الإجماع هنا.
كما أنّ مناقشة هذا الإجماع بمواقف الصحابة من بعضهم، صحيحة، لكنّها تستخدم أدلّة عدم عدالة الصحابة في مناقشة دليل العدالة، مع أنّ المفروض دراسة أدلّة العدالة في نفسها أوّلاً.
وعليه، فمسألة عدالة الصحابة كمسألة عدم عدالتهم، قضيّة اجتهاديّة بامتياز يجب فيها مراجعة الأدلّة من الكتاب والسنّة، ولا قيمة للإجماع فيها، وسوف يأتي منّا التعليق والنقد على الاستناد للإجماع لإثبات عدم عدالة الصحابة في الطرف المقابل.
4 ـ مستند الاعتبار في تعديل أصحاب النبيّ
لم يقف القائلون بعدالة جميع الصحابة عند حدّ المستندات النقليّة من الكتاب والسنّة، ولا حتى عند الإجماع، بل حاولوا تقديم مبرّرات ومنطلقات عقلانيّة موضوعيّة لهذه النظريّة، ولهذا نجد أنّه قد ذُكرت هنا بعض الأدلّة العقليّة أو الاعتباريّة العقلانيّة على تعديل جميع الصحابة.
وأهمّ هذه المبرّرات العقلانيّة الاعتباريّة يرجع إلى اثنين، هما:
المبرّر العقلاني الاعتباريّ الأوّل: ما ذكره الخطيب البغدادي، بقوله: «لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوّة الإيمان واليقين، القطع على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنّهم أفضل من جميع المعدّلين والمزكّين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين»([219]).
وقد كرّرت هذه الفكرة بصيغ وأساليب متعدّدة بعد البغدادي، وإلى يومنا هذا، فراجع.
لكنّ هذا المنطلق الاعتباري يمكن مناقشته ـ بصرف النظر عن المبالغة التي لا يستبطنها الدليل، والواردة في آخر كلام البغدادي، حيث لم نعرف كيف عَرَف أنّ أيّ واحد من الصحابة أفضل من جميع المزكّين إلى يوم القيامة؟! ـ؛ وذلك:
أوّلاً: لا شكّ في جهاد وتضحية وإيمان جمهور الصحابة المسلمين، ولا توقّف عندي في هذا الأمر، لكنّ هذا لا يُثبت عدالة الجميع، حيث يصدق بالأغلبيّة، فلا يُحرز أنّ كلّ صحابي ـ بالمفهوم الحديثي أو الأصولي ـ هاجر أو آوى أو ضحّى بالمال، بل هذا خاصٌّ بطبقة منهم، ولنفرضها طبقة المهاجرين والأنصار، أو الثلّة القريبة من النبي والمحيطة به من الأصحاب، فهذا التعميم لا دليل عليه، فهل كلّ من رأى النبي يتصف بهذه الصفات كلّها؟!
إنّ هذا التوصيف توصيفٌ للمجتمع ككل، لا لكلّ فردٍ فرد، فلا يصحّ ترتيب آثار التعديل الاستغراقي الشمولي الأفرادي هنا.
ثانياً: لا شك في صدق هذه العناوين في زمان النبي، وعلى أبعد تقدير إلى ما قبل الفتنة زمان الخليفة الثالث عثمان بن عفان، أمّا بعد ذلك فكيف يمكن تبسيط كلِّ المشهد الدموي الذي حصل، وكلِّ مظاهر التنازع والتخاصم والتقاتل بجعل ذلك بأكمله مجرّد اجتهادات، ولو كان كذلك فلماذا تاب بعض الصحابة عن بعض ما فعلوه ما دام لم يذنبوا؟! إنّ تبسيط المشهد إلى هذا الحدّ يسمح للطرف الآخر بتبسيط كلّ مظاهر الإيمان التي ذكرها الخطيب البغدادي ليجعلها مجرّد نفاق ووصوليّة وغنائم ومكاسب وسلطة! وبالتالي فنحن نحتاج لمقاربة أعمق من مجرّد هذا الكلام.
ولا أظنّ أنّ الكثير من معارضي نظريّة عدالة الصحابة أجمعين يشكّكون ـ في الفترة النبويّة ـ في نزاهة أكثر من شكّكوا في نزاهته بعد وفاة الرسول‘، فالمشكلة ليست في الفترة الأولى، وإنّما في مجموع حياة الصحابيّ.
وإذا كان كثيرٌ من فقهاء أهل السنّة ـ عدا جملة من فقهاء الشافعيّة ـ يرون الخارجين على أمير المؤمنين بغاةً، ويرون البغي اسمَ ذمّ، فكيف يمكن الجمع بين هذه النظريّة وبين تعديل جميع الصحابة؟!
إنّني أعتقد بأنّ هذا الدليل غير موفّق، إلا ـ على أبعد تقدير ـ بمقدار ما توصّلنا إليه في البحث القرآني، من التعديل الأغلبي كما شرحناه، وإلا فهذا الدليل لا يحقّ له ـ لتكوين صورة عقلانيّة ـ أن يكتفي بمشهد المعاصرة للنبي أو مشهد المشاركة في الفتوحات، دون المشهد الذي نقله لنا التاريخ لاحقاً.
المبرّر العقلاني الاعتباريّ الثاني: ما يُنسب إلى أبي زرعة الرازي، من أنّه قال: «إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلم ـ فاعلم أنّه زنديق؛ وذلك أنّ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندنا حقّ، والقرآن حق، وإنما أدّى إلينا هذا القرآن والسنن أصحابُ رسول الله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وإنّما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبطلوا الكتابَ والسنّة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة»([220]).
وهذا الدليل الاعتباري المستكنّ في وعي الكثيرين من أنصار نظريّة عدالة الصحابة، والذي صاغه بهذه الصورة أبو زرعة الرازي، يجعل من نظريّة عدالة الصحابة أساس حجيّة الكتاب والسنّة، فلا من كتابٍ ولا سنّة من دون عدالة الصحابة، ولهذا نجد أنّ الكثير اليوم من النقّاد على الشيعة يرون أنّ الشيعة لا يؤمنون بسنّة النبيّ؛ لكونهم يحملون موقفاً سلبيّاً من جمهور الصحابة.
لكن يُلاحظ على هذا الكلام، بصرف النظر عن عدم جريانه وفق العقيدة الشيعيّة التي تأخذ السنّة النبويّة من طريق أهل البيت النبويّ:
أوّلاً: إذا لم تكن هناك حجيّة للقرآن والسنّة إلا بعدالة الصحابة، فكيف ثبتت عدالة الصحابة إذاً؟! فإذا ثبتت من الكتاب والسنّة، فالمفروض أنّه لا سبيل إليهما إلا بالصحابة الذين لم نحرز عدالتهم بعدُ حسب الفرض، وإذا ثبتت بدليل آخر فليدلّنا عليه الرازي، فكيف نثبت قيم الدين ومفاهيمه لنخرج عبرها بهذا الوجه الاعتباري، والمفروض أنّه لا يوجد دليل على تلك القيم والمفاهيم قبل إثبات عدالة الصحابة حسب الادّعاء؟!
ما لم يقل بأنّها معلومة بنحو العلم الإجمالي الارتكازي.
ثانياً: إنّ إثبات القرآن كان بالتواتر الحاصل بين المسلمين جيلاً بعد جيل، والتواتر لا يشترط فيه عدالة الرواة، بل حتى لو لم يثبت لنا تعديلهم يمكن بضمّهم إلى بعضهم إثبات صحّة الأمر، بعد استبعاد تواطئهم جميعاً على الكذب، فلسنا بحاجة قهريّة دائماً إلى نظريّة عدالة جميع الصحابة حتى نُثبت تواتر القرآن، وكذا متواتر السنّة النبويّة.
ثالثاً: كأنّ أبا زرعة يريد أن يُلزمنا بالموجبة الكلّية بحجّة أنّ بطلانها يساوي السالبة الكليّة، مع أنّ هذا الكلام غير صحيح لا منطقياً ولا خارجيّاً؛ فإنّ نفي نظريّة عدالة الصحابة لا يعني بالضرورة إثبات فسقهم جميعاً أو أغلبيّتهم الساحقة، بل يعني أنّ حالهم حال سائر الرواة الذين لابدّ من البحث في عدالتهم ووثاقتهم، ومن الممكن أن نحصل على شواهد كثيرة تعدّل عدداً وافراً منهم، وبهذا يصحّ الأخذ بما ينقله لنا هؤلاء، وهذا كافٍ.
وهذا تماماً كإبطال نظريّة عدالة كلّ الرواة، فإنّنا إذا لم نقل بهذه النظريّة، فلا يعني ذلك إبطال طرقنا لإثبات الكتاب والسنّة، وإنما تحديدها، وأيّ ضيرٍ في ذلك؟ فنفي (عدالة الجميع) شيء، والقول بفسق الجميع أو الأغلب شيءٌ آخر.
رابعاً: لو تتبّعنا مصادر الحديث عند السنّة والشيعة، فلا نجد أنفسنا بحاجة ـ لإثبات الروايات عن النبيّ‘ ـ إلى تعديل جميع الصحابة؛ إذ ليس الجميع قد شارك في عمليّة توارث السنّة، وإنما عددٌ من الصحابة كان هو العمدة في النقل، لو حسبناه لما وجدناه يزيد عن ثلاثين شخصاً كأبي بكر، وعلي، وعمر، وأبي هريرة، وعثمان، وعائشة، وجابر الأنصاري، وعبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، ونحوهم من الرواة.
فلماذا افتراض حاجتنا إلى إثبات عدالة أكثر من عشرة آلاف شخص، لأجل تصحيح مرويّاتٍ عُمدتها رواه لنا بضعة عشرات منهم؟! ألا يوجد طريقٌ لتوثيق هذه المجموعة التي وصلتنا أغلب النصوص النبويّة عبرها إلا من خلال تعديل جميع الصحابة؟! أليس هذا قفزاً من الخاصّ إلى العام بلا مبرّرٍ منطقيّ؟!
خامساً: إنّ حجيّة الروايات يكفي فيها وثاقة الرواة، ولا يلزم في الصحابة لتصحيح مرويّاتهم أكثر من إثبات الوثاقة، فما هو الموجب ـ لتبرير حجيّة الكتاب والسنّة ـ أن نُثبت عدالتهم جميعاً، بل جعلهم في أعلى مراتبها؟!
أعتقد أنّ الرازي وكلَّ التيار الذي نافح عن هذه المقاربة العقلانيّة، قد قفز في هذا الدليل قفزات أساسيّة، فالمعطيات التي عنده تمنحه مقداراً من النتائج لكنّه مارس طفرةً ليأخذ من هذا الدليل حجماً أكبر.
كما يبدو لي أنّه كان ينظر إلى واقعٍ ما مفرِط في جرح الصحابة، بحيث لا يُبقي أحداً منهم على خير، إلا أنّنا قلنا بأنّ هناك نظريّات وسطى عديدة بين نظريّة عدالة الجميع ونظريّة فسق الجميع أو الأغلب.
نتائج البحث في مستندات تعديل الصحابة أجمعين
من خلال مجموع ما تقدّم، يظهر لنا ـ حتى الآن ـ أنّ القول بعدالة جميع الصحابة فرداً فرداً بالمعنى الحديثي، لم يقم عليه أيّ دليل يُركن إليه، لا من الكتاب ولا من السنّة، فضلاً عن الإجماع أو الاعتبار، وأما المعنى الأصولي فإنّ أدلّة الاعتبار والإجماع على عدالة الصحابة بهذا المعنى ساقطة كما رأينا، ودليل السنّة يعاني من مشاكل حقيقيّة في أسانيده ودلالاته عدا خبر واحد أو خبرين، أمّا دليل الكتاب فهو يُثبت ـ في قناعتي الشخصيّة ـ أنّ جمعاً وافراً من المحيطين بالنبيّ ـ وليس عدداً قليلاً ـ كانوا صالحين عدولاً ممدوحين، لا كلّ من كان حول النبي‘.
إلا أنّ هذه النتيجة، يجب افتراضها حتى الآن معلّقةً على ملاحظة النظريّة البديلة هنا؛ لنرى ما ستُنتجه المعطيات التي تقدّمها، ثم نقوم بحاصل الجمع بين المعطيات التي توفّرت لنا وصحّت من جميع الأطراف؛ لتكوين نظريّة نهائية وفقاً لها جميعاً.
من هنا سندرس النظريّات البديلة في هذا المجال وأدلّتها إن شاء الله.
ثالثاً: نظريّة نفي عدالة جميع الصحابة
تقوم هذه النظريّة الحاضرة في الأوساط الشيعيّة والمعتزليّة والإباضيّة والتيارات النقديّة الجديدة، على مجموعة من الأدلّة، نبحثها بالترتيب ـ إن شاء الله تعالى ـ على الشكل الآتي:
1 ـ المستند القرآني لنظريّة نفي تعديل جميع الصحابة
يقرأ المعارضون لنظريّة عدالة الصحابة المشهدَ المحيط بالنبيّ‘ من خلال النصّ القرآني، على أنّه كان مشهداً متنوّعاً، ولم يكن نسخةً واحدةً صالحة أو فاسدة، وينطَلقون في ذلك من أنّ القرآن الكريم حدّثنا عن جماعاتٍ كانت تحيط بالنبيّ، بعضُها كان صالحاً وهم الذين تحدّثت عنهم الآيات المادحة كالتي استدلّ بها القائلون بنظريّة عدالة الصحابة، وبعضها كان فاسداً تحكي عنه سور قرآنية بأكملها، وآياتٌ قرآنيّة عديدة.
ولتوضيح الصورة الثانية للمشهد يجب التعرّض لعناصرها، وهي كالآتي:
1 ـ 1 ـ النصوص القرآنيّة حول ظاهرة المنافقين
العنصر الأوّل: ظاهرة المنافقين التي تحدّث عنها القرآن الكريم حتى سمّيت سورة بأكملها باسمهم، فإنّ هذه الظاهرة تعني أنّ هناك جماعة كانت مندمجةً في الجسم الإسلاميّ، لكنّها لم تكن تؤمن بالرسالة الإسلاميّة، بل كانت تتحيّن الفرص للانقضاض على الدعوة الإسلاميّة، وقد شارك فريقٌ منها في دعم الكافرين، أو لا أقلّ، لم يكن مشاركاً في القضايا الأساسيّة المفصليّة للمسلمين كالجهاد.
إنّ هؤلاء المنافقين هم مسلمون في الظاهر ومندمجون في المجتمع الإسلاميّ، وممّن رأى النبيَّ وسمع منه، فكيف يمكن تعديلهم إذاً بنظريّة عدالة الصحابة أجمعين، وتجاهل الظاهرة النفاقيّة الواسعة التي كانت حاضرةً في مجتمع المدينة المنوّرة وفي مجتمع الأعراب أيضاً؟!
ويرى بعض الباحثين المعاصرين أنّ ظاهرة النفاق هذه لم تكن في المدينة المنوّرة فحسب، بل كان لها وجودٌ حتى في مكّة المكرّمة([221])، ويضع القرآن الكريم حركة النفاق في مكّة تحت عنوان (الذين في قلوبهم مرض)، وذلك في رابع سورةٍ نزلت على النبيّ في مكّة، وهي سورة المدّثر، وكذلك الحال في سورة العنكبوت المكّية على قول الأكثر.
فقد قال تعالى في الآية الأولى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً..﴾ (المدثر: 31).
فهذه الآية وضعت أربع فئات، وهم: الكافرون، والمؤمنون، وأهل الكتاب، ومن في قلبه مرض، وظاهر التمييز بين الأربع أنّ الذين في قلوبهم مرض مغايرون للفئات الثلاث الأخرى، وليس لهم معنى سوى المنافقين.
بل إنّ نفس اختيار هذا العنوان لهم يدلّ على أنّ مشكلتهم قلبيّة، فكأنّهم أخفوا المرض في قلوبهم.
ويلاحظ هنا أنّ هذه الفئة لطالما تحدّثت عنها الآيات المدنيّة بعد ذلك مميّزةً بينها وبين المنافقين، فيصفها القرآن بأنّها ذات دور أخطر من المنافقين، وهذا ما يُفهم منه أنّ عنوان المنافقين الذي ظهر في الحقبة المدنيّة يستوعب تمام أهل النفاق ممّن ظهر التواؤه أو لم يظهر، على خلاف عنوان (الذين في قلوبهم مرض)، فإنهم محترفو النفاق؛ لأنّهم تسلّلوا إلى الدعوة الإسلاميّة منذ الفترات الأولى لها وحتى نهاية حياة النبي، والآيات القرآنيّة الوارد فيها هذا العنوان تبيّن حجم دور هؤلاء.
أمّا الآية الثانية الواردة، فهي قوله تعالى: ﴿.. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ (العنكبوت: 10 ـ 11).
فهذه الآيات تؤكّد وجود فئة منافقة حتى في مكّة، التحقت بالدعوة لتحصيل مكاسب سلطويّة ونفوذية، كانت اطّلعت عليها من خلال عقائد أهل الكتاب الذين نشروا في الجزيرة العربية فكرةَ النبيّ المخلّص الذي سيهزم أعداءه ويسيطر على الجزيرة العربيّة بأكملها.
بل هناك آية ثالثة مكيّة تشير أيضاً إلى ظهور النفاق في المراحل الأولى للدعوة، وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ..﴾ (النحل: 106 ـ 107).
فإنّ الاستثناء الوارد في هذه الآية ـ إلا من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان ـ عبارة عن جملة معترضة، حيث حاصل الآية أنّ من كفر بالله من بعد إيمانه شرح بالكفر صدراً، وما قيل من نزول قوله: من شرح بالكفر صدراً، في عبد الله بن سعد بن أبي سرح من بني عامر بن لؤي، غير مقنع؛ لأنّ ظاهر الجمع في الآية يعطي أنّ هؤلاء كانوا مجموعة كفرت دون ضغط أو إكراه من المشركين، وإنما طمعاً في الدنيا.
وتشتدّ ظاهرة النفاق إيغالاً في السريّة والكتمان من خلال ملاحظة قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (التوبة: 101)، فإنّ هذه الآية تشير إلى جماعة تحترف السريّة والكتمان حتى أنّها لم تظهر للعيان إلى أواخر العهد المدني، وهذا خيرُ شاهدٍ على أنّ المحيطين بالنبيّ من أهل المدينة كان فيهم الصالح والطالح، ولم يكن المجتمع المدنيّ المسلم واحداً من حيث الإيمان والعمل الصالح.
بل إنّ سورة التوبة نزل فيها فضح المنافقين ولهذا سمّيت بالفاضحة والمبعثرة والبَحوث؛ لفضحها المنافقين المتستّرين، وبعثرتها أسرارهم، وبحثها عن سرائرهم، ولم يكن يُقصد بهؤلاء خصوص عبد الله بن أبي سلول وجماعته؛ لأنّهم كانوا معروفين حينها، وإنّما جماعاتٍ أخَر متخفّية كأهل العقبة الذين همّوا بما لم ينالوا([222]).
بهذا يتبيّن أنّ ظاهرة المنافقين لم تكن ظاهرةَ فردٍ أو فردين من الأمّة المسلمة، بل كانوا جماعاتٍ كبيرة احتاج القرآن إلى الحديث عنهم بآيات عديدة، بل إلى سورة كاملة خصّصها لهم، سمّيت بسورة المنافقين، بل قد ورد اسم المنافقين والمنافقات في القرآن الكريم حوالي 30 مرّةً، وهذا خير شاهد على تشكيلهم شريحةً لا يُستهان بها داخل المجتمع المسلم، فكيف يوصف هذا المجتمع كلّه بالعادل لمجرّد أنّه رأى النبيّ أو لازمه؟!
وحتى لو فرضنا أنّ أدلّة عدالة الصحابة أجمعين صحيحة وتامّة، فلابدّ من تقييدها أو تخصيصها بأدلّة ظاهرة النفاق التي عرفتها الحياة الإسلاميّة الأولى([223]).
1 ـ 2 ـ نصوص الوقائع المتفرّقة حول الصحابة
العنصر الثاني: الآيات التي تعرّضت لأحداث متفرّقة عديدة، صدرت فيها مواقف غير مشكورة من بعض الصحابة، ويمكن هنا أن يُذكر ـ على سبيل المثال ـ بعض النماذج:
الأنموذج الأوّل: وقائع اُحُد، وما جرى في أحداث هذه المعركة، حيث خالف بعضُ المسلمين المجاهدين أوامر الرسول، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 152 ـ 155).
فهذه الآيات تشير إلى حجم الأخطاء والذنوب والمعاصي التي ارتكبها المجاهدون في الصحابة، وصحيحٌ أنّ الله تعالى عفا عنهم عما وقع في اُحُد أو طلب من النبي أن يعفو عنهم، لكنّ بحثنا هنا ليس كلاميّاً حتى نتحدّث في عقابهم أو جزائهم أو حالهم في الآخرة، وإنّما هو رجاليٌّ يدور حول عدالتهم وعدمها.
الأنموذج الثاني: حادثة الإفك، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (النور: 11 ـ 15).
فهذه الآيات ـ بصرف النظر عن الشخص الذي نزلت فيه تبرّؤه من التهمة ـ تُثبت أنّ بين المؤمنين عُصبة خاضت في اتّهام المؤمنين، بل بعض أزواج النبي‘، بالزنا دون دليلٍ ظاهر، بل أخذوا يتناقلون هذه الأخبار، ولولا التفضّل من الله تعالى لنزل العذاب العظيم عليهم؛ لشدّة الجرم الذي ارتكبوه، بحيث أغمّ النبيَّ والمحيطين به، بل أكّدت الآيات الكريمة أنّ هؤلاء عند الله كاذبون طالما لم يقدّم أحدهم شهوداً على جريمة الزنا المزعومة، وهذا ما يعكس لنا ـ ونحن في المدينة المنوّرة والسورة مدنيّة ـ نوعيّة المجتمع الإسلاميّ، وأنّه لم يكن خالصاً حتى من جرائم بشعة بهذا المستوى.
والحديث عن اتهام المنافقين بهذا الإفك مجرّد كلام، وإلا فالآية تصفُ العُصبة التي أطلقت الإفك بأنّها من المؤمنين، بل تتحدّث عن تناول حديث الإفك بين المؤمنين وتناقله، وأنّه لولا الفضل الإلهي على المؤمنين لأنزل عليهم العذاب، ولا ينزل العذاب على مجتمع بذنبِ عددٍ محدود جداً من المنافقين الذين أطلقوا هذه الشائعة المشينة.
إنّ مشهد اُحُد وغيره عندما يُضمّ إلى هذا المشهد يعطينا صورةً أكثر واقعيّةً عن المجتمع المحيط بالرسول، فهو مجتمع فيه الصالح والطالح، لكنّ المؤكّد أنّ الله ـ بالإجمال العام مع ذلك ـ رحيمٌ بهذا المجتمع.
الأنموذج الثالث: حادثة النجوى، فقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المجادلة: 12 ـ 13).
فإنّ قصّة النجوى ظاهرة في أنّ الذين كفّوا، لم يكونوا مؤمناً واحداً أو اثنين، وإنّما جماعة كبيرة، بحيث نسب القرآن ترك الصدقة إلى المؤمنين كلّهم، وهم المخاطبون بهاتين الآيتين المدنيّتين كما يلاحظ من مطلع الآية الأولى، وهذا أيضاً شاهد على نوعيّة المجتمع الذي كان يحيط بالنبيّ، وأنّه لا يصحّ أن نتعامل معه وكأنّه مجتمع منزّه بحيث لا يحقّ لأحد أن يتحدّث عن واحدٍ من الصحابة بمنقصةٍ صغيرة، فهذا هو القرآن تحدّث بذلك.
الأنموذج الرابع: حادثة الأسرى، حيث قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال: 67 ـ 68).
فهذه الآيات واضحة في أنّ المؤمنين ـ في عددٍ كبير منهم؛ لضرورة تصحيح التوصيف العام في الآية ـ كانوا يريدون الاحتفاظ بالأسرى لمبادلتهم مقابل المال والمنفعة، لكنّ الله تعالى ندّد بهذا الاقتراح الذي قدّموه واعتبره إرادةً للدنيا، وأنذر بأنّه لولا قضاءٌ إلهيٌّ ما عنده سبحانه، لكان الحقّ أن يصابوا بعذابٍ جرّاء هذا الميل الدنيوي الذي تورّطوا فيه في معركة بدر، كما هو المعروف تاريخيّاً، وهذا ما يعزّز الصورة المتنوّعة المدّعاة.
هذه بعض الأحداث التي تساعد على تكوين الصورة إلى جانب أحداث أخرى ورد بها القرآن، مثل اللمز في الصدقات، وترك النبيّ يصلّي مع اتّجاههم نحو التجارة، وغير ذلك من النصوص والفقرات القرآنيّة الكريمة التي لا نريد الإطالة باستعراضها (انظر: البقرة: 108، 187؛ وآل عمران: 144؛ والنساء: 72، 77، 81، 83، 107 ـ 109؛ والتوبة: 38 ـ 39، 45 ـ 50، 81؛ والنور: 47 ـ 50، 63؛ والأحزاب: 13 ـ 20؛ ومحمّد: 36 ـ 38؛ والتحريم: 4؛ والحجرات: 4، 17؛ والصف: 2 ـ 3؛ والجمعة: 11..)([224]).
بهذا المكوّن الثنائي ـ من ظاهرة المنافقين والذين في قلوبهم مرض، مع الأحداث المتفرّقة التي تضعنا أمام صورة واقعيّة للمشهد ـ نستطيع أن نعرف أنّ مجتمع الصحابة في العصر النبويّ كانوا عرضةً للزلات والانحرافات وألوان النفاق التي ظهرت بينهم مع عدم القدرة على تمييز بعضها على الأقلّ، وفي هذا الجوّ كيف نستطيع الأخذ بإطلاق وشمول الآيات التي استدلّ بها على عدالة جميع الصحابة لاسيما بالمعنى الحديثي للصحبة؟! وكيف يمكننا الحديث عن عدالة الصحابة مع وجود هذه الأدلّة على عدم ذلك؟!
فبهذا المكوّن الجديد، إلى جانب المناقشات المتقدّمة على أدلّة عدالة الصحابة، نستطيع أن ننفي إطلاقيّة نظريّة عدالة الصحابة، ونثبت عدم العدالة الشاملة (سلب الموجبة الكليّة).
وقفات تحليليّة وتقويميّة مع المستند القرآني النافي للتعديل
هذه الصورة القرآنية الشاملة يمكن ذكر بعض الكلمات حولها:
أ ـ العلاقة النسْبيّة بين ظاهرتَي: النفاق ومن في قلبه مرض
الكلمة الأولى: إنّ فكرة وجود النفاق في العصر المكّي لا تدعمها الشواهد القرآنية المتقدّمة، فإنّ عنوان (في قلوبهم مرض) لا دليل على مغايرته للعناوين الثلاثة الأخرى الواردة في آيات سورة المدّثر المكّية؛ لأنّه بطبيعته عنوانٌ شامل للكفر أيضاً.
ويشهد لبطلان مبدأ المغايرة بين الأنواع الأربعة في الآية أنّ عنوان الكافرين شامل للذين أوتوا الكتاب، فهم من الكافرين، ولو جاء عنوان المشركين لأمكن القبول، لكنّ عنوان الكفر يشمل أهل الكتاب قطعاً بلا خلاف، ولو في جملةٍ منهم، فالآية بنفسها خرقت ادّعاء المغايرة ـ بنحو المباينة التامّة ـ بين العناوين الأربعة الواردة فيها، فكيف يمكن التأكّد بعد ذلك من تغاير عنوان الكفر والمرض القلبيّ مع أنّهما لغةً وعرفاً وقرآناً غير متباينين تبايناً تامّاً؟! إلا إذا جعل التباين في خصوص الآية لا مطلقاً.
والغريب أنّ المستدلّ أقرّ ضمن كلامه بأنّ عنوان النفاق والقلب المريض قد جاءا متغايرين في الآيات المدنيّة، فهذا يقتضي التغاير، لا الحديث عن ظاهرة نفاقيّة في الحقبة المكيّة.
وأمّا التعليل بأنّ تغايرهما بنحو الخبرويّة الزائدة في الذين في قلوبهم مرض، بخلاف عنوان المنافقين الشامل لغيرهم، فهو مجرّد تأوّل لم يُقم عليه صاحب الدليل دليلاً، بل المقتضى الذي تعطينا إيّاه العمليّة التحليلية للكلمة أنّ عنوان النفاق هو الذي يُفترض أن يستبطن خبرويّة الازدواجيّة بين الظاهر والباطن، أمّا عنوان القلب المريض فهذا ينسجم حتى مع الكفر الظاهر، أو التردّد بين الإيمان والكفر، فكيف انعكست الصورة؟ وما هو الدليل؟
ب ـ هل سورة العنكبوت مكّية لتُثبت وجود ظاهرة النفاق في مكّة؟!
الكلمة الثانية: إنّ آية سورة العنكبوت تشير إلى وجود حالة نفاق، لكن السؤال هو: هل كلّ آيات سورة العنكبوت مكّية؟ وهل أساساً سورة العنكبوت مكيّة؟
ذكر الطبرسي أنّ في سورة العنكبوت ثلاثة أقوال: قولٌ بمكّيتها كلّها، وهو قول عكرمة وعطاء والكلبي، وقولٌ بمدنيّتها وهو أحد قولي ابن عباس، وقتادة، وقول بأنّها مكّية إلا عشر آيات من أولها، فهي مدنيّة، عن الحسن، وهو أحد قولي ابن عباس، وهو عن يحيى بن سلام([225]).
وذكر الشيخ الطوسي أنّه: «قال قومٌ: هي مكّية، وقال قتادة: العشر الأول مدنيّ، والباقي مكّي. وقال مجاهد: هي مكّية»([226]).
وقد رجّح العلامة الطباطبائي والشيخ ناصر مكارم الشيرازي أن تكون بأجمعها مكيّةً؛ لأنّ مضامينها تناسب أيام الشدّة والعسرة قبل الهجرة([227]).
ولعلّ المقصود بالعشر الأول منها هو الأحد عشر آية التي في أولّها، كما يلمح إليه كلام الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في المصدر المتقدّم، لبُعد الفصل بين الآية العاشرة والحادية عشرة، فيكون عدّ عشرة آيات مبنيّاً على أنّ بعض الآيات مندمج، كما لو فرض اندماج الأحرف المقطعة في الآية اللاحقة، والله العالم. ويشهد له ـ في الجملة، ومن حيث مبدأ الاختلاف في عدد الآيات فيها ـ تردّد الفخر الرازي في بيان تعداد آيات هذه السورة بين السبعين والتسع والستين([228]).
هذا على مستوى المصادر الشيعية، أمّا المصادر التفسيرية السنيّة، فقد ذكر غير واحد من التفاسير أنّها مكيّة، مثل جامع البيان وغيره([229])، وذكر السمعاني (489هـ) أنّها مكيّة في قول عطاء والحسن، ومدنيّة في أحد قولي ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه أنّها مكيّة، فبعضها نزل بالمدينة وبعضها نزل بمكّة، وعن الشعبي أنها مكيّة إلا عشر آيات من أوّلها مدنيّة، وعن عليٍّ أنّه قال: نزلت بين مكّة والمدينة. وهذه رواية غريبة([230]).
توضح لنا المنقولات أنّ هناك خلافاً في مكيّة هذه السورة ومدنيّتها، وأنّه اشتهرت مكيّتها فيما بعد عصر التابعين، ولدراسة مكيّة السورة ومدنيّتها يتمّ القيام بخطوتين:
الخطوة الأولى: دراسة الشواهد النقليّة، وفي حالتنا هنا لا يوجد أيّ دليل مقنع على مكيّة السورة ولا على مدنيّتها، تارةً بسبب وجود خلاف في النقل بين ثلاثة أقوال، ومع التعارض لا مرجّح هنا، وأخرى بسبب الإرسال الموجود في الحديث عن هويّة السورة؛ لأنّ الشعبي وعطاء وقتادة والحسن وأمثالهم كلّهم من التابعين واللاحقين عليهم، فكيف عرفوا مدنيّة السورة أو مكيّتها، حيث لم يذكروا لنا سندهم ومستندهم في هذا الأمر؟ ولعلّ كل واحدٍ منهم اجتهد في مضمون السورة، كما فعل الطباطبائي والشيرازي، فانكشف لهم مكيّتها أو مدنيّتها.
وأمّا الرواية عن ابن عباس، فبصرف النظر عن الإرسال إليه، حيث لا سند معتبراً يُثبت أنّه قال ذلك، وبصرف النظر عن التعارض في المنقول عنه، حيث نقل عنه تارة القول بالمكيّة وأخرى بالمدنيّة.. إنّ ابن عباس لم ينقل لنا مصدر معلوماته، فإنّه كان صغيراً في المدينة المنوّرة، فلو نزلت في المدينة أمكن تصوّر اطّلاعه المباشر على الأمر، ولو بشيء من الصعوبة، أمّا لو نزلت في مكّة، فإنّ اطّلاعه عليها سيكون بالواسطة بالتأكيد، ولم تثبت بعدُ نظريّة عدالة كلّ الصحابة حتى نقول بأنّ مجهوليّة الناقل لابن عباس لا تضرّ، ومعه يصعب الأخذ بروايتَي ابن عباس هنا.
وهذا كلّه يعني أنّ الشواهد التاريخيّة النقليّة لا تستطيع أن تُقدّم لنا دليلاً حاسماً في مدنيّة السورة أو مكيّتها.
وهكذا الحال في أسباب النزول، فإنّها أيضاً متعارضة؛ فبعضها يشير إلى النزول في مكّة، وبعضها يشير إلى نزول أوائل السورة في المدينة فضلاً عن الإرسال في هذه المرويّات.
الخطوة الثانية: دراسة متن السورة، وهذا هو الطريق الأكثر وثوقاً في بعض الموارد، وعليه اعتمد مثل العلامة الطباطبائي والشيخ الشيرازي كما أسلفنا، لكن ما ذكروه محلّ نظر؛ فإنّ أيام الشدّة والعسرة غير خاصّة بمكّة المكرمة، بل تشمل محطّات بالغة الأهميّة في العصر المدني، كما فيما حصل مع المسلمين في اُحُد والأحزاب، وقد تحدّثت آياتٌ مدنيّة كثيرة عن الضغط والشدّة والمصاعب في حقبات حسّاسة في المدينة، كما يظهر بمراجعة سورة الأحزاب وسورة آل عمران وغيرهما، فإطلاق الشدّة غير واضح.
والذي نجده أنّ في السورة شواهد على المكيّة وشواهد على المدنيّة، فقصص الأنبياء الواردة فيها تشبه الفترة المكيّة، خصوصاً مسألة إثارة عبادة الأوثان والشرك، إلا أنّ هناك شواهد مدنيّة، لا تفيد القطع بالمدنيّة، لكنّها تثيره بوصفه احتمالاً موازياً، وهي:
أ ـ الحديث عن الجهاد في الآيتين: السادسة ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، والتاسعة والستين ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
لكنّ هذا الشاهد ليس بقويّ جداً، لما ذكرناه في فقه الجهاد من أنّ كلمة الجهاد اُطلقت في السور المكيّة تعبيراً عن مطلق المكابدة والمعاناة في سبيل الله.
ب ـ ما جاء في الآيات موضع الشاهد من الحديث عن النصر الإلهي، فإنّ هذا اللسان يناسب السور المدنيّة ويشبهها، وإن جاء الحديث عن النصر معلّقاً على المستقبل.
ج ـ قوله في الآية السادسة والأربعين: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، فإنّ مجادلة أهل الكتاب واستثناء الظالمين منهم يتناسب مع السور المدنيّة التي خُصّت كثيراً بأهل الكتاب.
بل إنّ نفس ذكر المنافقين بهذا العنوان في الآية الحادية عشرة، هو بنفسه شاهدُ المدنيّة؛ لكثرة الحديث عن المنافقين في السور المدنيّة، بل من معالمها الحديث عن المنافقين وأهل الكتاب والجهاد والنصر.
من هنا، نحتمل أنّ السورة لم تنزل دفعةً واحدة، وأنّ بعض آياتها مدنيٌّ وبعضها مكيّ، فإثبات المكيّة في المقطع محلّ الشاهد يصبح صعباً، وإن كان محتملاً، ومعه لا يمكن بمثل هذه الآيات التي لا يتوفّر يقينٌ أو وثوق بمكيّتها استنتاجُ وجود ظاهرة النفاق في العصر المكّي.
وأمّا ما ذهب إليه بعض العلماء من أنّ السورة القرآنيّة ـ أيّ سورة ـ إمّا كلّها مكيّة أو كلّها مدنيّة، فهذا لم يثبت بدليل، ولو ثبت فإثبات مكيّة سورة العنكبوت، يظلّ صعباً.
ج ـ بين ظاهرة الارتداد ومقولة النفاق في العصر المكّي
الكلمة الثالثة: إنّ آيات سورة النحل لا تشكّل دليلاً على وجود ظاهرة النفاق ـ بالمعنى الخاصّ ـ في العصر المكّي؛ لأنّه حتى لو سلّمنا بالتركيب اللغوي والإعرابي الذي ذكره المستدلّ هنا، إلا أنّ غايته وجود ظاهرة ارتداد في مكّة قام بها بعضُ الأشخاص، وأين هذا من ظاهرة النفاق؟! لأنّه عندما يقال بأنّ جماعة كفروا بعد إسلامهم، وبعضهم كفر لفظيّاً وظلّ مؤمناً، فإنّ ظاهر ذلك أنّ الكفر حصل منهم علناً ـ بقرينة اطمئنان القلب ـ وهذا لا يساوق النفاق وبقاءهم داخل الدائرة الدينيّة، وإذا كان التاريخ لم يذكر سوى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فلعلّه كان معه بضعة أشخاص آخرين كفروا وارتدّوا، فما علاقة ظاهرة الارتداد بظاهرة النفاق؟! فالدليل لا يتعيّن في إثبات المدّعى، إلا إذا جزمنا بعدم حصول ارتداد علني في مكّة المكرّمة، وأنّى لنا بإثبات هذا؟! بل المعطيات قائمة على عكسه.
والذي يظهر لي أنّ إثبات ظاهرة النفاق في العصر المكّي على مستوى الآيات القرآنيّة يبدو عسيراً، ولا يصحّ بمثل ذلك الحديث عن منافقين في هذا العصر، وإن كان نفي ذلك نفياً جازماً يحتاج لدليل أيضاً.
بل إنّني اعتقد بأنّ فرضيّة وجود المنافق في العصر المكّي، خاصّةً في أوائله، تبدو أمراً صعباً من حيث منطق الأشياء تاريخيّاً، فما هي الفائدة التي سيرجوها مثل هذا الشخص؟ وهل سيجني غير المتاعب والمصاعب؟ ومن أين له أن يعرف أنّ محمّداً هذا سوف ينتصر بعد حين لكي يكسب من انتصاراته المكاسب؟ إنّه لابدّ من افتراض شخص عارف بحقّية محمّد وأنّه عرف بذلك من خلال أهل الكتاب مثلاً أو غير ذلك واطّلع على مآلات دعوته، ثم دخل ضامناً أنّه لن تلحقه مشاكل من وراء ذلك، ولن يموت في ظلّ حركة محمّدية فيها الكثير من العذابات والتضحيات.. إنّ هذه الفرضيّات تحتاج للكثير لإثباتها تاريخيّاً، بعيداً عن أيديولوجيّات الفرضيات المحضة.
نعم، النفاق بمعنى الانقطاع وذهاب الشيء بعد وجوده، كما في قولك: نفقت الغنم، أو نفقت السلع في الأسواق، ومنه سمّيت النفقة بهذا الاسم، يمكن تصوّره في الارتداد، ويتماهى معه، فهذا المعنى للنفاق معقول في مكّة متطابق مع الارتداد، غير أنّه لا ينفع المستدلَّ بشيء هنا؛ إذ مراده وغايتُه هي النفاق بالمعنى اللغويّ الثاني، وهو إخفاء الشيء وإغماضه، كما هو معروف، ومنه سُمّي النَفَقُ في الأرض نَفَقَاً، وهذا لا يستفاد من خلال آيات الارتداد.
د ـ هل كان المنافقون مكشوفين للنبيّ؟ النفاق بين العلنيّة والسريّة
الكلمة الرابعة: هل كانت ظاهرة النفاق مكشوفة تماماً للنبيّ‘ والخُلّص من أصحابه أو لا؟ وهل كان بعضُ المهاجرين والأنصار من المنافقين؟
في البداية يجب أن نعرف أمراً مهماً، وهو أنّ الرسول‘ قد اُمِر في القرآن الكريم ـ في موضعين منه ـ بجهاد الكفّار والمنافقين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (التوبة: 73، والتحريم: 9)، فقد تكرّرت الآية بعينها بلا زيادة ولا نقيصة ولا اختلاف في موضعين: التوبة والتحريم، وهذا يعطينا مؤشراً على أنّ النبيّ‘ ـ بعد نزولها مكرّرةً مما يفيد التشديد في هذا الأمر ـ يفترض أن يواجه بغلظة وشدّة، بل وجهاد، كلّ المنافقين الذين يعرفهم، فلا يمكن القول بأنّه يعرف المنافقين، ولكنّه تركهم؛ إذ هو مأمورٌ بالجهاد والغلظة، فلا يجوز له أن يقرّب المنافقين ويدنيهم ويجعلهم من خاصّته ووجوه الناس عنده أو يؤمّرهم هنا وهناك بعد هذا الأمر الواضح، ما لم تبرز استثناءات واضحة في هذا المجال.
فلو كان حول النبيّ من الصحابة بالمعنى الأصولي أشخاصٌ لم يجاهدهم النبيّ ولم يغلظ عليهم، دلّ ذلك على عدم نفاقهم أو على عدم علمه‘ بنفاقهم. وهذه نقطة مهمّة لدراسة الموقف.
نعم، قد لا يُقدم النبيُّ على قتلهم ـ وهم محيطون به ـ ولو لأجل الخوف من أن يقال بأنّ محمداً يقتل أصحابه، كما جاء في بعض الروايات التاريخيّة([231])، فيترك ذلك آثاراً سلبيّةً على المجتمع العربي ومدى اقترابه من الدعوة الجديدة، لكنّه ـ على الأقلّ ـ مُطالبٌ بالضرورة بفضحهم والتشدّد معهم، وكشف أمرهم بوضوح وقاطعيّة أمام المجتمع الإسلاميّ، بحيث يصبح أمرهم واضحاً للمسلمين في أواخر الحقبة المدنيّة، إنّ منطق الأشياء يقول ذلك فيما يبدو لنا.
هذا ما يعني أنّنا يجب أن نفسّر ظاهرة النفاق في أواخر العصر المدنيّ بوصفها ظاهرة مستترة، وإلا فالمنافقون الظاهرون كان أمرهم معروفاً، وصاروا محارَبين متخارجين عن جسم المجتمع الإيمانيّ الصادق.
بل، وهناك آيات قرآنيّة أخرى لها دلالة هنا، وهي قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً * سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: 60 ـ 62).
فهذه الآيات ترشد ـ وهي في سورة الأحزاب ـ إلى تهديد بتحريض النبيّ على المنافقين والمرجفين، وأنّ هؤلاء إذا لم ينتهوا عن أفعالهم وأذيّتهم المؤمنين وإشاعة الخوف في المجتمع الإسلاميّ، فسوف تصدر الأوامر الإلهيّة بملاحقتهم وقتلهم، بل تشير الآيات إلى أنّ هذا الأمر سنّةٌ إلهية لا تتبدّل ولا تتحوّل، فإمّا أن تتوقّف حركة النفاق المؤذية والمضرّة هذه أو تصدر الأوامر بالمواجهة والطرد من المدينة، وبالفعل فقد صدرت الأوامر بعد ذلك بجهاد المنافقين على حدّ جهاد الكفّار، إلى حدّ أنّهم قد هدم مسجدهم، فالمفترض منطقيّاً أنّ النبيَّ‘ قام بمواجهة المنافقين، لكن لم تصدر الأوامر بالقتل فيهم، لهذا لم يظهر أنّ النبيّ أعدم المنافقين أو اعتقلهم وأنزل فيهم أحكاماً عقابيّة من هذا النوع.
إذن، فهناك تهديدٌ بإخراج المنافقين من المدينة، وعقب ذلك صيرورتهم ملاحَقين كالكفّار ليُقتلوا، ويبدو أنّ مسلسل الآيات والمواقف النبويّة قد حدّا بالفعل من حركة المنافقين، فبعد نزول سورة التوبة تمّت مواجهتهم والقطيعة معهم، وهذا ما أدّى إلى إضعاف حركتهم، ولهذا لم نسمع بأنّ هناك حركة نفي جماعي للمنافقين من المدينة.
وهذا ما يُرشد ـ وبضمّ كلّ هذه العناصر إلى قانون السنّة الإلهية الوارد في الآيات المتقدّمة ـ إلى تراجع حركة المنافقين حتى لم يعُد الموقف معهم بحاجة إلى قانون الطرد، فلعلّ النبيَّ اكتفى بالقطيعة والفضح والنبذ لهم وهدم مسجدهم، بحيث تهاوت قدرتهم وتعطّل نشاطهم، وتوقف إرجافهم وتخويفهم، دون أن يمنع بقاء بعض الأفراد منهم، فليس صحيحاً ما يحاول بعضٌ أن يثيره من انتهاء ظاهرة النفاق أواخر العصر المدني، فإنّ هذا الأمر لا دليل عليه، بل الآيات المدنية المتأخّرة النزول تشهد بعكسه، نعم يمكن أن نتصّور أنّ المنافقين قد ضعُف وجودهم وخمدت جذوة نشاطهم في أواخر العصر المدني، وصار تأثيرهم محدوداً بفعل الخطوات النبويّة التي جاءت عقب الأوامر القرآنيّة الحاسمة، وإن لم تنته فعاليتهم مطلقاً.
لكن يظلّ السؤال: هل انكشفت الظاهرة النفاقيّة كلّها للنبيّ‘ أو لا؟
لا يوجد ما يؤكّد هذا الأمر، بل ما سبق استعراضه من الآية: 101، من سورة التوبة، يفيد الجزم ببقاء البعض ممّن لم يعرفه النبيّ، نعم، هذه الآية تفيد وجود بعض المنافقين في أهل المدينة والأعراب المحيطين بها، وهذان العنوانان غير واضحين في التدليل على وجود نفاق في الأصحاب المقرّبين من النبيّ؛ إذ لا تكشف عن أنّ منافقي أهل المدينة كانوا من الأصحاب الملازمين للنبيّ‘ أو لا؟ فهذه الآية تبطل عدم نفاق أحد من الصحابة بالمعنى الحديثيّ؛ للجزم عادةً بأنّ أهل المدينة يرون النبيّ، لكنّها لا تستطيع إبطال عدم نفاق أحد منهم بالمعنى الأصولي؛ لعدم مساوقة عنوان (من أهل المدينة ـ الأعراب) لعنوان الصحابي بالمعنى الأصولي، بل بينهما تداخل، بل قد يُدّعى خروج المهاجرين من مكّة عن هذين العنوانين.
وهذا يعني أنّ آيات النفاق غاية ما يمكنها التدليل عليه هو إبطال نظريّة عدالة الصحابة بالمعنى الحديثي، لكن من غير المعلوم أنّ الصحابي بالمعنى الأصولي كان من ضمن المنافقين الذين ورد النصّ على وجودهم وعلى عدم معروفيّتهم للنبيّ، فإثبات وجود الظاهرة النفاقيّة لا يساوق إثبات نفاق بعض الصحابة بالمعنى الأصولي، أرجو التدقيق جيّداً؛ فإنّ القائل بعدالة الصحابة بالمعنى الأصولي يمكنه التمسّك بالعام لتعديل جميع الصحابة بالمعنى الأصولي لو ثبت له دليله، ولا يعارضه الدليل القرآني على ثبوت ظاهرة النفاق بين المسلمين في المدينة؛ لأنّه لا يُحرز شمول ذلك للصحابي بالمعنى الأصولي مصداقاً، فكيف يراد التمسّك بالعام عبر خاصٍّ لا يُحرز أصلاً شموله لأحد مصاديق العام، فلابدّ من إحراز هذا الشمول بدليلٍ آخر، ثم إجراء المقاربة القرآنيّة المذكورة هنا بهذه الطريقة، وهذا استنتاج بالغ الأهميّة في موضوع بحثنا هنا.
فأنت لو قلت: كلّ العلماء في هذه المدينة عدول، ثم قلت: بعض أهل هذه المدينة فاسقون، فهذا لا يُثبت فسق بعض العلماء، حتى نخصّص بدليلِ الفسق دليلَ التعديل، بل لعلّ العكس هو الصحيح؛ إذ يُخرج دليلُ التعديل العلماءَ من تحت دليل فسق بعض أهل هذه المدينة، ولعمري هذا واضحٌ ومطابقٌ للصنعة الأصوليّة.
بل ربما يقال ـ وهذا نطرحه بوصفه احتمالاً فقط ـ بأنّ تعبير (منافقون) الوارد في الآية رقم: 101، من سورة التوبة (وربما في بعضٍ غيرها أيضاً)، لا يراد منه المسلمون المنافقون، بل يُراد النفاق بالمعنى اللغوي، بمعنى وجود جماعات من غير المسلمين في المدينة ومِن حولها متلوّنون، فهم يتعاونون مع الخصوم، ولكنّهم يوحون للنبيّ بأنّهم متحالفون معه أو مهادنون، وهذا ما يشكّك في قدرة هذه الآية على إبطال فكرة عدالة الصحابة حتى بالمعنى الحديثي، ولعلّ قرينة ما ندّعي أنّ الآية لم تقل: وممّن حولك من الأعراب منافقون، بل قالت: ومّمن حولكم، ومرجع الكلام إلى الجماعة المسلمة أو المؤمنة، فيخرج عن الصحابي بالمعنى الحديثي، والقدر المتيقّن خروجه عنه بالمعنى الأصولي.
هذا، وقد يقال بأنّ هذا التفسير الأخير الذي احتملناه ـ خروج المنافقين عن كونهم من المسلمين ـ غير قويّ؛ لمعلوميّة الحديث عن نفاق بعض الأعراب من خلال آيات أخرى، مثل ما جاء في الآية: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الحجرات: 14)، فتأمّل.
قد تقول: إنّ مقتضى العلم الغيبيّ لرسول الله‘ أنّه يعرف هؤلاء المنافقين جميعاً، كيف والمعروف في المرويّات الإسلاميّة أنّ حذيفة بن اليمان كان يُرجع إليه في معرفة المنافقين، فكيف لا يكون النبيّ على علمٍ بذلك، فما معنى الحديث عن بقاء بعض الأفراد من المنافقين غير معروفين للنبيّ‘؟
ويجاب ـ بعد تخطّي مسألة صحّة مبنى العلم الغيبي بهذا الشكل للنبيّ، وهو ما لم يثبت عندي بدليل حاسم ـ بأنّ النبيَّ مأمورٌ بالعمل بالظاهر وترتيب الآثار على علومه الظاهريّة لا على العلوم الإشراقيّة اللدنية، ولهذا كان يقضي بالأيمان والبيّنات، فقد يعرف شخصاً بعلومه الخاصّة، لكن يكون مستوراً بحسب العلوم الظاهريّة، والعبرة بالظاهر كما هو واضح، وتُحمل الآية على العلوم الظاهريّة، وإن كان في نفسه بعيداً، فيكون الجواب المختار هو رفض مبنى العلم الغيبي النبويّ الشامل.
وأمّا مسألة حذيفة ـ مع أنّ بحثنا الآن قرآنيٌّ ـ فلا مانع من إرادة الغالب، لا معرفته بتمام المنافقين، علماً أنّ لها إشارات خاصّة في خصوص مسألة حادثة العقبة، سيأتي الحديث عنها.
نعم، ثمّة آية قرآنية قد تشير إلى معرفة النبي بأمر بعض من في قلبه مرض، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمّد: 29 ـ 31)، بناءً على أنّ (ولتعرفنّهم في لحن القول) غير مرتبطة بالجملة السابقة المعلّقة على المشيئة الإلهيّة، فتأمّل جيّداً.
ومع كون السياق السابق على هذه الآيات يقرّبنا من مفهوم النفاق، وبصرف النظر عن احتمال أنّ المراد بالآية غير المنافقين، لا تستطيع هذه الآيات إثبات معرفة النبيّ بجميع المنافقين قاطبةً من إخبارها بالمعرفة بلحن القول؛ لأنّ آية سورة التوبة أصرح في نفي العلم منها، فيكون المراد المعرفة الغالبة مع بقاء بعض من لا يعرفه النبيّ، أو يحمل الأعراب المنافقون وبعض أهل المدينة ممّن لا يعرفهم النبيّ على أنهم لم يكونوا يتواصلون معه، حتى يُلاحظ لحن قولهم فيعرفهم من خلاله، وبهذا يجمع بين الآيتين بناءً على حمل الثانية ـ سورة محمد ـ على المنافقين.
إذن، لا يوجد أيّ معطى قرآني يُثبت الانكشاف التامّ لتمام المنافقين، نعم سورة التوبة وغيرها تكشف حجماً كبيراً منهم ومن صفاتهم وأعمالهم، لكن لا موجب فيها يفضي بنا إلى ضرورة الالتزام بانكشافهم جميعاً، بل الشاهد القرآنيّ على عدم انكشافهم جميعاً كما جاء في سورة التوبة نفسها، لكنّ كلّ فكرة المنافقين لا تستطيع إثبات عدم عدالة بعض الصحابة بالمعنى الأصولي، إلا بعد إثبات نفاقه أوّلاً من دليلٍ آخر، فيعود الدليل في النهاية غير قرآنيّ، والمفروض أنّنا نقيم دليلاً قرآنيّاً على إثبات عدم عدالة بعض الصحابة، فلاحظ جيداً.
والنتيجة: إنّ الركن والعنصر الأوّل من عناصر الاستدلال القرآني على عدم عدالة بعض الصحابة، يمكنه أن يبطل نظريّة تعديل الصحابة بالمعنى الحديثي دون المعنى الأصوليّ، وهو عاجز ـ لوحده ـ عن إثبات حتى فسق صحابيّ واحد بالمعنى الأصولي، فإنّ غاية ما يمكن لدليل ظاهرة النفاق كلّها إثباته هو وجود منافقين في المسلمين، لكنّها لا تُثبت وجود منافقين في الملازمين للنبيّ والذين جالسوه لفترة معتدّ بها.
واُشير أخيراً هنا إلى أنّ بحثنا حتى الآن كان في المعنى الخاصّ لكلمة النفاق، وهي من أسلم ولم يؤمن ودخل جماعة المسلمين، أمّا المعنى العام للنفاق وهو بمعنى مطلق الشخص ـ ولو المؤمن ـ الذي قد يمارس النفاق والإخفاء، فهذا ما سنتعرّض له عند الحديث عن الكلمة الخامسة الآتية، تحت عنوان مطلق الانحراف السلوكي.
هـ ـ من النفاق الخاصّ إلى الانحراف السلوكيّ العام في التصوير القرآني
الكلمة الخامسة: بعد غضّ الطرف عن ظاهرة النفاق بمعناها الأخصّ نتّجه إلى ظاهرة ثانية، وهي ظاهرة الانحراف، على المستوى العملي، والتي تجامع النفاق بالمعنى الأعم.
الذي يبدو أنّ الآيات المتقدّمة تقدّم لنا حقيقتين:
الحقيقة الأولى: إنّ المجتمع المحيط بالنبيّ يعاني ـ على مستوى بعض أفراده ـ من بعض الاهتزازات والسلوكيّات، والصحابةُ لم يكونوا بمعزلٍ عن الوقوع في أخطاء أساسيّة على هذا الصعيد، كما شهدت الآيات المتقدّمة، ولا يوجد ما يؤكّد أنّ كلّ الصحابة تكاملوا خلال الفترة المدنيّة كي يبلغوا مرتبة الكمال، بحيث لا يخطؤون ولا يعصون ولا يرتكبون المعاصي والذنوب.
إنّ النصوص القرآنيّة المتقدّمة تؤكّد أنّ بين المسلمين والمجاهدين ومن كان حول النبيّ ـ الصحابي بالمعنى الأصولي فضلاً عن الحديثي ـ أشخاصٌ يقعون في المعاصي ويتأثرون بإغراءات الدنيا هنا وهناك.
ولابدّ لي هنا من التمييز بين مفاهيم:
أ ـ العصمة، فنحن لا نريد من هذه النصوص القرآنيّة أن تنفي لنا عصمة الصحابة، وإن كانت هي بالفعل نافية لذلك؛ والسبب هو أنّ أحداً من المسلمين لا يدّعي عصمة الصحابة، والكلام ليس هنا بالفعل، وهذا يعني أنّ أيّ محاولة استدلاليّة بهذه الآيات عبر صياغةٍ تريد نفي عصمة الصحابة، هي محاولة ـ وإن كانت صحيحة في نفسها ـ غير أنّها غير ضروريّة ولا تحقّق غرض النافي لعدالة الصحابة؛ لوضوح عدم عصمتهم.
ب ـ العدالة والفسق، هذا الثنائي مهمّ جداً لنا هنا لتوضيح الصورة، وذلك أنّ هناك تصويرين تاريخيّين للقضيّة يمكن فرضهما:
التصوير التاريخي الأوّل: أنّ بعض الصحابة فاسقٌ، بمعنى أنّه غير ملتزم بالشريعة أساساً، وكأنّنا نتصوّر بعض الصحابة كما نتصوّر بعض فسقة أهل زماننا، ممن يشربون الخمر ويرتكبون الزنا ويتركون الصلاة وغير ذلك، ووفقاً لهذا التصوير يريد المستدلّ بالنصوص القرآنيّة هنا أن يُثبت هذا الأمر.
إلا أنّ هذا التصوير لا تعطيه الآيات القرآنيّة المشار إليها؛ لأنّنا لو راجعناها، والمفروض أنّنا لا نعرف أنّها تحكي جميعاً عن شخص واحد أو جماعة معيّنة منحصرة بأسمائها، لوجدنا فيها أنّ بعض الصحابة وقع في معصية هنا أو هناك، ففي اُحُد تعرّض للإغراء فسقط، وفي حنين غرّتهم مظاهر القوّة فتهاونوا، وفي قضيّة الإفك استزلّهم الشيطان فوقعوا في الافتراء على بعض أمّهات المؤمنين، وهكذا، وهذا لا يُثبت كون هؤلاء الأفراد فسقة بالمعنى الأوّل هذا، بل يمكن أن يجتمع مع أشخاص متديّنين بالمعنى العام، غاية الأمر أنّهم سقطوا في معصيةٍ هنا أو هناك، يستحقّون عليها العقاب والعذاب.
التصوير التاريخي الثاني: إنّ بعض الصحابة غير عادل، بمعنى أنّ القرآن الكريم يخبرنا عن أنّ بعض الصحابة كانت تقع منه بعض المعاصي دون توبة، ومن ثمّ فهذه الصورة تناقض الصورة التي تقول بعدالة الصحابة؛ لأنّ القرآن الكريم لا يتحدّث عن حالة فرديّة واحدة، بل عن مجموعة حالات وقعت في عصر النبيّ، تؤكّد أنّ الصحابة كان منهم من يرتكب المعاصي بين الفَينة والأخرى على الأقلّ، الأمر الذي يجعلنا ـ وهو يصوّر لنا المشهد بهذه الطريقة ـ لا نستغرب بعد ذلك أنّهم وقعوا في المعاصي أيضاً بعد وفاة النبيّ، مما يناقض الصورة التي تحاول تنزيه كلّ صحابي عن الوقوع في معصية تخلّ بعدالته أو استغراب وقوعه في معصية كبيرة معيّنة هنا أو هناك، وكأنّ كلّ الصحابة في الفضيلة يحملون روحاً عالية تجعلنا نضطرّ لتنزيههم عن مثل هذه الأمور.
إنّ المشهد القرآني يبدّد من أمامنا مثل هذا التصوّر، وبالتالي فالصورة الصحيحة هي الصورة التي تقول بأنّ الصحابة منهم عدولٌ ومنهم أشخاص متديّنون بالمعنى العام للكلمة، لكنّهم غير منزّهين عن السقوط الأخلاقي، ولا يوجد ضمانات أخلاقيّة في حقّهم، ومن ثم لا ينبغي لنا حمل صورة عنهم تبالغ في سموّهم الأخلاقي والسلوكي، بل يُفترض أن نتوقّع منهم ـ جرياً على التصوير القرآني ـ وقوعهم هنا وهناك في معاصٍ أو انحرافات أخلاقيّة، تستحقّ العقاب والعذاب، فضلاً عن أخطاء.
وفي هذه الحال، لا يشجّعنا القرآن على حمل صورة عن الصحابة ترى أصالة عدالتهم، وأنّهم لو وقعوا لتابوا فوراً، كما يحصل مع المؤمن الصالح التوّاب، خاصّة وأنّ النصوص القرآنيّة السابقة لم تشر الى مثل هذا الأمر([232])، بل هو يصوّر بعضهم لنا أنّه يسقط أخلاقيّاً بالفعل، وعلى هذا الأساس فهذا المجتمع المحيط بالنبيّ يحمل جملة من السقطات الأخلاقيّة التي قد يقع فيها بعض المسلمين، وبعضها يبلغ مبلغاً كبيراً، وليس هفوةً أخلاقيّة بسيطة، فهل تجتمع الصورة التي قدّمها لنا القرآن الكريم عن ذلك المجتمع مع الصورة التي نسجناها نحن عن الصحابة لاحقاً؟
هنا يكمن التساؤل.. حاول تصوّر المشهدين ثم احكم بنفسك. وحاول أن تتلقّى الصورة القرآنيّة هنا بعيداً ـ في هذه المرحلة ـ عن دليل تعديل الصحابة، لترى أنّ هذه المجموعة من الآيات لا تصوّر لنا المجتمع المسلم الأوّل بتلك المثابة التي تصوّرناها لاحقاً، فلو أنّك قرأت هذه النصوص المتقدّمة هل ستستبعد أنّ بعض الصحابة كَذَبَ على النبيّ ووضع بعض الأحاديث ولو القليلة هنا وهناك لمصالح وقتيّة تناسبه؟ هل هذا بعيدٌ من شخص (أو أشخاص) شارك في إثم الإفك الذي رأيناه في آيات الإفك؟ وهل هذا بعيدٌ من شخص (أو أشخاص) يصفه القرآن بأنّه في قضيّة الأسرى يريد عرض الدنيا؟ ولماذا هو بعيد؟
إنّ تركيز القرآن في أكثر من موقع على أخطاء أو انحرافات بعض المسلمين هنا أو هناك، كأنّه يريد أن يرشدنا إلى تكوين صورة واقعيّة عنهم، وأنّ هذا المجتمع رغم صلاحه العام، لكنّه غير محميٍّ من انحرافٍ هنا وآخر هناك. إنّ تجربة حُنين يمكن أن تتكرّر، ويمكن أن يعيش المجتمع حالة الغرور أو الإدبار عن المهمات العظيمة.
الحقيقة الثانية: إنّ هذا المجتمع رغم زلاته وأخطاء بعض أبنائه وانحرافهم هنا وهناك، كان محلَّ العطف الإلهي على الدوام، وكان الله تعالى يتغاضى عما يحصل هنا وهناك أحياناً بعطفه على الجماعة، بصرف النظر عن هذا الفرد أو ذاك، وقد رأينا كيف أنّ بعض الآيات المتقدّمة تحدّثت عن عدم نزول العذاب عليهم رحمةً وحناناً من الله تعالى مع أنّها لم تذكر توبتهم، أو لكلمة سبقت من الله سبحانه، وربما تكون هي حالة الهداية الحقّة المتواصلة التي كانت تنتشر فيما بينهم، أو لوجود رسول الله فيهم جرياً على منوال قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: 33).
وربما يكون هذا العطف الإلهي؛ لأنّ هذا المجتمع هو مجتمعُ انطلاق الدعوة، فلو نزل العذاب على هذا المجتمع المدنيّ لتلاشت الدعوة وتهاوت، فغضّ الله الطرف عن بعض المعاصي الصادرة منهم في مقابل أفعالهم الأخرى ووقوفهم إلى جانب الرسول.
وحصيلة القول: إنّ الأدلّة المقدّمة قرآنياً على نظريّة عدم عدالة الصحابة أجمعين، تفيد عدم العدالة العامّة، لكن بالطريقة التي ذكرناها، وهي أنّ بين الصحابة ـ وفقاً للتصوير القرآني ـ جماعة ما، ولو غير متعيّنة، لا نملك ضمانات أخلاقيّة في سلوكها، فضميرها الديني ليس بتلك المثابة التي يحميها من السقوط أو يدفعها لتدارك السقوط فوراً، وإن كانت الحالة الغالبة فيهم هي الحالة الإيجابيّة.
إنّ مقتضى الجمع بين نصوص تعديل الصحابة المتقدّمة ومثل هذه النصوص إن لم توجب التقييد، فهي تُثبت صحّة فهمنا لنصوص تعديل الصحابة، وهي أنّها لا تفيد الشمول والاستيعاب المطلَقَين لكلّ صحابي بالمعنى الحديثي أو الأصولي، ولكلّ حالاته على امتداد عمره، بحيث يقال بعصمته عن الذنوب أو ما هو في قوّة العصمة، وبهذا نفهم الإطلاقيّة في نصوص المدح والتعديل دون أن نتأوّل النصوصَ التي بين أيدينا هنا.
2 ـ المستند الحديثي لعدم تعديل جميع الصحابة
كما هي نصوص الكتاب الناطقة ببعض الانحرافات أو النفاق في المجتمع الأوّل، كذلك هي نصوص الحديث، وسوف نذكر هنا بعض الروايات من باب المثال، وإلا فهي كثيرة:
2 ـ 1 ـ حادثة محاولة اغتيال النبيّ بالعقبة، تحليل وتقويم
الرواية الأولى: رواية محاولة اغتيال النبي‘ بالقائمة من العقبة في تبوك، فقد ذكر ابن حزم الظاهري روايةً تتحدّث عن أنّ بعض المسلمين، وفيهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، أرادوا قتل النبيّ‘ وإلقاءه من العقبة في تبوك([233]).
وهذه الرواية جاءت في دلائل النبوّة لأبي بكر البيهقي، من حديث محمد بن إسحاق، بسنده إلى حذيفة بن اليمان، قال: كنت آخذاً بخطام ناقة رسول الله‘ أقود به، وعمار يسوق الناقة، أو أنا أسوقه وعمار يقوده، حتى إذا كنا بالعقبة، فإذا أنا باثني عشر راكباً قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله‘ بهم، فصرخ بهم فولّوا مدبرين، فقال لنا رسول الله‘: «هل عرفتم القوم؟»، قلنا: لا يا رسول الله، قد كانوا متلثمين، ولكنّا قد عرفنا الركاب، قال: «هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟» قلنا: لا، قال: «أرادوا أن يزاحموا رسول الله‘ في العقبة فيلقوه منها»، قلنا: يا رسول الله، أفلا نبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كلّ قوم برأس صاحبهم؟ قال: «لا، أكره أن تتحدّث العرب بينها أنّ محمداً قاتل بقومٍ حتى إذا أظهره الله بهم، أقبل عليهم يقتلهم ـ ثم قال ـ اللهم أرمهم بالدبيلة»، قلنا: يا رسول الله، وما الدبيلة؟ قال: «شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك».
وجاءت هذه الرواية بأشكال متعدّدة، وأيّدها ابن كثير مائلاً إلى صحّتها، متعرّضةً بعضُ الروايات إلى أسماء غير ما ذكره ابن جميع([234]).
وبحسب الرواية التي يرجع مصدرها الرئيس إلى البيهقي في دلائل النبوّة، لم يرد ذكر هذه الأسماء، وإنما أسماء أخرى.
فهذه الرواية تدلّ على اختراق كبير في بُنية المجتمع الإسلامي من قبل المنافقين الذين بلغوا حداً أن صاروا هم زعماء المجتمع الإسلامي ووجوه المسلمين، فكيف يُلتزم مع هذا بعدالة جميع الصحابة، وفيهم من أراد قتل الرسول‘؟!
وحتى لو لم تصحّ رواية الأسماء المذكورة، يظلّ الاستدلال سارياً؛ لأنّ تعليق النبيّ على اقتراح طلب رؤوس هؤلاء من عشائرهم، يدلّ على أنّ هؤلاء كانوا من الصحابة وممّن قاتل مع النبيّ في حروبه واستعان بهم الرسول في إنفاذ أمر الدين.
وقد حاول ابن حزم الأندلسي ردّ هذه الرواية التي فيها الأسماء المذكورة بأنّها ضعيفة موضوعة؛ فإنّ في سندها الوليد بن جميع([235]).
إلا أنّ مراجعة مصادر الرجال والجرح والتعديل تعطي شيئاً مختلفاً، فالرجل مهمل الذكر عند الإماميّة، ولم نعثر على ترجمة له بينهم، لكنّه موثق عند أهل السنّة بشكل صريح([236]). نعم ذكر ابن حبّان ضعفَه والجرح به([237])، لكنّ السائد في مصادر الجرح والتعديل السنّية الأخذ برواياته. نعم، ليس هو من رواة الدرجة الأولى، لكنّه ورد في أسانيد سنن الدارمي([238])، وصحيح مسلم([239])، وسنن أبي داود([240])، وسنن النسائي([241])، ومستدرك الحاكم([242])، وسنن البيهقي([243])، وغيرها من المصادر الأخرى، فما ذكره ابن حزم لم يظهر وجهه، ولعلّه ضعّفه لأجل هذا الخبر، وإن كانت عبارة ابن حزم تفيد أنّ الوليد بن جميع لا يعلم من الذي وضع هذا الحديث، فغمز فيه بهذا، لا أنّه هو واضع الحديث، ومن ثمّ فإنّ ابن حزم لم يُشر لنا إلى جهة الضعف السندي في الرواية، فراجع.
من هنا، يُفترض النظر في هذا الحديث بعيداً عن الوليد بن جميع، لننظر في صحّته بصيغه الواردة:
أ ـ أمّا الصيغة التي ذكرها ابنُ حزم فلم أعثر عليها عند غيره، ولم يذكر سنداً إليها أساساً، فلا يستند إليها، لاسيما في مثل هذه التهمة العظيمة.
نعم، ورد في الرواية الشيعيّة بالسند إلى حذيفة بن اليمان أنّه قال: «الذين نفروا برسول الله ناقته في منصرفه من تبوك، أربعة عشر: أبو الشرور، وأبو الدواهي، وأبو المعازف، وأبوه، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة، وأبو الأعور، والمغيرة، وسالم مولى أبي حذيفة، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وأبو موسى الأشعري، وعبد الرحمن بن عوف، وهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾»([244]).
ولعلّ الأسماء الثلاثة إشارة إلى بعضهم، لكنّ هذه الرواية هي الأخرى ضعيفة السند بجهالة أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، إضافة إلى أنّ زياد بن المنذر الذي عاش في القرن الثاني الهجري يرويها بقوله: حدّثني جماعة من المشيخة، عن حذيفة، فيكون السند مرسلاً جداً.
وهناك كلام كلّي في هذا الموضوع في المصادر الشيعيّة الأخرى دون ذكر أسماء مع تلويح وإشارة([245])؛ وهو يرجع إلى الاحتجاج والتفسير المنسوب إلى العسكري، والسند ضعيف كما أشرنا مراراً.
وعليه، لا يمكن بمثل هذه الرواية الضعيفة السند، اتّهام شخص بمحاولة قتل النبي، وترتيب آثار جريمة بهذا الحجم في حقّه، مهما كانت الأفعال الأخرى التي صدرت منه، إن خيراً أو شرّاً.
ب ـ وأمّا الصيغة التي ذكرها البيهقي أو ما كان قريباً منها، ففيها أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد، ولم نعثر على توثيقٍ له، وفيها محمد بن إسحاق صاحب السيرة، وهو رجلٌ تدور حوله الكثير من الكلمات، وفيها أبو الإصبع عبد العزيز بن يحيى الحراني، ولم تثبت وثاقته.
لكنّ بعض أسانيد الخبر وثّق رجالها الهيثمي وغيره([246])، فلا يبعد تصحيح بعض أسانيد الحادثة مع عدم تحديد الأسماء.
لكن عندي هنا بعضُ التساؤلات، فالنبيّ في بعض مرويّات الحادثة طلب من الناس أن يسلكوا الوادي، وأخذ معه عماراً وحذيفة إلى العقبة، لماذا سلك النبيّ العقبة؟! ولماذا ترك المسلمين يسلكون بطن الوادي فيما صعد هو إلى العقبة؟! فلو كان عالماً بأمر المنافقين وأنّهم يريدون قتله، فلماذا صعد العقبة وأغراهم بذلك؟ وإذا لم يكن عارفاً يظلّ السؤال: لماذا ترك المسلمين وصعد العقبة وهو أمرٌ خلاف المتعارف؟!
ليس هناك من تفسير لذلك سوى أنّه كان يريد فضح أمر هؤلاء المنافقين، لكن ما الحاجة للصعود إلى العقبة؟ لقد كان بإمكانه أن يقول ذلك للمسلمين أو للخاصّة من المسلمين، ألن يصدّقه المسلمون؟! فما هو المبرّر لتعريض حياته للخطر ما دام الأمر على هذه الشاكلة؟! ثم هل فضحهم بعد الحادثة؟! وأين؟! لو فضحهم لتوافرت الدواعي لتناقل الفضح النبويّ لهم، فأين هي الأسماء؟!
ثم لديّ تساؤلٌ آخر: كيف يُعقل أن يكون هناك أربعة عشر شخصاً أو خمسة عشر أو اثنا عشر ـ على اختلاف الروايات ـ وهم عازمون على قتل النبيّ، ثم وبصرخة واحدة خافوا، فإذا كانوا غير مؤمنين بالله تعالى ولا برسوله، فما الذي أخافهم؟ هل خافوا أن ينكشف أمرهم فلقد كان بإمكانهم قتل النبيّ وصاحبَيه فلماذا لم يفعلوا ذلك؟ وهل الصراخ ينفع في حالٍ من هذا النوع؟ والغريب أنّ بعض المرويّات تبيّن أنّ حذيفة هجم عليهم، وأنّهم ظنّوا أنّ مكرهم قد بان فخافوا ورجعوا، ولست أدري ألم يكن بإمكان أربعة عشر رجلاً أن يقتلوا حذيفة وعماراً ثم يقتلوا النبيّ‘؟! لا فرق في قتل النبي بين رميه عن الناقة وقتله بالسيف مع رفيقيه، فإذا كان الرمي عن الناقة يُبقي الأمر مستوراً فكيف يُعقل ذلك ومع النبيّ رجلان يريان ذلك ويعرفان أنّه رُمي رمياً وقتل، وإذا كان الأمر بالقتل مطلقاً فلماذا لم يفعلوا ذلك؟!
إنّ حيثيّات القصّة لا تبدو لي واضحة، إلا أن يقال بإعجازٍ إلهيّ بحيث ألقى الله الرعب في قلوبهم وأفقدهم توازنهم فرجعوا.
بل يمكن أن نتساءل مجدّداً: إذا كان النبيّ قد عرف أمر هؤلاء بالفعل بوحي من الله، فلماذا لم يفضحهم، حتى لو لم يُرد قتلهم؟ لماذا في بعض النصوص أسرّ النبيّ لحذيفة بهم؟ أليس مأموراً بالغلظة على المنافقين إذا كانوا من المنافقين والمفروض أنّ الحادثة وقعت بعد تبوك، والنبيّ كان مأموراً حينها بمجاهدة المنافقين والغلظة عليهم؟ أليس في كشف هذه المجموعة ضرورة أمنيّة وجوديّة عالية للمجتمع الإسلامي حتى لو لم يكونوا من المنافقين بالمعنى الأخصّ؟ كيف يمكن أن نفسّر سكوت النبيّ عن هذا الموضوع خاصّة إذا كان هؤلاء من وجوه المهاجرين والأنصار؟ هل انتبه النبيّ فجأة إلى انحراف هؤلاء ولم يكن على علم مسبق بهم؟ وهل انحرفوا فجأة عن جادّة الحقّ بحيث بلغت بهم الحال إرادة قتل النبيّ؟ وأين تمهيد النبيّ قبل سنوات في فضح هذه المجموعة لو كان على اطّلاع على حالها؟ وأيّ قيادة حكيمة لا نجد لديها تركيزاً على فضح مجموعة خطرة وحسّاسة من هذا النوع، مع أنّ التجربة النبويّة لم تألُ جهداً في فضح المنافقين والضغط عليهم مع المخاطر التي تصاحبها هذه الحال؟ كيف ونحن نتكلّم هنا عن أواخر المرحلة المدنيّة وقوّة النبيّ ونفوذه كانا قد أصبحا كبيرين في هذه المرحلة.
يُضاف إلى ذلك كلّه، أنّ الرواية هنا اضطربت، حيث ورد ذكر أسماء أشخاص مختلفين في الروايات، ففي بعضها أسماء لجماعة من المهاجرين والأنصار، وفي بعضها أسماء لجماعة كلّهم من الأنصار، وفي بعضها كلام حول المنافقين، وهكذا.
وعلى أيّة حال، فالوثوق بهذه الحادثة مشكل، لكن من مجموع نصوصها والقاسم المشترك بينها ـ والحجّة للخبر الموثوق ـ يمكن أن يثق الإنسان بوقوع محاولة لاغتيال النبيّ دون تحديد طبيعة الأشخاص الذين حاولوا اغتياله، وهل هم من الكافرين أو المنافقين المتمايزين عن مجتمع المؤمنين أو أنّهم من المؤمنين؟ وهل أنّهم من الصحابة (بالمعنى الأصولي) ومن المهاجرين والأنصار أو لا؟
ومن ثمّ فالاستناد لهذه الحادثة في التوصّل إلى شيء هنا يبدو لي صعباً، خاصّة بناء على القول بتعديل عنوان الصحابي بالمعنى الأصولي أو عنوان المهاجرين والأنصار أو عنوان المبايعين تحت الشجرة، حيث لا يُحرز من هذه الرواية أنّ من حَاوَل الاغتيال مصداقٌ لهذه العناوين، فلا يمكن أن تحول هذه الرواية دون شمول تلك العمومات والعناوين لمصاديقها الخارجيّة([247]).
2 ـ 2 ـ حديث الحوض، تقويم المحاولات الدفاعيّة
الرواية الثانية: النبويّ المشهور باسم حديث الحوض، عن أبي سعيد الخدري، قال: «فأقول: أصحابي أصحابي، فقيل: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، قال: فأقول: بعداً بعداً، أو قال: سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي»([248]).
وفي صيغةٍ أخرى، برواية أنس بن مالك وأبي بكرة وابن مسعود وحذيفة، عن النبي‘ قال: «ليردنّ الحوضَ عليَّ رجالٌ، حتى إذا رأيتهم رفعوا إليّ فاختلجوا دوني، فلأقولنّ: يا ربّ! أصحابي أصحابي، فيُقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»([249]).
وفي صيغة ثالثة، عن ابن عباس، عن النبيّ‘ قال: «إنّكم تُحشرون حفاةً.. وأنّ أناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم..»([250]).
وفي صيغة رابعة: «أنا فرطكم على الحوض، ولأنازعنّ أقواماً، ثم لأغلبنّ عليهم، فأقول: يا ربّ أصحابي أصحابي، فيُقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»([251]).
وقد وردت هذه المضامين في روايات أخرى عديدة، جاء فيها تصغير أصحابي، أي «أصيحابي أصيحابي»، مكرّرةً أو غير مكرّرة([252]).
فهذا الحديث دالّ على تردّي حال بعض أصحاب النبيّ بعد وفاته، فكيف يُلتزم بعدالتهم جميعاً إلى آخر أيّام وفاتهم؟!
وثمّة محاولات دفاعيّة ذكرها بعض علماء أهل السنّة هنا، أبرزها:
المحاولة الأولى: إنّهم أهل الردّة، وأنّه لذلك قال فيهم تعبير: سحقاً سحقاً، وهو ما لا يقال في مذنبي الأمّة؛ إذ يشفع لهم ويهتمّ لأمرهم([253]).
ولعلّ منطلق هذه المحاولة هو ورود تعبير (مرتدين) في بعض صيغ حديث الحوض، كما تقدّم.
لكنّ هذه المحاولة غير واضحة؛ فلعلّ الجرم الذي فعلوه بعد وفاة النبيّ كان عظيماً، وذنبهم كبير جداً حتى حيل بين النبيّ وبين الشفاعة، ولا دليل على أنّ النبيّ لابدّ أن يشفع بالضرورة لكلّ مذنبي أمّته، فهذا الإطلاق غير واضح، وقد يقال بأنّ الانقسام الذي فعله بعض الصحابة بالأمّة المسلمة كان كبيراً سبّب تشظّي الأمّة إلى يومنا هذا، فلعلّ خطورة الحدث استثنتهم من الشفاعة، فلم يقدر النبيّ على أن ينالهم بشفاعته.
ولا موجب لحمل تعبير الارتداد على المعنى الفقهي، بل يُحمل على المعنى اللغوي وهو الرجوع والتخاذل والتخلّف، بل لو كان المراد هنا أهل الردّة، فهذا معناه أنّ بعض الصحابة قد ارتدّوا بعد النبيّ، فإذا جوّزنا أن يرتدّ صحابيٌّ (والحديث يعبّر بأصحابي) بعد النبيّ، ألا يكون ذلك خَرْقاً لقانون عدالة الصحابة؟ ألا يعني أنّه يمكن أن يفسُق الصحابي بعد النبيّ؟! وهل هناك فرقٌ بين الأمرين؟ ولماذا جاز الأوّل ولم يجز الثاني؟!
المحاولة الثانية: إنّ التصغير الوارد في الحديث «فيه إشارة إلى قلّة عدد من وقع لهم ذلك، وإنما وقع لبعض جفاة العرب، ولم يقع من أحدٍ من الصحابة المشهورين»([254]).
وهذا الكلام غير دقيق؛ وذلك:
أوّلاً: إنّ الحديث لم يرد بلفظ (أصيحابي) فقط، بل ورد كثيراً أيضاً ـ كما تقدّم ـ بلفظ (أصحابي)، فلا داعي لحصر البناء على إحدى الصيغتين، بل لابدّ من تقديم جواب عن الصيغة الأخرى والموقف منها.
ثانياً: سلّمنا، لكنّ التصغير الذي فهم منه التقليل، لا يلازم كون أولئك الأصحاب من جفاة العرب دون مشهوري الصحابة إلا بمقدّمة خارجيّة، وإلا فالحديث من حيث ذاته يفيد انحراف عدد ـ ولو قليل ـ من الأصحاب عن جادّة الحق بصرف النظر عن تحديدهم، فتتساوى نسبته إلى المشهورين من الصحابة وغيرهم.
لكنّ الإنصاف أنّ (أصيحاب) جمع (أصيحب)، فالتقليل في الصحابي والصحبة، لا في العدد، فلا ترد هذه المناقشة.
ثالثاً: بصرف النظر عما تقدّم، فهذا إقرار بانخرام قاعدة عدالة جميع الصحابة، ولو على مستوى صغار الصحابة ومهمّشيهم.
هذا، إذا لم يُقصد من هذا كلّه العود إلى الجواب الأوّل، وقد تقدّم مع الردّ عليه.
المحاولة الثالثة: أن يُقصد بهؤلاء (المنافقون)، ويكون النبيّ خاطبهم على ظاهر الإسلام، ويكون المراد من الإحداث بعده بأنّك ـ يا محمّد ـ لا تدري عدم بقائهم على ظاهر الإسلام بعدك، ولم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه([255]).
وهذه المحاولة يُسجّل عليها ما سجّلناه على سابقاتها، من أنّ فيها تأوّلاً وتحكّماً بلا دليل، وهي على خلاف الظاهر عرفاً من الحديث، فإنّ المنافقين لا يؤسف عليهم حتى يصرخ النبيّ ويسأل عنهم يوم القيامة، ولو كان كذلك فلماذا جاء اللوم من حيث ما فعلوه بعده، مع أنّ النفاق في حياة النبيّ ربما يكون أخطر وأسوأ منه بعده، فما الجديد الذي فعلوه بعد وفاته حتى يخصّ بالذكر؟ هذا ولعلّه يقصد عين ما في المحاولة الأولى وقد تقدّم الجواب عنها.
يُضاف إليه أنّ الصحابي والصحابة والأصحاب في تعريف أهل السنّة الأصوليّين والمتقدّمين مشروطٌ بالإسلام وعدم النفاق، فكيف ارتفع هذا الشرط في هذا النصّ هنا؟! وكيف صحّح النبيّ لنفسه إطلاق هذا الوصف على من يفترض أن يكون خارج هذا العنوان لغةً أو عرفاً أو شرعاً؟!
نعم، الصحابي ـ على رأينا ـ لغةً وعرفاً غير مشروط بهذه الشروط الدينيّة؛ إلا إذا قيل بأنّه غير مشروط، خرج المنافق تخصيصاً بدليل، لا تخصّصاً، عن عموم قاعدة عدالة الصحابة أجمعين، لا عن دلالة العنوان في نفسه لغةً أو عرفاً، ولعلّه الأقرب، وسوف يأتي الكلام عن الخروج التخصيصي عند الحديث عن علاقة أدلّة التعديل بأدلّة عدم التعديل، فانتظر.
المحاولة الرابعة: أن يراد بهؤلاء أهل البدع والكبائر من أمّته ممّن مات على الإسلام، ولا يُقطع بدخولهم النار؛ لجواز أن يذادوا عن الحوض، أو لا عقوبة لهم ثم يرحموا، وعلى هذا لا فرق بين أن يكونوا في زمن النبي أو بعده([256]).
وهذا التخريج أيضاً غير مناسب، فإنّ توصيف من بعده بأنّه من أصحابه، خلاف المدلول اللغوي والعرفي للكلمة، فلا يُطلق الصاحب على أحد المسلمين اللاحقين من أمّة النبيّ محمد‘، ولو كان هذا المراد لقال: أمتي أو من أمتي، ففي هذه المحاولة تحكّم أيضاً.
يُضاف إلى ذلك أنّ الحديث عن رحمتهم فيما بعد ينافي سياق الحديث المقامي؛ فإنّ سكوت النبيّ على هذا المقدار من الكلام مع مناداته بأصحابه تعبير عن انقطاع الصلة بهم، وأنّ المفترض أن لا يكون هناك كلام عنهم، ولو أنّهم رُحموا بعد ذلك أو شفع لهم الرسول، لما كان من المناسب لبيان حال هذا الفريق من الناس الوقوف عند هذا المقدار من بيان حالهم.
على أنّ مقتضى إطلاق الحديث الشمول للمعاصر للنبي وسواه، ولا معيّن لخصوص غير المعاصرة، إلا إذا خصّص الحديث بأدلّة عدالة الصحابة، وهذا أمرٌ آخر حيث المفروض أنّنا ننظر في دلالة الحديث في نفسه، إلا إذا قيل بأنّه لا يستطيع في هذه الحال إثبات أنّ المجموعة هي من الصحابة بالمعنى الحديثي أو الأصولي.
المحاولة الخامسة: وهذه المحاولة تعبّر عن بدايات نقد متن على مستوى هذا الحديث، فقد ذكر العيني ما نصّه: «فإن قلت: كيف خفي عليه حالهم مع إخباره بعرض أمّته عليه؟ قلت: ليسوا من أمّته، وإنّما يعرض عليه أعمال الموحّدين لا المرتدين والمنافقين..»([257]).
هذا الكلام تقدّم الجواب عن فرضية النفاق فيه، نعم فرضيّة الارتداد تتحمّلها بعض صيغ هذا الحديث من حيث تعبيرها بأنّهم ارتدّوا بعدك القهقرى أو ارتدّوا على أدبارهم أو أعقابهم، فهذا النوع من التعابير يمكن أن يتحمّل هذا المعنى بصرف النظر عن صغرى الارتداد وموارد تحقّقها.
وأمّا تعارض هذه الرواية مع الروايات الدالّة على عرض الأعمال عليه، فيمكن تطويره من ناحيتين أيضاً:
الناحية الأولى: التعارض الواقع بين هذه الرواية وبين نظريّة العلم اللدني الإشراقيّ للنبي، لاسيما بعد فراقه الدنيا وبعد الدخول في عالم الآخرة، حيث يُفترض على هذه النظريّة أن يكون النبيّ مطلعاً على حال فلان وفلان من أمّته وغيرهم، فكيف تتحدّث الرواية عن عدم علمه بما أحدثوه بعده؟!
ولا مجال هنا لفرض حلّ هذه المعضلة بثنائيّة: العلم الواقعي والعمل بالوظيفة الظاهرية كما أسلفنا سابقاً؛ لأنّ المقام هو مقام الواقع والثواب والعقاب وعالم الآخرة لا الدنيا، فلا معنى لفرض هذا التمييز هناك.
الناحية الثانية: إنّ نفس الرواية شاهدٌ على ذلك، حيث يُخبر النبي في الدنيا بأنّ قوماً من أصحابه سيحصل بهم كذا وكذا، وسوف يرتدّون أو ينحرفون عن سبيل الهدى والخير، وعليه فلماذا يستغرب هناك حالهم، وينادي عندما يؤخذ ببعضهم ذات الشمال مع أنّه اليوم يخبر بحال ذات الشمال في الآخرة؟!
إنّ هذا ما يضع الحديث أمام علامة استفهام نقديّة متنيّة قد تبلغ درجة التشكيك في أصل صدوره، يُضاف إليها الاختلاف الموجود في صيغ الحديث بين أصحابي وأصيحابي، إلى غير ذلك من العبارات والكلمات.
هذه الإشكالية يمكن حلّ بعض مفاصلها، كالآتي:
أ ـ إنّ الرواية تعني استغراب النبيّ لأخذ هذه المجموعة إلى النار أو الشمال، فقد لا يكون استغرابه لأصل ذهاب مجموعةٍ، وإنّما لهذه المجموعة أو تلك، فليس في مقام استغراب أصل ذهابهم وإنّما ذهاب أعيانهم، وإخباره بأنّهم سيُحدثون بعده لا يساوق علمه بما أحدثوا، والرواية تنفي علمه بما أحدثوه لا أصل وجود الإحداث بعده؛ لأنها قالت بأنّه لا يدري ما أحدثوا بعده، لا أنّه لا يدري أنّهم أحدثوا بعده.
وإن كان في هذا الحلّ كلّه نظر.
ب ـ إنّ الاختلاف الموجود في صيغ الحديث كثيرٌ منه طفيف، وأمّا الاختلاف الأساسيّ فيمكن تعقّله في سياق صدور هذا الحديث من الرسول أكثر من مرّة، وبتوضيحات مختلفة، فهذه ليست رواية لحادثة واحدة حصلت، وإنما لنصّ قد صدر، وربما يكون صدر مرّةً واحدة، وربما يكون قد صدر متعدّداً، لاسيما وموضوع هذا الحديث مهمّ جداً ويخبر المسلمين بأمرٍ عليهم أن يحتاطوا فيه، فيعقل تكرّر صدوره في عدّة مناسبات من النبي.
إلا أنّه مع ذلك، يظلّ هذا الحديث يُعارض كلاً من أخبار عرض الأعمال على رسول الله ونظريّة العلم النبويّ، ولا مفرّ من إشكاليّة التعارض هذه إلا بسبيلين:
السبيل الأوّل: إنكار هاتين النظريّتين، بادّعاء أنّه لا يوجد دليل واضح على عرض أعمال أمّته عليه، بمعنى عرض عمل كلّ فرد فرد، وإنّما بمعنى عرض أعمال الأمّة بما هي أمّة، وأخبارها بما هي أمة وجماعة، والآية القرآنية المعروفة: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..﴾ (التوبة: 105)، لا تفيد معنى العرض التفصيلي المدّعى هنا([258]).
وكذلك بإدّعاء بطلان نظريّة العلم النبوي العريض، ولو لمخالفتها لظواهر القرآن الكريم وبعض الأحاديث أيضاً.
فإذا أبطل شخصٌ هاتين النظريّتين، أمكنه الخروج بسهولة من الإشكال المتني المشار إليه، وإثباتهما أو إنكارهما موكولٌ إلى محلّه.
السبيل الثاني: ادّعاء أنّ هذه الرواية وأمثالها مجرّد قصّة تشبيهيّة للحال التي ستكون في الآخرة، فلن يحصل مثل هذا في الآخرة، كلّ ما في الأمر أنّ الرسول يريد أن يُخبر المؤمنين بأنّ بعضكم سوف ينحرف في غيابي وبعد وفاتي، وأنّ هذا الأمر يؤلمني، فأنا قلبي عليكم وأسأل عنكم ويهمّني حالكم، لكنّ ما أعرفه عنكم بعد رحيلي سوف يؤذيني، فاحذروا ثم احذروا..
هذه هي روح الرسالة التي قُرّبت بقصّة خياليّة عن حدثٍ سوف يكون على الحوض أو في أيّ مقام آخر في الآخرة، فهذا أشبه شيء ببعض القصص القرآني الذي قيل ـ من قبل بعضٍ ـ بتمثيليّته مثل قصّة آدم وحواء وإبليس والخروج من الجنّة.
وليست اللغة العربية بالآبية عن مثل هذه البيانات، فإذا قُبِلَ مثل هذا، حُلّت المشكلة المتنيّة بشقوقها الثلاثة، وإلا أشكل تصديق هذا الخبر حتى لو صحّ سنده، فإنّ صحّة السند ليست نهاية الطريق بل بدايته.
والمتحصّل: إنّ ما يبدو لنا أنّ حديث التبديل والإحداث بعد الرسول يهدم إطلاقيّة نظريّة عدالة الصحابة، بل هناك العديد من الروايات الأخرى التي تتحدّث عن دفع بعض أصحاب النبيّ عن الحوض يوم القيامة وردت في الصحيحين وغيرهما، وقد ذكر القندوزي أنّها تبلغ تسعة أحاديث في صحيح مسلم وثمانية في صحيح البخاري، وغيرهما من المصادر أيضاً([259]).
هذا، وإنّ الأحاديث الواردة في هفوات هذا الصحابي أو ذاك، وفي ذمّ النبي لهذا أو ذاك ليست بالقليلة، فتعضد بعضها بعضاً، ويعضد جميعُها حديثَ الحوض في فكرته الرئيسة.
2 ـ 3 ـ نصوص التنافس والتبديل والإحداث والتضييع
الرواية الثالثة: خبر عقبة بن عامر، عن رسول الله‘، أنّه قال: «.. إني فرط لكم، وأنا شهيدٌ عليكم، وإنّي والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإنّي أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض، وإنّي والله ما أخاف أن تُشركوا بعدي، ولكنّي أخاف عليكم أن تنافسوا فيها»([260]).
وفي بعض المصادر أضيف في آخرها: «وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم»([261])، وفي بعض المصادر: «ولكنّي أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها فتفشلوا فتهلكوا..»([262]).
فهذا الحديث يدلّ على خوف الرسول عليهم من التنافس والاقتتال والهلاك كحال الأمم السابقة، فلو كانت نظريّة عدالة الصحابة قائمة لعَلِمَ بها النبي، فكيف كان يخشى الذي خَشِيَه؟!
إلا أن يقال: إنّ حديثه هنا عن الأمّة الإسلاميّة، لا عن المخاطبين الذين يشافههم بالخطاب، فلا يكون في الحديث كثير دلالة.
الرواية الرابعة: خبر أبي هريرة، عن النبي‘: «إنّكم ستحرصون على الإمارة، وستصير ندامة وحسرة يوم القيامة، فبئست المرضعة، ونعمت الفاطمة»([263]).
فهذا كلام واضح من النبيّ على قضايا التنازع في الإمارة بعده، فلو كانوا عدولاً فاضلين، فعلى ماذا الحسرة والندامة؟! إلا إذا قصد بالخطاب الأمّة لا خصوص الصحابة المشافهين بالخطاب هذا.
الرواية الخامسة: خبر عمر بن عبيد الله، أنّه بلغه أنّ رسول الله‘ قال لشهداء اُحُد (هؤلاء أشهد عليهم)، فقال أبو بكر الصدّيق: ألسنا يا رسول الله بإخوانهم، أسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول الله‘: «بلى، ولكن لا أدري ما تُحدثون بعدي»، فبكى أبو بكر، ثم بكى. ثم قال: أئنّا لكائنون بعدك؟([264]).
والخبر دالّ على عدم وجود ضمانات عند النبي بحال أصحابه بعده، فلو كانوا عدولاً جميعاً ـ بالمعنى الذي تطرحه نظريّة عدالة الصحابة السائدة ـ لما كان هناك معنى لهذا السياق كلّه.
إلا إذا قيل بأنّ هذا الحديث صدر بعد اُحُد، وربما لم تكن آيات تعديل الصحابة قد نزلت بعدُ، أو يقال بأنّه حديثٌ عن الأمّة المسلمة كلّها.
والخبر مرسلٌ، لكن قال ابن عبد البر: «هذا حديثٌ منقطع لم يُختلف عن مالك في انقطاعه، وقد روي معناه مسنداً متصلاً من وجوه، من حديث عقبة بن عامر، وحديث جابر، وحديث أنس وغيره»([265]).
الرواية السادسة: خبر سهل بن سعد الساعدي، أنّه قال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقال: ما أجزأ منّا اليوم أحد كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما إنّه من أهل النار»، فقال رجلٌ من القوم: أنا صاحبه، قال فخرج معه كلّما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجرح الرجل جرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابة (وذبابه ـ ذبابته) بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه، فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أنّك رسول الله، قال: «وما ذاك؟»، قال: الرجل الذي ذكرتَ آنفاً أنّه من أهل النار فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحاً شديداً، فاستعجل الموت، فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابة بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «إنّ الرجل ليعمل عمل أهل الجنّة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإنّ الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنّة»([266]).
فهذا الحديث يعطي أنّ الرجل يجاهد مع النبيّ ولكنّه كان يبدو صالحاً فيما نهايته سيئة جدّاً، فكيف نعرف أنّ كلّ صحابيّ عادل إذا كانت هذه حال بعض من هو مجاهدٌ مع النبيّ، بحيث ظنّه المقرّبون من النبيّ من أهل الجنّة؟!
وقد حاول ابن الجوزي أن يعتبر هذا الرجل من المنافقين([267])، لكنّ هذا لا ينفع بل يزيد الأمر سوءاً، كما هو واضح.
وهذا الخبر الصحيح الإسناد عند جمهور أهل السنّة، ربما يمكنني أن أثير تساؤلاً حوله، وهو أنّني لم أجد تفسيراً منطقيّاً لذهاب هذا الرجل خلف ذاك يتبعه حتى وقعت تلك الحادثة التي انتحر فيها وكأنّه يعلم بأنّها سوف تقع معه! إنّ هذا العمل غريبٌ حقّاً، فهل أنّك لو سمعت النبيَّ يقول بأنّ فلاناً من أهل النار فسوف تتبعه لترى؟ وماذا كنت تتوقّع أن ترى في تتبّعٍ لا يطول عادةً أكثر من ساعات؟ وهل كان هذا يتوقّع أن ينكشف له أنه من أهل النار بتتبّعه له في ساحة الحرب؟ يبدو لي الموضوع أقرب إلى (الفبركة) منه إلى الواقعيّة، والعلم عند الله.
الرواية السابعة: خبر قيس، قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا الذي صنعتم في أمر (على ـ عليّ) أرأياً رأيتموه أو شيئاً عهده إليكم رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم شيئاً لم يعهده إلى الناس كافّة، ولكنّ حذيفة أخبرني عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: قال النبيّ: «في أصحابي إثنا عشر منافقاً فيهم (أربعة) ثمانية لا يدخلون الجنّة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط، ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة، وأربعة» لم أحفظ ما قال شعبة فيهم([268]).
فهذا الحديث صريح في أنّ من أصحاب النبيّ من هو منافق، ومع هذا التصريح كيف يمكن القول بعدالة جميع أصحاب النبيّ، والمفروض أنّ الخبر صحيح الإسناد.
وهذه الرواية تشبه طريقة تطبيق الصحابيّ زيد بن ثابت، عنوانَ المنافقين على بعض أصحاب النبيّ، وذلك في الرواية المرويّة عنه في نزول قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾: «رجع ناسٌ من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، من اُحُد، وكان الناس فيهم فرقتين: فريق يقول: اقتلهم، وفريق يقول: لا، فنزلت: فما لكم في المنافقين فئتين»([269]).
فلاحظ كيف لم يجد زيد بن ثابت أيّ مشكلة في إطلاق وصف أصحاب النبيّ على الراجعين من اُحد، وفي الوقت عينه انطباق الآية عليهم، وهذا يعني أنّ بعض من يوصف بأنّه من أصحاب النبيّ يمكن أن يكون منافقاً، وأنّ الصحابة أنفسهم لم يكونوا يشعرون بأيّ تناقض بين الأمرين.
ومن هذا النوع أيضاً رواية إياس (بن سلمة)، قال: حدّثني أبي، قال: عُدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم رجلاً موعوكاً، قال: فوضعت يدي عليه، فقلت: والله ما رأيت كاليوم رجلاً أشدّ حرّاً، فقال نبيّ الله صلى الله عليه وسلّم: «ألا أخبركم بأشدّ حرّاً منه يوم القيامة، هذينك الرجلين الراكبين المقفيّين»، لرجلين حينئذ من أصحابه([270]).
فإذا أرجعنا الضمير في (أصحابه) إلى النبيّ، فسيكون النبيّ ناصّاً على فسق اثنين من أصحابه هو، مع إطلاق هذا الوصف دون إحساسٍ بالتناقض من قبل والد إياس، فكيف نتكلّم عن تعديل جميع أصحاب النبيّ ودخولهم الجنّة؟!
وأمّا محاولة الإمام النووي الخروج من مشكلة هذا الحديث بالقول: «سمّاهما من أصحابه؛ لإظهارهما الإسلام والصحبة، لا أنّهما ممن نالته فضيلة الصحبة»([271])، فهو تأوّل، وحملٌ للفظ على غير ظاهره؛ إذ ظاهره أنّه يصفهما بالصحبة بنفسه، لا أنّه يستخدم التوصيف مجازاً بادّعائهما الصحبة، بل لو كانت العدالة ثابتة في ذهنه لما صحّ منه الانصياع لادّعائهما الصحبة والخضوع لهذا التوصيف المتنافر مع الفسق.
وإذا أخرجنا هذه الحالات لكونها ثابتة بدليل، فهذا يعني أنّ من حقّ الآخرين أن يدّعوا بأنّ لديهم أدلّة خاصّة تُثبت عدم عدالة بعض الصحابة وتُخرجهم عن تحت هذا التعديل، الأمر الذي ينتج عدم عدالة بعض الصحابة.
نكتفي بهذا القدر، وهناك نماذج أخرى من الأحاديث في مصادر الفريقين، تدلّ على عدم عدالة بعض الصحابة، وليس بحثنا معقوداً على الإطالة فيها، وغالبها يتصل بهذا الصحابي أو ذاك، ويرتبط بنصّ قرآني أو نبويّ، مثل قصّة الوليد بن عقبة الذي حكم القرآن الكريم نفسه بفسقه في الحادثة الشهيرة المرويّة، والذي روي أنّه صلّى الصبح بالناس بالكوفة أربعاً من السُكر، وشرب قدامة بن مظعون للخمر، أو ما جرى مع مروان بن الحكم وطرد الرسول له حتى عُرف بذلك، والعديد من الأحداث الأخرى التي تشير إلى تقاتلهم أحياناً كما جرى في أسباب نزول آية البغي من سورة الحجرات، فهذا كلّه لا يساعد على مفهوم عدالة الصحابة بالصورة التي يطرحها أنصار هذه النظريّة.
2 ـ 3 ـ فكرة التبديل والتغيير في أدبيّات الصحابة أنفسهم
إنّ نوعاً من التناغم بين هذه النصوص المتقدّمة وبين نصوصٍ تُنقل عن بعض الصحابة، تعطي إيحاءً بارتكاز فكرة التبديل والتغيير عند بعض الصحابة بعد وفاة النبيّ، وسأنقل بعض العيّنات سريعاً لمزيد تأكيد، استكمالاً للبحث الحديثي هذا:
الرواية الأولى: خبر العلاء بن المسيب، عن أبيه، قال: لقيت البراء بن عازب ـ رضي الله عنهما ـ فقلت: طوبى لك، صحبت النبيّ‘، وبايعته تحت الشجرة، فقال: «يا ابن أخي، إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده»([272]).
فإذا كان البراء بن عازب ممّن بايع تحت الشجرة وحضر مواقع نزول آيات تعديل الصحابة، فلماذا علّق بهذا التعليق؟ ولماذا لم يُعطِ السائل مجال المدح له ولأمثاله؟ هذا يكشف عن أنّه لم يكن يفهم من نصوص الكتاب والسنّة شيئاً عن نظريّة تعديل جميع الصحابة بهذا العرض العريض.
الرواية الثانية: خبر غيلان، عن أنس، قال: «ما أعرف شيئاً مما كان على عهد النبيّ‘»، قيل: الصلاة، قال: «أليس ضيّعتم ما ضيّعتم؟»([273]).
والخبر دالّ على اعتقاد أنس بأنّه قد ضُيّعت السنن والأحكام بعد النبيّ.
لكنّ الاستدلال به غير صحيح؛ فإنّ أنس بن مالك توفّي على المعروف عام 93هـ، فيمكن أن يكون صدر هذا منه في النصف الثاني من القرن الهجري الأوّل، والصحابة آنذاك نزرٌ يسير جداً، وهو يتكلّم عن مسلمي العصر الأموي، فلا ربط للرواية بما نحن فيه.
الرواية الثالثة: خبر إسماعيل بن قيس، قال: قالت عائشة عند وفاتها: «إنّي قد أحدثت بعد رسول الله’، فادفنوني مع أزواج النبيّ‘»([274]).
وفي صيغةٍ أخرى للخبر وردت مرسلةً أنّه قيل لها: ندفنك مع رسول الله‘؟ فقالت: «إنّي قد أحدثت بعده، فادفنوني مع أخواتي»، فدُفنت بالبقيع([275]).
وفي خبرٍ ثالث صحّحه الحاكم النيسابوري على شرط الشيخين، عن قيس بن أبي حازم، قال: قالت عائشة رضي الله عنها، وكان تحدث نفسها أن تدفن في بيتها مع رسول الله’ وأبي بكر، فقالت: «إنّي أحدثت بعد رسول الله‘ حدثاً فادفنوني مع أزواجه»، فدُفنت بالبقيع([276]).
وقد فسرّ الذهبي الحدث هنا بأنّها كانت تعني يوم الجمل، فإنّها ندمت ندامةً كليّة، وتابت من ذلك، على أنّها ما فعلت ذلك إلا متأوّلةً قاصدةً للخير([277]).
ووفقاً لتفسير الذهبي فإنّ مجال الاستدلال بهذا الخبر يصبح ضعيفاً.
الرواية الرابعة: خبر يوسف بن مهران، قال: كنّا مع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، فقال جابر: «إذا سرّكم أن تنظروا إلى أصحاب محمّد‘ الذين لم يغيّروا ولم يبدّلوا فانظروا إلى عبد الله بن عمر، ما منّا أحد إلا غيّر»([278]).
فهذا الخبر فيه شهادة صريحة من أحد وجوه الصحابة بأنّ أغلب الصحابة قد غيّروا وبدّلوا، فلو كانت فكرة عدالة الصحابة مركوزة في ذهن الصحابة أنفسهم لما صحّ منهم صدور مثل هذه المواقف في حقّ بعضهم، وبهذا الأسلوب الشمولي تقريباً.
هل يضرّ إثبات عدم عدالة البعض بأصالة عدالة الصحابيّ؟
بناءً على مجمل ما تقدّم في المستند الحديثي لعدم عدالة بعض الصحابة يظهر أنّ هناك بعض النصوص التي يمكن أن يُفهم منها فكرة عدم عدالة بعض الصحابة بالمعنى الأصولي ـ لاستخدام كلمة الأصحاب فيها بما تحمله، وفق ما قلنا سابقاً، من دلالة على الصحابي بالمعنى الأصولي ـ فضلاً عن المعنى الحديثي.
والعديد من النصوص قادر على هدم نظريّة العدالة بالمفهوم الحديثي، أمّا المفهوم الأصولي، فعمدة النصوص التي تهدم نظريّة العدالة على صعيده هو حديث الحوض، مؤيّداً بعددٍ من النصوص الأخرى، مثل خبر قيس في روايته عن عمار (رقم 7) وغير ذلك.
لكن ماذا يعني كلامنا هذا؟
إنّه يعني أنّ الصحابة فيهم من ليس بعادل، سواء عرفناه أو لا، ومن ثمّ فالقاعدة الكليّة القائلة: (كلّ صحابي عادل)، ليست مطابقةً للواقع الخارجي وفق هذه النصوص الحديثيّة، التي تؤكّد ما توصّلنا إليه في المقاربة القرآنيّة الآنفة.
لكن هل يعني ذلك بطلان أصالة عدالة الصحابي؟
هذا السؤال بالغ الأهميّة منهجيّاً، إذ هناك فرق بين أن تقول ـ وأرجو التأمّل جيّداً ـ: (بعض الصحابة غير عدول)، وأن تقول: (الأصل في كلّ صحابي لم يثبت فسقه أنّه عادل أو الأصل في الصحابي العدالة إلا إذا ثبت فسقه).
إنّ الصيغة الأولى توصّف الواقع الخارجي، فتضرّ بما يقوله أنصار نظريّة عدالة الصحابة من عدالة كلّ صحابي، أمّا الصيغة الثانية، فهي مع كونها مضرّةً بعموم قاعدة التعديل؛ لكنّها تظلّ مؤسِّسةً لقانون عدالة الصحابي بوصفه قانوناً مرجعيّاً يمثل الحالة الأصليّة التي تحتاج إلى دليل الاستثناء كي نخرج عنها.
من هنا، قد يقال ـ في مقابل مثل هذه الموارد الجزئيّة التي تثبت فسق فلان أو فلان بالاسم أو من دونه، أو فسق هذه المجموعة أو تلك، أو فسق مجموعةٍ ما وسط الصحابة ـ: إنّ غاية ذلك هو التزام التخصيص والإخراج عن تحت دليل تعديل الصحابة العام، لكنّ كلّ من لم يثبت فيه هذا التخصيص يبقى تحت عموم التعديل، فتبقى النظريّة قائمةً من حيث المبدأ، وهذا صحيح، فلا تكون بعض هذه النصوص ممّا يهدم النظريّة لو ثبتت بعمومٍ أو إطلاق، لكنّ هذه النصوص تُثبت بالتأكيد الرأي الذي يقول في النهاية بأنّ بعض الصحابة لم يكن عادلاً أو لم يختم حياته بعدالة.
فإذا ادّعى القائلُ بنظريّة عدالة الصحابي القولَ بأصالة التعديل فيمن لم يثبت فسقه، لم تضرّه كلّ هذه النصوص، نعم سيكون كلّ صحابي حينها عُرضةً للبحث في وجود دليلٍ مخصّص يُخرجه عن القاعدة، ويكون البحث في المخصّص لازماً (وليس محرّماً!)؛ لعدم جواز العمل بالعام قبل الفحص عن المخصّص، كما تقرّر في أصول الفقه.
إلا أنّ الكلام كلّ الكلام في أنّ نصوص تعديل الصحابة هل هي نصوص بيان الأصل/المرجع أو هي نصوص توصيف الواقع الخارجي؟ وهل تقبل التخصيص بحسب نسقها البياني أو لا؟
الذي يبدو لي أنّها نصوص بيان واقع، وليست نصوصَ تأصيلِ قانونٍ مرجعيّ على طريقة القوانين الإنشائيّة الاعتباريّة في الفقه والقانون الوضعي، ولسانها البياني غير مقنع في إفادة تأصيل مرجعيّ بالمعنى الذي بيّناه، فراجعها تجد صحّة ما نقول، فهي لا تقول: كلّ صحابي عادل إلا ما خرج بالدليل، بل هي تنظر لواقع الصحابة، وتقول ـ بناءً على دلالتها على التعديل العام ـ: كلّ هؤلاء عدول، وهذا لسانٌ بيانيٌّ لا معنى لتخصيصه إلا كونه غير مطابق للواقع أو أنّه كاذب! أو أنّه من الأوّل يريد بيان الأعم الأغلب، كما هو فهمُنا الذي رجّحناه للنصوص التعديليّة في باب الصحابة، وهو فهم لا ينفع القائل بالتعديل العام بالطريقة السائدة.
كما أنّ هنا مشكلة ميدانيّة تواجهنا، وهي أنّه لو قيل بأنّ كلّ الصحابة عدول إلا ما خرج بالدليل، وثبت فسق مجموعة غير متعيّنة بدّلت وغيّرت، ففي هذه الحال يغدو صعباً العمل بالعام في جميع الصحابة بعد العلم الإجمالي بفسق بعضهم وعدم انطباق العام عليه، إلا إذا قيل بأنّ من نرجع إليه من الصحابة غالباً هو بعضهم، فيجري فيهم العام بلا معارض؛ لخروج البقيّة عن محلّ الابتلاء كما هي قواعد العلم الاجمالي، أو يقال بأنّه قد تعيّنت لنا مجموعة، فيُحمل المعلوم بالإجمال عليها وترتفع المشكلة.
أخطاء منهجيّة في الفهم الحديثي لناقدي نظريّة عدالة الصحابة
ووفقاً لمجمل ما تقدّم، من الضروري أن نميّز هنا مجدّداً في نصوصٍ من هذا النوع بين عدّة مفاهيم: العصمة والعدالة، من جهة، والأمّة والصحابة من جهة ثانية، وبين أحوال الصحابة زمنيّاً من جهة ثالثة:
أ ـ فقد خلط بعضُ الناقدين لنظريّة عدالة الصحابة بين المرويّات التي تحكي عن مستقبل الأمّة المسلمة وبين موضوع الصحابة كما حصل مثلاً مع العلامة الحلّي([279])، فليس كلّ حديثٍ يحذّر من فتن لاحقة في الأمّة معناه أنّ الصحابة مشمولين بالضرورة، فإذا قال بأنّ أناساً من أمّتي سيحصل معهم يوم القيامة كذا وكذا، فهذا لا يعني بالضرورة أنّ الصحابة ـ ولو بعضهم ـ مندرجون في هذا الإخبار، فالاستناد إلى هذا النوع من الأحاديث والمرويّات في غير محلّه، ولهذا لم نذكره حيث لا حاجة للإطالة.
ب ـ كما ينبغي التمييز بين مفهومَي العدالة والعصمة، كما أشرنا سابقاً، فليس كلّ معصية تصدر من صحابي معناها أنّ نظرية عدالة الصحابة قد بطلت؛ إذ العدالة لا تعني العصمة بحيث لا تصدر منهم معصية إطلاقاً، وإنّما المراد أنّهم من الإيمان بحيث لو صدرت منهم المعاصي والهفوات لتابوا إلى الله سبحانه وعادوا إلى رشدهم، وصحّحوا أخطاءهم.
ولهذا لا يمانع أنصار نظريّة عدالة الصحابة في الإقرار بصدور بعض الهفوات هنا أو هناك، لكنّهم يقولون بأنّ الصحابة كانوا يتوبون، وكان إيمانهم ينبّههم دوماً عند كلّ زلة أو سقطة، من هنا أقرّ الكثير منهم بأنّ عائشة أخطأت ثم تابت مما فعلت، وأنّهم كانوا يستغفرون الله سبحانه على الذنوب، فالعصمة شيء والعدالة شيء آخر.
نعم، ظاهرياً إذا ثبت لنا صدور معصية من شخص تسقط عدالته حتى تثبت توبته ممّا فعل، بطريقٍ أو بآخر.
وعليه، فالروايات الجزئيّة في صدور معصية هنا من صحابي أو هناك من صحابيّ آخر، أو خطأ هنا أو هناك، أو فساد مزاج هنا أو هناك، لا تخدش بقوّة في نظريّة عدالة الصحابة ما لم تبلغ حداً كبيراً جداً ـ كماً أو كيفاً ـ بحيث نفقد الوثوق بعدالة شخص من هذا النوع؛ لأنّ أنصار نظريّة عدالة الصحابة بإمكانهم أن يقولوا بأنّ الأدلّة الدالّة على نظريّتهم تصلح مؤشراً على أنّ المخطئ أو العاصي من الصحابة آيلٌ للتوبة وعدم الإصرار وهكذا.
ج ـ وينبغي التمييز في المرحلة الثالثة بين المراحل الزمنيّة، فلا يصحّ الاعتماد على مرويّات تبيّن سوء بعض الصحابة مثلاً في العهد المكّي أو أوائل العهد المدني؛ إذ بإمكان القائل بنظريّة عدالة الصحابة أن يتحدّث عن أنّ تعديل الصحابة ـ بحسب الآية ـ قد جاء في الحدّ الأدنى منتصف العهد المدنيّ وما بعد، ولعلّ الصحابة قبل ذلك كانوا في طور الإعداد والتأهيل ليصلوا إلى هذه المرحلة، فتصدر منهم زلّةٌ هنا أو هناك أو يكون بعضهم سيّئاً، ولهذا ذكرنا سابقاً النصوصَ التي تتحدّث عن توصيف المشهد بحسب المآلات مثل حديث الحوض الذي يتحدّث عن المشهد يوم القيامة.
وعلى أيّة حال، فمثل هذه النقاط المنهجيّة مهمّة، ولهذا استبعدنا جملة النصوص الحديثيّة التي تتورّط في هذا الخطأ القائم على عدم التمييز بين هذه الأمور، وحتى لا نطيل اكتفينا بالإشارة إلى هذه الأخطاء المنهجيّة التي وقع فيها بعضُ الباحثين الناقدين لنظرية عدالة الصحابة.
والذي نستنتجه من الروايات المتقدّمة وأمثالها، لاسيما حديث الحوض بصيغه وأشكاله المتعدّدة، والقاسم المشترك من نصوص التبديل والتغيير المرويّة عن النبيّ والصحابة معاً.. أنّ مجتمع الصحابة لم يكن كاملاً من جميع الجهات بحيث لن تقع فيه انحرافات، ولن يظهر فيه أفرادٌ منحرفون عن جادة الحقّ علميّاً أو عمليّاً، بل المؤشرات تفيد عكس ذلك، حيث تدلّ على بعض التغيّرات السلبيّة التي ستحدث عقب وفاة الرسول.
3 ـ مستند الإجماع في نفي التعديل العام للصحابة
لن نقف عند دليل الإجماع هنا؛ لوضوح عدم وجود إجماع إسلامي على عدم عدالة بعض الصحابة، ولا حتى شهرة غالبة، والإجماعُ الشيعي أيضاً لا ينفع؛ للاطمئنان بمدركيّته ومستنده ومنطلقاته من مثل الأدلّة السابقة، إلى جانب المبرّرات العقدية المنطلقة من مسألة الإمامة.
فلا يصحّ التهويل على من يقبل بعدالة الصحابة ويرى أنّ لديه توفيقاً بينها وبين نظريّة الإمامة الشيعيّة، وادّعاء خروجه عن التشيّع لمخالفته لما اتفقت الشيعة عليه من عدم القول بعدالتهم جميعاً.
لهذا سوف ننتقل ـ بعون الله تعالى ـ إلى دراسة المعطيات التاريخيّة ودورها في تأسيس نظريّة عدم عدالة بعض الصحابة.
4 ـ المستند التاريخيّ لنظريّة نفي تعديل كافّة الصحابة
يُقصد بالمستند التاريخيّ الذي يُبطل نظريّة عدالة الصحابة ويُثبت عدالة بعض الصحابة فقط، الوقائع والأحداث التي وقعت بشكل مركّز عقب وفاة النبيّ‘، فإنّ هذه الأحداث تكشف بوضوح عن الحال التي كان عليها بعض الصحابة، وهذه الوقائع والأحداث الجزئية كثيرة جداً، بحيث يصعب حصرها.
ولكن تقف على رأس هذه الأمور ـ وفقاً لكلمات معارضي نظريّة العدالة ـ مجموعة وقائع، نذكر عيّنات منها فقط:
الواقعة الأولى: خروج جماعة من الصحابة على إمام زمانها الإمام عليّ بن أبي طالب، وتسبّبهم بسفك دماء المسلمين وإحداث تشظٍّ بين المسلمين، وإذا أردنا أن نكون حياديين تماماً فإنّ نفس هذه الحروب وما رافقها من أحداث دمويّة وأخطاء كثيرة تدلّ على انحراف بعض الصحابة ـ ولا يهمّنا تحديده ـ عن جادّة الحقّ.
هل يمكن تعقّل أنّ خروج معاوية ـ وهو أحد الصحابة ـ على الإمام علي كان اجتهاداً؟ فكيف يكون اجتهاداً وقد استقرّت حكومة علي ودان لها القريب والبعيد ورضي بها جمهور الصحابة؟ فما هو التبرير الاجتهاديّ لمعاوية غير أنّه يرى هذا الإمام الجديد للمسلمين غير عادل، وهذا ما يُثبت عدم عدالة بعض الصحابة في وعي بعضهم بحقّ بعضهم بعضاً.
إنّ هذه الرسائل والمحاورات التي لا تعدّ ولا تحصى والتي سطرها الصحابة بحقّ بعضهم أثناء هذه الحروب، مثل ما جاء في نهج البلاغة، ومثل شعار المطالبة بدم عثمان، الأمر الذي يحوي اتّهاماً لصحابّي جليل مثل علي بن أبي طالب بقتل إمام المسلمين عثمان بن عفان وغيرها وغيرها.. إنّ هذا كلّه خير دليل على عدم اعتقادهم بعدالة بعضهم.
إنّ سياسة معاوية مع الصحابة من البعيد حملها على أنّها اجتهاد، فهل هو اجتهادٌ سفكُ الدماء لمعارضة معاوية بالطريقة التي فعلها، كما فعل مع حجر بن عديّ الكندي وغيره؟!
من العسير جداً تفسير الفتن التي وقعت بين الصحابة في زمن علي ومعاوية على أنّها محض اجتهادات لم تتخلّلها مطامع دنيويّة، ونصوصهم فيها تشير بوضوح إلى انحرافات لا إلى تصحيح اجتهادات، فلو أنّ علياً حكم ولم يكن أحقّ بالخلافة فما هو الموجب شرعاً ومنطقياً للخروج عليه وسفك دماء عشرات آلاف المسلمين؟ ألم يكن بالإمكان التعايش مع عليّ؟ وهل كان في انحرافه وفسقه وفجوره خطراً على الإسلام لا يمكن تحمّله ولو للحظة حتى تُخاض معه حروب دموية ثلاثة؟! هل هذا هو منطق الأشياء؟ وهل هذا هو التحليل العقلانيّ للتاريخ؟! لنفرض أنّ علياً قتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، لكن قد انتخبه المسلمون للإمارة، فهل تُخاض معه حروبٌ تسفك دماء المسلمين أم يطالب بقصاصه؟
نحن قادرون على أن نصدّق أنّ عدداً وفيراً من الصحابة قد يكون قد ضُلّل إعلاميّاً في هذه الحروب، فخرج قاصداً الله ورسوله، جاهلاً بالحقّ تائهاً، أمّا أنّ الجميع كذلك، وقد سمعوا كلّهم بروايات النبيّ في تفضيل هذا الصحابي أو ذاك، فهذا أمرٌ يبدو تبريره بالغ الصعوبة.
الواقعة الثانية: حادثة قتل خالد بن الوليد مالكَ بن نويرة ودخوله بزوجته يوم مقتله، والخلاف الذي دار بين أبي بكر وعمر في هذا الموضوع، حيث أصرّ عمر على إنزال العقاب والحدّ بخالد، لكنّ أبا بكر علّل تركه لذلك ببعض الاجتهادات، كيف يمكن الحديث عن العدالة في حالٍ كهذه وبفعلةٍ بهذا المستوى؟ الإنسان العادل قد يصدر منه فعلٌ ثم يندم عليه، أمّا أن يصدر منه فعلٌ بهذا الحجم ولا نسمع عن ندم، فهذا ما يهزّ الثقة بعدالته بالمعنى الراقي والرفيع الذي يُطرح في عدالة الصحابة.
الواقعة الثالثة: التكاذب الذي كان يحصل بين الصحابة أنفسهم، فهناك شواهد على تكذيب بعضهم لبعض، كما حصل بين أبي هريرة وجمع من الصحابة، بل لاحظ طبيعة الخلاف بين أبي بكر من جهة وفاطمة الزهراء ابنة الرسول من جهة ثانية في قضيّة الميراث، وأنّهم كيف لم يأخذوا بنقل بعضهم بعضاً عن النبيّ في موضوع أنّه يورّث أو لا!
إنّ هذا النوع من الشواهد التاريخية يركّز عليه المعارضون لنظريّة تعديل جميع الصحابة ويسوقون عشرات الأحداث التاريخيّة في هذا المضمار([280]).
وبصرف النظر عن إمكانيّة النقاش في بعض القصص التاريخيّة التي ينقلها المناقشون هنا وفي إمكانات حمل بعضٍ منها على الاجتهاد، يمكن أن يضاف إلى ذلك شاهدٌ تاريخي آخر يمكننا أن نذكره وهو أنّنا لم نسمع أحداً من الصحابة احتجّ على أحدٍ بنصوص التعديل العامّة الموجودة في الكتاب والسنّة، بل قد شرطوا في جمع القرآن عدالةَ الشاهد، في القصّة التاريخيّة، فلو كانت هذه الفكرة مركوزة في وعي الصحابة، لظهرت في كلماتهم أثناء خلافاتهم أو في علاقاتهم مع سائر المسلمين من الأجيال اللاحقة، ولم نسمع يوماً أنّهم دعوا للصلح أو لبناء علاقة مع الصحابة أو فيما بينهم تقوم على مفهوم عدالة الجميع وصلاح الجميع وجلالة الجميع وعدم الشكّ في نزاهة الجميع.
إنّ المعطيات التاريخيّة لا تعطي أيّ إيماء بوجود هذا المفهوم، ولهذا نحتمل أنّه ظهر في العصر العباسي أو بعد عهد عمر بن عبد العزيز؛ لأنّ عهد بني أُمية قبله قد لا يسمح بذلك مع اشتهار سبِّ عليّ ومن كان معه من الصحابة، فاُريد لاحقاً طيّ هذا الخلاف في العصور الأولى، وأظنّ في مواجهة الخوارج وبعض الزيدية والإسماعيليّة والإماميّة الذين شاد ـ ولو بعضهم ـ مفاهيمه على الطعن في بعض الصحابة.
كما يمكن تقديم تفسيرات سيكولوجيّة لظهور فكرة عدالة الصحابة أيضاً، وهي الرغبة الدينيّة عادةً بتقديس المراحل الأولى للعمل الديني وتحييدها عن المستويات المتدنّية التي حصلت لاحقاً؛ لأنّ ذلك يعطي مزيداً من الطمأنينة الروحيّة، فإنّ هذه الطمأنينة تبرز عادةً إمّا بتقديس السابق؛ إذ لا مجال لمحاكمته بعد غيابه، أو بافتراض وجود مرحلة لاحقة سيعمّها الوئام والعدل وتطبيق الدين الحقيقيّ، فالعامل النفسي قادر على تكوين هذين المفهومين، دون أن يعني ذلك بطلانهما، وإنّما إشارة إلى رفض استبعاد المنشأ غير الديني لهما، من حيث المبدأ.
إنّ الوقائع التاريخيّة كانت ثقيلة ومكثفة جداً إلى حدّ أنّه ليس من السهولة تخطّيها أو التلاعب بها، ففي نصّ بالغ الأهميّة في تقديري يصرّح سعد الدين التفتازاني (793هـ) بالآتي: «إنّ ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات‏ على الوجه المسطور في كتب التواريخ، والمذكور على ألسنة الثقات، يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحقّ، وبلغ حدّ الظلم والفسق. وكان الباعث له الحقد والعناد، والحسد واللداد، وطلب الملك والرئاسة والميل إلى اللذات والشهوات، إذ ليس كلّ صحابيٍّ معصوماً، ولا كلّ من لقي النبيَّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالخير موسوماً، إلا أنّ العلماء لحُسن ظنّهم بأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم، ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عما يوجب التضليل والتفسيق؛ صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة، سيّما المهاجرين منهم والأنصار، والمبشرين بالثواب في دار القرار. وأمّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء؛ إذ تكاد تشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له من في الأرض والسماء، وتنهدّ منه الجبال، وتنشق الصخور، ويبقى سوء عمله على كرّ الشهور ومرّ الدهور، فلعنة اللّه على من باشر، أو رضي، أو سعى، ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى»([281]).
ولا أدري، لماذا لم يحمل التفتازاني اللاحقين ـ كيزيد بن معاوية وجماعته ـ على التأويلات أيضاً؛ عملاً بقانون حُسن الظنّ بالمسلم عامّة؟! السبب هو أنّه تحرّر من تأويل التاريخ، وعاد إلى الفهم الطبيعي لوقائعه بعيداً عن أيّ أيديولوجيا مسبقة. وأكتفي بهذا المقدار من التعليق.
عدالة الصحابة بين مرجعيّتَي: النصّ والتاريخ
يواجه الكثير من القائلين بنظريّة عدالة الصحابة هذا الكمَّ التاريخي الوافر من الشواهد بفكرة الاجتهاد، وأنّ الصحابة اجتهدوا في هذه القضيّة هنا أو تلك هناك، وأنّ الموضوع لا علاقة له بكمالهم النفسيّ والروحي والإيماني، فيما يصرّ المعارضون على أن هذا الواقع التاريخي لا يقبل مثل هذه التأويلات.
أمام هذا المشهد، نجد أنّ أحد أوجه الخلاف الحقيقيّ بين المؤيّدين والمعارضين ترجع إلى تحديد المرجعيّة، فهل النصّ القرآني وبعض الروايات هما المرجع الرئيس في تعديل الصحابة، الأمر الذي يتطلّب تأويلاً قهريّاً لوقائع التاريخ، مما توفّره لنا فكرة الاجتهاد، أو أنّ المرجع هو الواقع التاريخي زمن النبيّ وبعده، وأمّا النصّ فدلالته ظهوريّة تقبل التأويل أو التخصيص بشواهد التاريخ الأخرى التي دلّت عليها الروايات التاريخيّة هنا وهناك، أو أنّه من الأوّل لا يُفهم إلا في ضمن الوعي السياقي للتاريخ عامّة؟
لقد لاحظنا في طيّات المباحث السابقة كيف أنّ جملة من ردود المعارضين على الاستدلال بالنصّ الديني أنّ الواقع التاريخي يقع على النقيض من مفاد النصّ، فلابدّ من حصر النص بخصوص من ثبت تاريخيّاً في المرحلة السابقة أنّه كان حاوياً على الصفات التي احتواها النصّ الديني، فيما نرى أنّ المؤيّدين لعدالة الصحابة يجعلون النصّ معياراً توصيفياً نهائياً، فإذا واجهوا وضعاً تاريخيّاً ما سعوا لتأويله بطريقة أو بأخرى، وأهم أعمدة التأويل فكرة الاجتهادات.
هذا ما يضعنا أمام سؤال أساسيّ مفصلي: أيّ من هذين المنهجين هو الصحيح؟
ربما يتم ترجيح جانب التاريخ؛ لأنّ الآيات والروايات ظهورات ظنّية ـ كما قال علماء أصول الفقه ـ تخضع أمام الدلالات القطعيّة الآتية من العقل أو حقائق التاريخ، والقرآن قد خُصّص مراراً أمام دليل العقل أو التاريخ أو جرى تأويله بطريقةٍ أو بأخرى. والوقائعُ التاريخيّة من الكثرة والوضوح بحيث لا تتحمّل تأويل ملابساتها ومضمونها، وإلا لما أمكن إثبات عدالة أحد أو فسقه برؤية صدور المعاصي منه؛ لاحتمال مبرّرات ما هنا وهناك له فيها!
وقد يتمّ ترجيح جانب النص؛ لأنّ الله أعلم بما في القلوب والنفوس، فنحن لم نعرف سوى ظواهر الأفعال التي صدرت من بعض الصحابة، أمّا البواطن والنوايا والقصود والدوافع فهذه يعلمها الله تعالى، فكيف ندّعي العلم بها فضلاً عن أن نتأوّل بها أو نخصّص عمومات قرآنيّة وحديثيّة؟! بل قد صرّح علماء أصول الفقه الإسلامي أنفسهم بأنّ الفعل دليلٌ صامت لا يحكي كثيراً عن نفسه، ومن ثمّ فلا نستطيع من خلاله مقاومةَ النصّ اللفظي الحاكي والمعبّر عن مضمونه.
يُضاف إلى ذلك أنّ القرآن قطعيّ السند أما أكثر هذه الشواهد التاريخيّة فهو ظنّي، فكيف نقدّم شواهد ظنّية على دليل قطعي ونتأوّله لأجلها؟! وحتى الأحداث القطعيّة تظل ملابسات حصولها أمراً غير واضح بعد مضي قرون على وقوعها، فكيف يمكن البتّ فيها والحال هذه وجعلها مأوِّلةً للنصوص القرآنيّة القطعيّة؟!
النظريّة المختارة في عدالة الصحابة وصيغة الحلّ والتوفيق
هذه الإشكاليّة المتقدّمة في موضوع المرجعيّة بين النصّ والتاريخ، تبدو معطياتها متكافئة بعض الشيء، ويبدو لي أنّ بالإمكان الجمع بين هذه المعطيات هنا؛ وذلك:
لقد قلنا سابقاً: إنّ الأوصاف التي تطلق على الجماعات يراد منها عادةً الأعم الأغلب من أفرادها، ولا أقلّ من أنّ تفسيرها بذلك لا يُعدّ تأويلاً أو تحكّماً، من هنا توصّلنا فيما سبق إلى أنّ الآيات القرآنية دالّة على حسن حال جمع وفير من الصحابة بالمعنى الأصوليّ للصحبة، فإذا أخذنا بعين الاعتبار النصوص القرآنيّة والحديثيّة والتاريخيّة التي استند إليها القائلون بنفي نظريّة عدالة الصحابة فسوف نجد أن ضمّها جميعاً إلى بعضها سيفضي إلى الاعتقاد بأنّ بعض الصحابة، ولنقل 5% منهم، قد ارتكبوا أخطاء وانحرافات عقب وفاة النبيّ وأثناء حياته معاً، فآيات الإفك وأسرى بدر واللمز في الصدقات وعدم الأخذ بقول الفاسق وظاهرة المنافقين في الشقّ غير الظاهر منها، وأحداث واقعة اُحد، وحادثة محاولة قتل النبيّ في العقبة عقب منصرفه من تبوك، وحديث الحوض، لاسيما صيغة أصيحابي بناء على تفسيرها بالقلّة العدديّة، وغيرها.. كلّها شاهدة بوجود عدد من الصحابة لم يكن بالمستوى المطلوب من الإيمان والأخلاق والعمل الصالح، لكنها لا تدلّ على أنّ أغلبهم أو حتى نصفهم كان منحرفاً عن الحقّ، فيؤخذ بالمقدار الدلالي لهذه النصوص وتجمع مع الآيات السابقة التي قلنا بدلالتها على حُسن حال جمع وفير من الصحابة، بالقول: إنّ معظم الصحابة كانوا صالحين لكنّ بعضهم لم يكن كذلك، والقرآن تحدّث عن الظاهرة العامة فيهم جرياً على لغة العرب من بيان الشيء بالأعم الأغلب.
وهذه هي أصل نظريّتنا في موضوع عدالة الصحابة، والتي لاحظها القارئ في طيّات ما تقدّم من بحوث، وهي القولُ بعدالة أغلب الصحابة بالمعنى الأصولي للصحبة، والصلاح الاجتماعي العام، مع القول بعدم عدالة بعضٍ منهم، لكنّه يمثل الأقليّة.
أمّا الصحابة بالمعنى الحديثي للصحبة، فلم تثبت عندي قاعدة كليّة فيهم تفيد عدالتهم، بل لابّد لإثبات عدالة كلّ فرد منهم من الرجوع لأدلّة أخرى غير نصوص عدالة الصحابة.
معوقات وعقبات أمام النظريّة المختارة، تفكيك وتذليل
أمام هذه الصورة التي توصّلنا إليها في موضوع عدالة الصحابة، والتي قد تخالف مشهور السنّة والشيعة، تقف بعض العوائق التي لابدّ من تذليلها:
العائق الأوّل: آية النجوى و.. والدلالة على فسق الأعمّ الأغلب
إنّ ما ورد في آية النجوى يدلّ على أنّ الحالة العامّة فيهم كانت الخوف على المال والدنيا، وأنّهم لم يقدّموا الصدقات بين يدي رسول الله لملاقاته، فإطلاقها الحديث معهم مع عدم توصيف الفاعلين بالبعض وإنما جاء الخطاب عاماً شاهدٌ على إرادة الأعم الأغلب منهم، وبعض الروايات تؤيّد هذا المعنى، فكيف نوفّق بين الصورة التي تريد مثل آية النجوى تقديمها وبين الصورة التي خرجنا بها؟
ويمكن الجواب عن ذلك بما قلناه سابقاً من أنّ مجتمع الصحابة خضع في حياته مع الرسول‘ لدورة تدريبيّة قاسية وأنّ شهادة التعديل والرضا والنجاح التي حازها المجتمع الصحابي قد جاءت مع النصف الثاني من العقد المدني الهجري الأوّل، ولا يوجد أيّ مانع من أن يتعثر سير المتدرّبين أثناء دورتهم التدريبيّة مراراً وتكراراً قبل أن ينالوا شرف الرضا الإلهي، وحادثة النجوى لا يوجد دليل تاريخي قاطع يؤكّد نزولها بعد الشهادة الإلهيّة، فيمكن أن نجعلها في سياق المراحل الأولى لتنامي مجتمع الصحابة.
إنّ هذا ما يمكنه أن يضعنا أمام فهم تاريخي للنصوص القرآنية الواردة حول مجتمع الصحابة؛ إنّ القرآن لا يبدو أنه يتحدّث عن هذا المجتمع ـ على مستوى منحه شهادات ـ في العصر المكي، إنّما التركيز كان على مستوى المراحل اللاحقة على مسلسل الامتحانات السابق، وهذا أمرٌ منطقي جداً.
العائق الثاني: مفارقة عدالة الصحابة للموقف من خلافة الإمام عليّ
إنّنا لو تتبّعنا تاريخ الصحابة بعد وفاة النبيّ، سنجد أمرين هما:
أ ـ ترك أغلب الصحابة للإمام علي× وعدم إعطائه الخلافة، وهو مؤشر بالغ الخطورة في إنتاج ما هو النقيض من نظريّة عدالة الصحابة ولو غالبهم، فكيف يكون غالبهم عدولاً ويتركون الوصيّة النبويّة الأهم، ويذرون أهل بيت نبيّهم؟!
ب ـ مشاركة الكثير جداً منهم في الحروب الداخليّة التي وقعت بين المسلمين، فلو كان المشاركون قلّةً لأمكن الجمع والتوصيف، أمّا مع كونهم كثرة فكيف يمكن تفسير ذلك؟!
أعتقد أنّ أحد أهم عناصر التمسّك الشيعي بنفي نظريّة عدالة الصحابة هو هذه القضيّة المركّبة من جزءين، وهذا ما يجعل نظريّة عدالة الصحابة من عوائق إنتاج نظريّة الإمامة في الفكر الشيعي، والعكس هو الصحيح، فإنّ نفي نظريّة عدالة الصحابة مع القول بفسق أغلبهم هو المفهوم الطبيعي الذي يمكن ترقّبه في مناخ نظريّة الإمامة؛ لأنّ السؤال الذي سيطرح نفسه هو: إذا كان الصحابة عدولاً فكيف تركوا الخليفة الشرعي الذي وصّى به الرسول‘؟ وإذا كانت الإمامة حقيقةً واقعة فكيف يمكن أن يتخذ هذا الموقف منها الصحابة العدول؟!
هذه الإشكاليّة المتصلة بمسألة الإمامة لا تَرِد على أصول الفكر السنّي؛ لعدم ثبوت الإمامة بالنصّ هناك، لكنّها أساسيّة جدّاً على أصول الفكر الشيعيّ.
لكي ندرس هذا الموضوع باختصار وتكثيف، لابدّ من عرضه على النظريّات المتعدّدة في قضيّة الإمامة، ويمكنني هنا عرض بعض هذه النظريّات سريعاً ورصد النتيجة وفقها:
النظريّة الأولى: وهي ما يمثل المعروف بين الإماميّة، من النصب الإلهي بالاسم للإمام عليّ بعد النبيّ خليفةً بعلمٍ من أغلب المسلمين على الأقلّ، خاصّة بعد حادثة غدير خمّ، ومن ثمّ فما وقع في سقيفة بني ساعدة هو غصبٌ للخلافة على مرأى المسلمين ومسمع.
وفقاً لهذه النظريّة تظهر الصيغة الإشكاليّة المتقدّمة في التوفيق بين تعديل الأعم الأغلب من الصحابة وبين نظريّة الإمامة.
النظريّة الثانية: وهي ما يمثل الرأي المشهور بين أهل السنّة؛ وذلك أنّه لا يوجد تنصيب للإمام عليّ مطلقاً، لا من قبل الله ولا من قبل النبيّ، بل إن لم نقل بتنصيب أبي بكر أو الأربعة الأول فإنّ المسؤوليّة وضعت على كاهل الأمّة في اختيار خليفةٍ لها بعد النبيّ، وقد قامت بوظيفتها.
ووفقاً لهذه النظريّة، لا توجد مشكلة أساساً في موضوع بحثنا، كما هو واضح.
النظريّة الثالثة: ما طُرح مؤخّراً بين بعض الباحثين، وله جذور معتزليّة معروفة عند معتزلة بغداد، من أنّه لا يوجد أيّ نصّ أو تنصيب، كلّ ما في الأمر أنّ عليّاً كان الأولى بالخلافة من حيث مواصفاته ومؤهّلاته.
ووفقاً لهذه النظريّة لا توجد مشكلة عندنا في موضوع بحثنا هنا؛ لأنّ الصحابة من الممكن أن يكون أخطؤوا في الترجيح، والخطأ لا يعني الفسق، بل من الممكن أنّهم قدّموا المفضول على الفاضل؛ لكونهم لم يؤمنوا بقبح ذلك أساساً، تماماً كما كان يرى بعض المعتزلة ذلك، حتى قالوا: الحمد لله الذي قدّم المفضول على الفاضل.
النظريّة الرابعة: وهي ما تلوح في بعض الأوساط الدينيّة الشيعيّة والسنيّة، من أنّ الخلافة على نوعين:
أ ـ الخلافة الظاهريّة أو الولاية السياسيّة: وهي إدارة الأمّة، وهذه تركها النبيّ للأمّة، فاختارت أبا بكر.
ب ـ الخلافة الباطنيّة أو الولاية الدينيّة: وهذه قد جرى تنصيب عليّ لها من قبل النبيّ.
ووفقاً لهذه النظريّة، لا توجد مشكلة عميقة في موضوع بحثنا أيضاً؛ خاصّة وأنّ النصوص الشيعيّة تقرّ برجوع الأمّة لعليّ علميّاً وقضائياً بعد النبيّ بنسبة جيّدة، فيرتفع الإشكال ولا يكون في حادثة السقيفة أيّ معضلة هنا.
النظريّة الخامسة: وهي التي ترى أنّ النبيَّ قد رشّح عليّاً للخلافة ولم ينصبه أو يعيّنه، فما حصل هو أنّ الأمّة لم تأخذ بترشيح النبيّ، واعتبرته تشخيص موضوع، ولا تكون بذلك قد عصت، بل غايته أنّها أخطأت.
ووفقاً لهذه النظريّة من الواضح أنّ المشكلة القائمة في موضوع بحثنا باتت ملغاة.
أكتفي بهذا القدر من عرض القراءات المتصلة بالإمامة والخلافة، وبهذا يتبيّن أنّ المشكلة تكمن بين النظريّة الأولى ـ مشهور الشيعة ـ وبين نظريّة عدالة الصحابة بمعنى الأعم الأغلب، فهل يمكن تصوّر صيغة توفيقيّة تحافظ على الاثنين؟
ما سأطرحه هنا هو صور افتراضيّة يمكن أن يقبلها الشيعي تاريخيّاً، بمعنى أنّها إذا كانت ممكنةً ومعقولة تاريخيّاً ومنطقيّاً، فهي كافية لنا لرفع التناقض في موضوع بحثنا حتى لو لم نقدر على أن نُثبتها تاريخيّاً بشكل حاسم، فيرجى التنبّه، فنحن لا نبحث في الإمامة هنا وإنّما في موضوعٍ محدّد يريد رفع التنافي بين مفهومين يفترض ثبوتهما مسبقاً.
في هذا السياق، يبدو لي أنّه يمكن طرح حلّين، وربما يوضعان ضمن حلّ واحدٍ من جانبين، وهو يكمن في الآتي:
التصوير الأوّل للموقف التاريخي: الفكرة الأساسيّة التي اُريد بيانها: هل يمكن أن يكون ما حصل ليس تمرّداً من الأمّة على عليّ، بل هو انقلاب من مجموعةٍ معيّنة عليه؟
الجواب عن هذا السؤال يحدّد طبيعة الموقف هنا، فكلّما افترضنا أنّ الأمّة هي التي قامت برفض عليّ، تعقّد الموقف في التوفيق بين التعديل والإمامة، لكن لو افترضنا أنّ نُخبةً من الصحابة لها نفوذ في قبائلها وجماعاتها، قامت بهذه الخطوة الانقلابيّة، ثم فرضت نفسها في وقت قصير (بعض الروايات التاريخيّة تشير حتى إلى وجود بعض القوى العسكريّة على أرض المدينة عند وقوع حادثة السقيفة، وأنّه استخدمت القوّة بدخول قبيلة بني أسلم ليثرب، وأخذ البيعة بشيء من القوّة في طرقات المدينة المنوّرة، بل حتى بعض المواقف العنيفة ضدّ بعض الأنصار توحي بإمكانيّة وقوع مثل هذا القهر واستخدام القوّة)، ففي هذه الحال ستتغيّر رؤيتنا للأمور.
في هذه الحال، ستكون الأمور قد تمّت وبسرعة دون أن تفسح مجالاً لاعتراض أو ثورة مضادّة أو أزمة فراغ دستوري أو بلبلة سياسيّة، وأعتقد أنّ هذا هو الذي دفع الإمام عليّاً لترك حتى تسجيل اعتراض حقيقيّ على سقيفة بني ساعدة في الأيام الأولى، مكتفيّاً برفض البيعة، ولعلّ للإمام علي دوراً في منع حصول مواجهات واسعة ضدّ هذه الظاهرة الانقلابيّة خوفاً من صراعات قبليّة أو تشظّيات لا تتحمّلها المرحلة.
بل تشير بعض المعطيات التاريخيّة إلى أنّ هناك من عرض على عليّ التحرّك لكنّه رفض، بل لو صحّ أنّ بعض حركات التمرّد على الخليفة الأوّل لم تكن ذات صلة بموضوع الردّة، ولا بمنع الزكاة، بل كانت تعبيراً عن رفض الخلافة، ولهذا رفضت الطاعة للخليفة وتسليمه الضرائب العامّة، فإنّ هذا يعني أنّ حركات معارضة قد ظهرت لكنّ الأوان كان قد فات أو أنّ المرحلة ما كانت تسمح بذلك.
إنّ فهم تركيبة المجتمع المدني والعربي مسألة ضروريّة هنا، فعندما وقع اجتماع سقيفة بني ساعدة ـ والمفروض شيعيّاً أنّ أفراد المجتمع غير عدول لاسيمّا بفعلهم هذا ـ اُعلن في المدينة أنّ وجوه الصحابة من المهاجرين والأنصار قد انتخبوا أبا بكر بن أبي قحافة خليفةً بعد الرسول، إنّ هذا الإعلان في أجواء وفاة النبيّ والانشغال بتجهيزه ودفنه، وعيش هذا المصاب الأليم، قد يكون ساعد على تكريس هذا الواقع؛ إذ بعد وفاة النبيّ مباشرةً كانت الأمّة مصدومةً مدهوشةً بالحدث الجلل، وعقب انتهاء هذه المراسم من الطبيعي أن تثار أسئلة ويأتي فلان وفلان إلى الإمام عليّ لإثارة الموضوع عنده، والذين استعجلوا يوم الوفاة للقاء السقيفة من الممكن جداً أن يكون استعجلوا أيضاً إرسال الرسل والوفود إلى الأطراف بإعلان الخليفة، والأطراف ستسلّم بما يقال لها؛ لأنّها تعتبر الأصحاب في المدينة هم المرجع المقرّب من النبيّ، فلا معنى لأن يكونوا اختلفوا..
إنّ نهج المبايعة القَبَلي، إضافة إلى سرعة الأحداث بمجرّد وفاة النبي، يمكن أن يكون قد دَفَعَ الإمام علياً وسائر الذين استغربوا الموقف للسكوت وتشخيص أنّ المرحلة لم تعد تتحمّل خوض معركة في هذا الموضوع، الأمر الذي أدّى إلى التعامل مع الواقع من منطلق الأولويّة الثانية، أي سياسة الأمر الواقع.
هنا لن يكون أغلب الصحابة فسّاقاً، وإنّما حالهم حال الإمام علي في سكوته، أو أنّهم كانوا في الأطراف لا شأن لهم بقرارات المدينة.
التصوير الثاني للموقف التاريخي: في هذا التصوير يمكن أن نترقّى أكثر ونطرح ما أثاره السيد محمّد باقر الصدر([282])، ولكن بصيغة مطوّرة من قبلنا، بوصفه افتراضاً معقولاً في ذاته، وذلك عبر القول باحتماليّة وجود اتجاهين رئيسين في حياة النبيّ رافقا نشوء الأمّة الإسلاميّة، وهما:
أ ـ اتجاه التعبّد التامّ بما يصدر عن النبيّ، بوصف كلّ ما يصدر هو وحي إلهيّ نهائي حاسم، لابدّ من التسليم له فوراً بحرفيّته.
ب ـ الاتجاه الذي لا يرى أنّ الدين يتطلب منه التعبّد إلا في نطاق خاصّ كالعبادات والغيبيات، وأنّ بعض ما صدر من النبيّ كان من موقع زعامته الدنيويّة وتشخيصاته المصلحيّة، كون النبيّ يمارس الاجتهاد أيضاً، ومن ثمّ يمكننا الاجتهاد والتصرّف على أساسه بالتغيير والتعديل في النصّ النبوي، وفقاً للمصالح الدينيّة العليا أيضاً.
وبناءً عليه، يمكن فرض أنّ ما حصل في السقيفة كان من قبل التيار الثاني، أو على الأقلّ إنّ ما حصل في السقيفة يمكن أن يكون تمّ قبوله من جانب جماعة من المسلمين انطلاقاً من فهمهم ما قاله النبيّ بوصفه اجتهاداً قابلاً للتعديل، فلما رأوا بعض كبار الصحابة قد عدّلوه زاد هذا من قناعتهم به، فلا يكون موقفهم من إمامة عليّ حينها موقف فسقٍ بالضرورة، بل هو موقفُ اجتهادٍ خاطئ على أبعد تقدير.
إنّ الكثير مما فُهم تمرّداً على النبيّ من قبل بعض الصحابة في حياته كعمر بن الخطاب، يمكن تفسيره وفقاً لهذا النمط من الفهم، والذي هو في نفسه قد لا يكون صحيحاً من وجهة نظرك اليوم مثلاً، لكنّ التفسيق شيء والتخطئة شيء آخر.
وهذا معنى ما يقوله السيّد الصدر من أنّ هذين الاتجاهين اللذين بدأ الصراع بينهما في حياة النبيّ، قد انعكسا على موقف المسلمين من أطروحة زعامة الإمام للدعوة بعد النبيّ، فالممثلون للاتجاه التعبّدي وجدوا في النصّ النبوي على هذه الأطروحة سبباً بقبولها، دون توقّف أو تعديل. وأمّا الاتجاه الاجتهادي فقد رأى أنّه بإمكانه أن يتحرّر من الصيغة المطروحة من قبل النبيّ، إذا أدّى اجتهاده إلى صيغة أخرى أكثر انسجاماً ـ في تصوّره ـ مع الظروف.
إنّ فكرة السيد باقر الصدر هذه (ببعض التطوير الصياغي والمفهومي من قبلنا)، ربما تكون ساعدت على تصديق بعض المسلمين بأنّ الإمامة كانت كذلك، بعد أن رأوا أنّ نخبةً من أصحاب النبيّ المقرّبين فعلوا ذلك في سقيفة بني ساعدة، فهذا الفضاء إذا كان موجوداً كما يقول الصدر ـ وقد سبق أن رجّحنا وجوده في بعض بحوثنا في كتاب حجيّة السنّة ـ فهو يعزّز من سكوت ولو بعض المسلمين عمّا حصل.
أما المشاركة في الحروب، فأمرها أسهل؛ لإمكان خضوع كثيرين في تلك الفترة للتضليل الإعلامي.
وبهذا يمكن طرح فرضيّة توفيقيّة إمكانيّة بين نظريّة تعديل أغلب الصحابة، ونظريّة الإمامة بالمفهوم الشيعيّ، دون حاجة للتأوّل أو التكلّف في فهم نصوص التعديل ونصوص الإمامة عند من يؤمن بالاثنين معاً.
العائق الثالث: النصوص الحديثيّة الخاصّة
العائق الثالث هنا هو بعض المرويّات الخاصّة، والتي يقف على رأسها اثنان، هما:
أ ـ حديث الحوض بصيغة (همل النعم)
الرواية الأولى: حديث الحوض ببعض صيغه، وهي الصيغة التي جاء فيها التعبير بهمل النعم، ففي خبر أبي هريرة، عن النبي‘ قال: «بينما أنا قائم، فإذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: هلمّ. فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: وما شأنهم، قال: إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل بيني وبينهم، فقال: هلم. قلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: ما شأنهم. قال: إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم»([283]).
والهَمَل من الإبل قليل، وهو الذي لا يرعى ولا يستعمل([284])، وفي ذلك إشارة إلى قلّة عدد الناجين من الصحابة، فكيف يمكن التوفيق بين هذا الحديث والنتيجة التي خرجنا بها؟!
والجواب: إنّ الحديث لا يدلّ على أنّ الناجين من الصحابة هم مثل همل النعم، بل يدلّ على أنّ الناجين من هذه المجموعات التي يراها النبي‘ هم مثل همل النعم؛ لأنّه لا يوجد تصريح بالصحابة في الحديث، وكلّ ما في الأمر أنّ في الرواية إشارة إلى «يخلص منهم» والضمير في «منهم» يفترض رجوعه إلى هذه المجموعات التي رآها النبي‘، فكأنّ الرواية تريد أن تقول: إنّ هناك مجموعات سوف أعرفها وستدخل إلى جهنم ولن ينجو منها سوى بضعة أفراد، لا أنّ كلّ الصحابة هذا حالهم، ولا أقلّ من عدم وجود ظهور في ذلك.
إلا أن يقال بأنّه لا يمكن عود الضمير على غير الصحابة؛ لأنّ المفروض أنّ الفئات التي رآها النبيّ قد ارتدّت ونودي بها إلى النار، فلا معنى لأن يخلص منها أحد([285]).
لكنّه غير واضح؛ لإمكان أنّ الارتداد هنا، كما اعترف به صاحب هذا الكلام نفسه، هو مطلق الرجوع لا الكفر، وهذا معناه أنّ من الممكن أنّ هؤلاء تمكّن بعضهم من الخلاص، وهم قليل جداً، إما لعملٍ عملوه أو لعدم إغراقهم في التراجع، ولا مانع منه، كما نقول: لا ينجو من أصحاب الكبائر إلا القليل، فلا داعي لإرجاع الضمير إلى مفروض ذهني لا مؤشّر عليه من اللفظ.
يضاف إلى ذلك أنّ حديث الحوض ورد بصيغ عديدة، فنأخذ منها بالقدر المشترك، والمفروض أنّ أغلب صيغه ليس فيه مثل هذا التعبير (همل النعم) أو المفهوم.
ب ـ حديث ارتداد الناس بعد النبيّ، وقفة نقديّة تأمّليّة
الرواية الثانية: حديث الارتداد، فقد ورد في كتاب سُليم بن قيس الهلالي، عن سلمان، عن الإمام علي×، أنّه قال: «إنّ الناس كلّهم ارتدّوا بعد رسول الله‘ غير أربعة»([286]).
وفي الاختصاص المنسوب للشيخ المفيد، بسنده إلى بريد بن معاوية، عن أبي جعفر× قال: «ارتدّ الناس بعد النبي‘ إلا ثلاثة نفر: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ثم إنّ الناس عرفوا ولحقوا بعدُ»([287]).
وفي روايةٍ أخرى، عن عمرو بن ثابت نفس المضمون، وفيه إضافة شيء من الطعن بعمار بن ياسر([288]).
وعن أبي بكر الحضرمي، قال: قال أبو جعفر×: «ارتدّ الناس إلا ثلاثة نفر: سلمان، وأبو ذر، والمقداد»، قال: فقلت: فعمار؟ فقال: «لقد جاض جيضة..»([289])، والجيضة هي الميل والزيغ([290]).
وعن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله×: ارتدّ الناس إلا ثلاثة: أبو ذر وسلمان والمقداد؟ قال: فقال أبو عبد الله×: «فأين أبو ساسان وأبو عمرة الأنصاري؟!»([291]).
وعن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر×، قال: «كان الناس أهل ردّة بعد النبي‘ إلا ثلاثة»، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: «المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ثم عرف الناس بعد يسير..»([292]).
وعن عبد الملك بن أعين، أنّه لم يزل يسأل أبا عبد الله×، حتى قال له: فهلك الناس إذاً؟ قال: «أي والله يا ابن أعين، هلك الناس أجمعون»، قلت: من في الشرق ومن في الغرب؟ قال: فقال: «إنّها فتحت على الضلال، أي والله هلكوا إلا ثلاثة، ثم لحق أبو ساسان، وعمار، وشُتَيرة، وأبو عمرة، فصاروا سبعة»([293]).
وعن حمران، قال: قلت لأبي جعفر×.. فقال: «ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟» قال: فقلت: بلى، قال: «المهاجرون والأنصار ذهبوا (وأشار بيده) إلا ثلاثة»([294]).
وفي خبر أبي بصير، عن أبي جعفر×، قال: «جاء المهاجرون والأنصار وغيرهم بعد ذلك إلى عليّ×، فقالوا له: أنت والله أمير المؤمنين وأنت والله أحقّ الناس وأولاهم بالنبي‘، هلمّ يدك نبايعك فوالله لنموتن قدّامك! فقال علي×: إن كنتم صادقين فاغدوا غداً عليَّ محلّقين، فحلق عليّ×، وحلق سلمان وحلق مقداد وحلق أبو ذر، ولم يحلق غيرهم، ثم انصرفوا فجاؤوا مرّةً أخرى بعد ذلك، فقالوا له: أنت والله أمير المؤمنين، وأنت أحقّ الناس وأولاهم بالنبيّ‘، هلمّ يدك نبايعك فحلفوا، فقال: إن كنتم صادقين فاغدوا عليّ محلّقين، فما حلق إلا هؤلاء الثلاثة». قلت: فما كان فيهم عمار؟ فقال: «لا». قلت: فعمار من أهل الردّة؟ فقال: «إنّ عماراً قد قاتل مع عليّ× بعدُ»([295]).
وفي مرسل محمد بن بشير، قال: «ما بقي أحدٌ إلا وقد جال جولة إلا المقداد بن الأسود، فإنّ قلبه كان مثل زبر الحديد»([296]).
فهذه الروايات واضحة في حصول حالة انهيار ديني بعد رسول الله‘ عبّر عنه بالارتداد، وقد ذكر بعض العلماء أنّه لا يُراد بالارتداد هنا الكفر بعد الإسلام، وإنّما الارتداد عن البيعة يوم الغدير وعن إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب([297])، فإذا لم يبق سوى ثلاثة فقط أو سبعة فأيّ مجتمع هذا إذاً؟!
وقد استشهد لعدم إرادة الارتداد الفقهيّ، بأنّ النصوص ذكرت تعبير «ارتدّ الناس»، وهو تعبير يعني الرجوع لغةً، ولم يرد فيها تعبير «الردّة» حتى يُفهم منه تكفير الشيعة لكلّ المسلمين([298]).
لكنّ بعض الروايات ـ كما رأينا ـ استخدم تعبير «ردّة»، مثل خبر سدير الوارد في رجال الكشي والكافي، وخبر أبي بصير في قصّة الحلق.
يُشار إلى أنّ هذا النوع من النصوص الذي ورد فيه استخدام الارتداد والردّة ونحوهما، قد ورد في بعض المرويّات السنّيّة القليلة، مثل:
أ ـ خبر موسى بن هياج، قال: لما ولي عمر بن عبد العزيز، قال القاسم بن محمّد: اليوم تنطق العذراء في خدرها، سمعت عمّتي عائشة تقول: «لما قبض ـ يعني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ـ ارتدّت العرب قاطبة، واشرأبّ النفاق وصار أصحاب محمّد كلّهم معري (معرى) مطيره في حفش، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي وعنائها..»([299]).
لكنّ هذا الحديث لا يفيد ارتداد أصحاب محمّد، بل كأنّه ناظر إلى قبائل العرب في الأطراف، فلاحظ.
ب ـ خبر عمرو بن ثابت، أنّه «لما مات النبي صلّى الله عليه وسلّم كفر الناس إلا خمسة»([300]).
وهو حديث ضعّفوه بعمرو بن ثابت، وعمرو هذا هو الذي له رواية شبيهة تقدّمت آنفاً في مصادر الشيعة.
ج ـ بعض صيغ حديث الحوض التي ورد فيه تعبير الارتداد، وقد تقدّمت.
لكنّ حديث الحوض لا يفيد ـ في أغلب صيغه عدا صيغة همل النعم المتقدّمة ـ ارتداد أغلب الناس، بل يفيد ارتداد بعض الجماعات من الناس، فراجع.
ولابدّ من دراسة هذه الأحاديث من حيث الصدور والدلالة، في ثلاثة أبحاث:
البحث الأوّل: رصد مصادر حديث ارتداد الناس
إنّ المصادر الأصليّة لهذه الأحاديث هي كتب: الاختصاص للمفيد، ومعرفة الرجال للكشي، والكافي للكليني، وكتاب سُليم بن قيس، وإلى هذه المصادر ترجع مجمل هذه الروايات ومهمّها، بصرف النظر عن حديث الحوض.
أ ـ أمّا كتاب الكافي للشيخ الكليني، فأمره واضح ولا نقاش فيه من حيث هو مصدر حديثي.
ب ـ وأمّا كتاب الرجال للكشي، فهو كذلك، لكن سيأتي البحث فيه في الفصل الأخير من هذا الكتاب، حيث سنتكلّم عن بعض الأمور التي تتصل به ومنها نسبته من جهة، واعتباره كثير الأخطاء من جهة أخرى، لكنّ هذا لا يضرّ بثبوت مصدريّته هنا.
ج ـ وأمّا كتاب سُليم بن قيس الهلالي، فالأخبار الواردة هنا فيه لابدّ من اعتبارها ضعيفة السند؛ لما حقّقناه في محلّه من أنّ سُليم بن قيس من الثقات الأجلاء، وله كتاب بهذا الاسم، إلا أنّ هذه النسخة الواصلة إلينا من هذا الكتاب لم تصلنا بأيّ طريق معتبر، تماماً كما هو رأي السيّد الخوئي.
ومحاولاتُ بعض المعاصرين تعويض سند هذا الكتاب ليست ناهضة، خاصّة ما اعتمد منها على طرق المتأخّرين التي لم يثبت كونها طرقاً حقيقيّة إلا بقرينة هنا أو هناك، بل سيأتي بالتفصيل في هذا الكتاب البحث حول قاعدة تعويض الأسانيد، وأنّ هذه القاعدة تواجه مشاكل عميقة في الإثبات.
وقفة حول ثبوت نسبة كتاب الاختصاص للشيخ المفيد
د ـ وأمّا كتاب الاختصاص، فالمشكلة فيه تكمن في صحّة نسبته للشيخ المفيد (413هـ)؛ حيث قد يقال بأنّه لا دليل يثبت ذلك.
وقد انقسم العلماء والباحثون في أمر مؤلّف هذا الكتاب إلى آراء:
الرأي الأوّل: وهم الذين يرون أنّ المؤلّف هو الشيخ المفيد، ومن أبرز هؤلاء العلامة المجلسي، الذي صرّح في مقدّمات البحار بالقول: «وأمّا كتاب الاختصاص، فهو كتابٌ لطيف مشتمل على أحوال أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله، والأئمّة عليهم السلام، وفيه أخبار غريبة، ونقلته من نسخة عتيقة، وكان مكتوباً على عنوانه: كتابٌ مستخرج من كتاب الاختصاص تصنيف أبي علي أحمد بن الحسين بن أحمد بن عمران رحمه الله. لكن كان بعد الخطبة هكذا: قال محمد بن محمد بن النعمان: حدّثني أبو غالب أحمد بن محمد الزراري وجعفر بن محمد بن قولويه إلى آخر السند، وكذا إلى آخر الكتاب يبتدئ من مشائخ الشيخ المفيد([301])، فالظاهر أنّه من مؤلّفات المفيد رحمه الله»([302]).
ومن هؤلاء أيضاً الحرّ العاملي كما يظهر من بعض كتبه، والسيد هاشم البحراني، والشيخ يوسف البحراني، والسيد محسن الحكيم([303])، وقد دافع السيّد جعفر مرتضى العاملي وآخرون عن هذا الرأي([304])، وخالفه السيّد الخوئي والسيد الزنجاني وغيرهما بشكل واضح([305]).
وممّن رفض النسبة الدكتور البهبودي في تعليقاته على البحار، حيث قال: «ويظهر من هذا التوافق بين كتاب الاختصاص وبين كتاب التكليف لابن أبي العزاقر الشلمغاني المعروف بفقه الرضا عليه السلام ـ كما عرفت في ج 51 ص 375 من هذه الطبعة ـ أنّ مؤلّف كتاب الاختصاص اعتمد على كتاب التكليف وأخذ عنه، كما أخذ عنه ابن أبي جمهور في كتابه غوالي اللئالي عارفاً بنسبة كتاب التكليف إلى مؤلفه. ويستظهر من هذا التوافق بين العبارتين أنّ مؤلّف كتاب الاختصاص ألّف كتابه وجمعه من مطاوي كتب المحدّثين تارةً مع السند، وتارة بلا سند، كما حذى حذوه مؤلّف كتاب جامع الأخبار الذي نُسب إلى الصدوق رحمه الله، فمن البعيد جداً أن يأخذ الشيخ المفيد عن الشلمغاني رواياته هذه وكلّها مرسلة، بلفظه ونصّه، وكيف كان هذا التوافق بين العبارتين مما يوهن نسبة كتاب الاختصاص إلى الشيخ المفيد قدس سره»([306]).
الرأي الثاني: إنّ الكتاب من تأليف أبي علي أحمد بن الحسين بن أحمد بن عمران، المعاصر للشيخ الصدوق، وقد ذهب إلى هذا الرأي غير واحد، مثل ضامن بن شدقم الحسيني المدني (1082هـ)([307]).
لكنّ الآغا بزرك الطهراني والسيد محسن الأمين العاملي ذهبا إلى أنّ هذا الكتاب الموجود بين أيدينا هو عين كتاب العيون والمحاسن للمفيد، وخطبة الكتابين واحدة، وأنّ الأصل هو لابن عمران لكنّ الموجود هو المختصر للمفيد([308]).
الرأي الثالث: إنّ الكتاب لجعفر بن الحسين المؤمن، ولم يتمّ التحقّق من قائل هذا الرأي، لكنّه ذكره السيد إعجاز حسين الكنتوري قائلاً: «وقيل: إنّ المؤلّف إنّما هو جعفر بن الحسين المؤمن، الذي قد تكرّر في أوائل أسانيد هذا الكتاب، لكنّ الظاهر من سياق الكتاب أنّ مصنّفه هو الشيخ المفيد وجعفر بن الحسين راويه، واعلم أنّ الذي يلوح من آخر الكتاب ومما كتبه بعض العلماء على ظهر بعض نسخه أنّ هذا الكتاب هو اختصار كتاب الاختصاص، لا نفسه، ومؤلّف الاختصاص هو الشيخ أبو علي أحمد بن الحسين بن أحمد بن عمران المعاصر للصدوق، ومؤلّف الاختصار الشيخُ المفيد..»([309]).
الرأي الرابع: ما ذكره بعض الباحثين المعاصرين، وهو الدكتور حسن الأنصاري، من أنّ الكتاب يرجّح أن يكون دفتراً لأحد المشتغلين بالحديث، جمع فيه متفرّقات حديثيّة من كتب كانت عنده ليستعين بها لاحقاً في تصنيفاته، وهذا ما يبرّر كلّ هذا الإرباك الموجود في الكتاب، ثم حاول هذا الباحث تقطيع الكتاب ليجعله متفرّقات بهذا النحو([310]).
والذي جُعل أساساً لرفض الوثوق بنسبة الكتاب إلى المفيد أمورٌ نعرض عن بعضها لوضوح ضعفها، لكن المهم هو:
1 ـ إن الكثير من روايات الكتاب قد صدّر بكلمة: حدّثني جعفر بن الحسين المؤمن، مما يظهر منّه أنّ هذا الكتاب يرجع إليه.
وأجيب بأن الكثير من الروايات الأخرى صدّرت بأسماء آخرين([311])، كما علّق السيد إعجاز حسين هنا ـ كما تقدّم ـ بالقول: «لكنّ الظاهر من سياق الكتاب أنّ مصنّفه هو الشيخ المفيد، وجعفر بن الحسين راويه»([312]).
وعلّق الطهراني على هذا الرأي أيضاً بالقول: «جعفر هذا هو أبو محمّد جعفر بن الحسين بن علي بن شهريار القمي المؤمن الذي توفي سنة 340، بالكوفة بعد انتقاله من قم إليها، كما ترجمه النجاشي ولم ينسب إليه الاختصاص، مع أنّه بمرآه، وإنّما ذكر من كتبه المزار والنوادر فحسب»([313]).
ومن الواضح أنّ هناك تفاوتاً في هذه الكلمات في تشخيص من هو جعفر بن الحسين هذا، ففي كلام الطهراني ما يدلّ على أنّه متقدّم زماناً على المفيد، وفي كلام إعجاز حسين ما يفيد أنّه راوية كتاب المفيد، وهو يقتضي التأخّر عن المفيد زماناً.
2 ـ وجود اختلافات في النسخ الخطيّة لهذا الكتاب، وكذلك تشويشٌ واضح، فخطبة الكتاب في إحدى النسخ تقع بعد صفحات من موقع الخطبة في نسخ أخرى، وقد قدّم السيد الزنجاني شرحاً بأحوال النسخ الخطّية والمطبوعة([314]).
وأجيب بأنّه لا مانع من أن يكون قد انفرط عقد بعض النسخ وحصل تشوّش فيها، فنظّمها منظّموها بطريقة سبّبت هذا الاضطراب([315]). على أنّ ذلك لا ربط شديداً له بنسبة الكتاب بقدر ارتباطه بضعف الوثوق به.
لكنّ فائدة هذا الارتباك تكمن فيما أفاده الزنجاني من أنّ بعض النسخ الخطيّة للكتاب وضعت فيها العبارة التي تفيد في مطلع الكتاب النقل عن المفيد.. وضعت في غير مطلع الكتاب([316])، ممّا يشكّكنا في كون الكتاب قد صدّر بهذه العبارة كي ننسبه للمفيد.
3 ـ إذا نظرنا في مشايخ مؤلّف الكتاب سنجد خمسة منهم من مشايخ المفيد، وستة عشر آخرين لا علاقة لهم بالمفيد، وليسوا من مشايخه سوى في هذا الكتاب، في المقابل هناك مشايخ معروفين للمفيد لم تذكر أسماؤهم هنا([317]).
وقد قدّم السيد جعفر مرتضى العاملي جواباً عن هذا الإشكال وغيره بأنّ أصل هذا الكتاب هو لأحمد بن الحسين بن أحمد بن عمران، وأنّ المفيد قام بانتخاب بعض الروايات من الكتاب الأصل على شكل كشكول تقريباً، وهذا معناه أنّ مشايخ الكتاب هم مشايخ ابن عمران وليسوا مشايخ المفيد؛ علماً أنه لا مانع من أن يروي المحدّث عن بعض مشايخه في بعض كتبه وليس كلّها، أو يكون قد تعرّف عليهم بعد ذلك([318]). ونسبة الكتاب الأصل لأحمد بن الحسين بن أحمد بن عمران موجودة على نسخة الحرّ العاملي وغيرها([319]).
4 ـ وهذا في تقديري إشكالٌ رئيس، وهو أنّنا إذا راجعنا كتب الفهارس والمصنّفات والرجال والجرح والتعديل القديمة، لا نجدها تذكر عند الحديث عن الشيخ المفيد هذا الكتاب، بل تعدّد سائر كتبه، وهذا ما يظهر بمراجعة النجاشي والطوسي وابن شهرآشوب والشيخ منتجب الدين وغيرهم من الشيعة والسنّة، ومعه فكيف يمكن التأكّد من نسبة الكتاب إلى المفيد؟!
وقد حاول المؤيّدون لنسبة الكتاب للمفيد تلافي هذا الإشكال، وذلك:
أ ـ إنّ كتب الفهارس لا تقوم في ترجمة المفيد على أساس ذكر جميع المصنّفات، وإنما غالبها أو قسم منها.
وهذا ـ وإن أمكن تأييده بذكر صاحب معالم العلماء بعض ما لم يذكره النجاشي من رسائل للمفيد ـ لكنّه لا يفسّر غياب اسم الكتاب من كلّ التراث الواصل إلينا، وعدم وجود إشارة من المفيد نفسه في سائر كتبه إليه، خاصّة وأنّ ما أشار له صاحب معالم العلماء هو عبارة عن رسائل صغيرة للمفيد، وليس كتباً مثل كتاب الاختصاص، وفقاً لرأي السيّد الزنجاني([320]).
ب ـ إنّ هذا الكتاب حيث كان اختياراً وانتخاباً من كتابٍ آخر؛ لهذا لم يُنسب للمفيد، ويشهد لذلك كتاب الفصول المختارة، الذي هو ما اختاره الشريف المرتضى من كتاب «العيون والمحاسن» للمفيد، حيث لم يذكر في عداد كتب المرتضى، بل ذكر في عداد كتب المفيد([321]).
وما ذُكر صحيح هنا، غير أنّ هذا لا يثبت صحّة نسبة الكتاب إلى المفيد، وإنما يجعل هذا الإشكال غير وارد على تقدير وجود دليل على صحّة نسبة الكتاب، فإلى الآن لم تتمّ البرهنة على صحّة نسبة الكتاب، وإنّما اكتفي بالجواب عن بعض الإشكاليّات، فعندما نراجع كتب العلماء إلى قريب القرن الحادي عشر الهجري ولا نجد ذكراً لهذا الكتاب عندهم، ثم يبدأ يظهر هذا الاسم منذ تلك الفترة منسوباً إلى المفيد، والنسخ التي لهذا الكتاب ترجع إلى تلك الفترة([322])، وقد راجعنا حتى الكتب غير الرجاليّة وغير المختصّة بالفهارس فلم نجد ـ في حدود المراجعة ـ أثراً لهذا الكتاب، بل عندما يذكر النجاشي مؤلّفات المفيد، وهو شيخه المبجّل، يستعرض حوالي المائتي كتاب، ويصدّرها بقوله: «له كتب: الرسالة المقنعة..»([323])، مما ظاهره الاستقصاء. ودعوى أنّ الكتاب هو العيون والمحاسن لا دليل عليها؛ إذ يُحتمل أنّ جامع الكتاب أخذ الخطبة أيضاً من بعض كتب المفيد، بل إنّ مجرّد ورود هذا الاسم في المقدّمة لا يُثبت الاتحاد. بل إنّ السيد الزنجاني يجمع المعلومات المتصلة بما نقل عن كتاب العيون والمحاسن، ويطابقها مع ما هو موجود في الاختصاص، فيرى عدم التطابق، باذلاً مقاربة لطيفة في هذا الصدد يمكن مراجعتها([324]).
وبعد هذا كلّه، نسأل: أين النسخ القديمة للكتاب؟ وأين الطرق الصحيحة التي تثبت تناقل نسخة الكتاب إلى عصر الشيخ المفيد؟ ثم كيف نفسّر هذا التفاوت في أسلوب التدوين بين هذا الكتاب وكتب المفيد؟ بل المعطيات تؤكّد عدم تطابق الكثير من مضمونه مع سليقة المفيد وآرائه العلميّة على ما استقرأه السيد الزنجاني([325])، ومجرّد ذكر اسم المفيد في مطلع الكتاب لا يدلّ على شيء في حالتنا هذه؛ لأنّه من المحتمل أنّ الكتاب جمعه شخص متأخّر زماناً عن المفيد وأخذ الكثير ممّا فيه من كتب المفيد وغيره، أو يكون عمدته كتاب ابن عمران وضمّ إليه أشياء اُخر.
وعليه، فمجرّد اشتهار كتاب منذ القرن الحادي عشر إلى يومنا هذا ـ وتعداد هذا النوع من الكتب ليس بالقليل ـ لا يُثبت نسبته لمؤلّفه لوحده، بل لابدّ من البحث والتنقيب، لاسيما وأنّ هذه الفترة هي فترة الإخباريّين الذين كانوا متساهلين في أمر الحديث نسبيّاً آنذاك.
ونحن نجد أنّ العلامة المجلسي عندما تحدّث عن مصادر كتابه الشهير «بحار الأنوار»، ذكر الاختصاص، وقال: «فيه أخبار غريبة، ونقلته من نسخة عتيقة، وكان مكتوباً على عنوانه: كتاب مستخرج من كتاب الاختصاص تصنيف أبي علي أحمد بن الحسين بن أحمد بن عمران رحمه الله، لكن كان بعد الخطبة هكذا: قال محمد بن محمد بن النعمان: حدّثني..»([326])، مرجّحاً بذلك أنّه من كتب المفيد، فنجد كيف أنه رجّح النسبة بمجرّد حصوله على نسخة عتيقة لا يعلم عنها شيء، وأكّد أنّ المفيد هو صاحب الاختصاص، وتبعه قوم من المتأخّرين([327]).
وأمّا أنّ الحر العاملي ذكر كتاب الاختصاص في جملة مصادره في الوسائل([328])، فهذا لا ينفع؛ لما بحثناه من أنّ طرق الحرّ العاملي ليست بالضرورة طرقاً إلى أعيان الكتب؛ لأنّ الإجازات تبركيّة آنذاك، وكلّ طرقه تنتهي إلى الشهيد الثاني والمحقّق الكركي والشهيد الأوّل، ثم يذكر طريقين من هؤلاء إلى الطوسي، فهل وصلته كلّ هذه الكتب من خلال هذين الطريقين أو أنّ مراده وصول أسمائها؟ وكيف صادف أن وصله الاختصاص من هؤلاء ولم يشر إليه أحدٌ عبر هذه الفترة الممتدّة إلى ستة قرون تقريباً مع أنّ المفيد ممّن تتداول كتبه في الحديث والفقه والأصول والكلام وغيرها؟!
وهذا معناه أنّنا لا يحصل لنا الوثوق بهذا الكتاب، ولو كان طريق الحرّ العاملي طريقاً حقيقيّاً لا تبرّكياً، فلماذا لم يجعل العلامة المجلسي هذه الطرق وسيلةً لإثبات هذا الكتاب، وإنّما اكتفى بأنّه عثر على نسخةٍ قديمة؟!
هذا، وعلى تقدير أنّ الكتاب هو لأحمد بن الحسين بن أحمد بن عمران، فهو مجهول الحال لم تثبت وثاقته. وأمّا دعوى أنّه أحمد بن عمران الحلبي من آل شعبة الثقات، المعاصر للكاظم والرضا، بقرينة عدم وجود رواية في الكتاب عن إمام بعدهما.. فهو غير مقنع؛ إذ أحمد بن عمران الحلبي في طبقة الباقر، وأمّا إذا قصد أحمد بن عمر بن أبي شعبة الحلبي، المعاصر لطبقة الكاظم والرضا، فهي دعوى بلا أيّ دليل؛ إذ اسم الجدّ ووالد الجدّ غير متطابقين، أو لا يُحرز تطابقهما، والظنّ لا يُغني من الحقّ شيئاً، علماً أنّ طريق المفيد إليه لم تُعلم صحّته.
وبهذا يظهر أنّه لا يوجد دليل مقنع يُثبت انتساب هذا الكتاب للشيخ المفيد، ولا لشيخٍ آخر ثابت الوثاقة والعلم، بل لو ثبت أنّه للمفيد فإحراز صحّة النسخة ـ بعد ما قلناه ـ ليس بالأمر السهل أيضاً، ومن ثمّ فلا يمكن الاستناد لمرويّات هذا الكتاب.
وبهذا نتوصّل إلى أنّ مصدرين أساسيّين من مصادر هذه النصوص غير معتبرين أساساً.
البحث الثاني: أسانيد حديث الارتداد، تفكيكٌ ونقد وتعليق
إذا أردنا رصد وتحليل أسانيد أحاديث الردّة والارتداد، يمكن شرح الموقف كالآتي:
أوّلاً: إنّ خبر سلمان (وهو الخبر الأوّل) الوارد في كتاب سُليم الهلالي، لم تثبت صحّته، بناءً على عدم ثبوت صحّة نسبة الكتاب، كما تقدّم.
ثانياً: إنّ الخبر الثاني ـ وهو خبر بريد بن معاوية ـ غير معتبر سنداً؛ إذ مضافاً لعدم ثبوت نسبة الكتاب الذي جاء فيه هذا الخبر، وهو كتاب الاختصاص، كما تقدّم، فإنّ مطلع الحديث هو: عدّة من أصحابنا، وهذا معناه أنّ المفيد أو ابن عمران صاحب الاختصاص أو أيّ شخص ثالث، نقل هذا الحديث عن عدّة من الأصحاب، ولا دليل على توثيق هذه العدّة، فيكون الخبر مرسلاً من هذه الناحية أيضاً، وعليه، فهذه الرواية غير ثابتة السند.
هذا مضافاً إلى أنّ في السند المثنى بن الوليد الحنّاط، ونحن ـ كما حقّقناه ـ نرى وثاقته مع احتياطٍ في أمره.
ثالثاً: وأمّا خبر عمرو بن ثابت الوارد في «الاختصاص» أيضاً، فمضافاً إلى مشكلة أصل كتاب الاختصاص المتقدّمة، ضعيف السند بجهالة عبد الله بن القاسم الحضرمي([329])، وضعف موسى بن سعدان([330]).
رابعاً: وأمّا خبر أبي بكر الحضرمي، فقد صدّر الكشي السندَ فيه بعليّ بن الحكم، دون أن يذكر سنده إليه فتكون مرسلةً، وأمّا السند في كتاب الاختصاص، فمضافاً إلى ما تقدّم حول أصل الكتاب، هناك أبو بكر الحضرمي نفسه، فتوثيقه مبني تارةً على وروده في أسانيد القمي وكامل الزيارة، وقد حقّقنا عدم صحّة المبنَيين، وأخرى على جعل ابن شهرآشوب له من خواصّ الإمام الصادق، وهو اجتهادٌ منه؛ علماً أنّه من المتأخّرين الذين لا يؤخذ بأقوالهم، ويبدو أنّه اعتمد في ذلك على رواية الأجلاء عنه أو روايته بعض الروايات الشيعيّة الخاصّة مثل هذه الرواية، فلم تثبت وثاقته عندنا.
يُضاف إلى ذلك أنّ في السند علي بن الحسين بن يوسف، وهو رجلٌ مهمل جداً([331])، لا ذكر له في كتب الرجال عند السنّة والشيعة.
خامساً: وأمّا خبر أبي بصير، فإنّ المشكلة الوحيدة فيه هي محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان، وقد حقّقنا في محلّه أنّ هذا السند إن لم يكن الأقرب أن يكون المراد بمحمد بن إسماعيل النيسابوري المجهول ـ على وجوه ناقشناها في محلّه ـ فلا أقلّ من تردّده بين النيسابوري والبرمكي الثقة، بعد استبعاد كونه ابن بزيع الثقة؛ لبُعد الطبقة، ومعه لا يصحّ هذا السند أيضاً.
سادساً: وأمّا خبر سدير الصيرفي، فهو ضعيف به؛ لأنّه مجهول، مضافاً إلى ضعف السند بالإرسال في تفسير العياشي.
سابعاً: وأمّا خبر عبد الملك بن أعين، فهو ضعيفٌ بجهالة أحمد بن محمد بن يحيى العطّار في سند كتاب الاختصاص، مضافاً إلى مشكلة الكتاب نفسه، لكنّ السند بطريق الكشي صحيح.
ثامناً: وأمّا خبر حمران بن أعين، فهو ضعيفٌ بسهل بن زياد، وكذلك بأبي خالد القماط اللذين لم تثبت وثاقتهما، ومحمد بن أورمة محلّ نظر وقد وصف الطوسي رواياته بأنّ فيها تخليطاً، وقد طعن الصدوق على ما تفرّد به وغير ذلك، ولهذا توصّل السيد الخوئي إلى صحّة رواياته ما لم يكن فيها غلوّ أو تخليط لا مطلقاً([332]). هذا مضافاً إلى جهالة يحيى بن أبي خالد القماط أيضاً([333]).
تاسعاً: وأما خبر أبي بصير الآخر الذي يتحدّث عن الحلق، ففيه محمد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان، وقد قلنا بأنّ هذا السند غير معتبر.
عاشراً: وأما خبر محمد بن بشير، فهو ضعيف بالإرسال، وبجهالة جبرئيل بن أحمد.
وبهذا يظهر أنّ هذه الروايات بأجمعها ضعيفة السند عدا رواية واحدة (وعند المشهور ثلاث روايات؛ لتصحيحهم سند محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان)، وهي خبر عبد الملك بن أعين بسند الكشي إليه. ومن الواضح أنّ مضمون الحديث ـ سواء عنى الارتداد بمعنى الكفر أم الارتداد بمعنى النكوص عن إمامة علي وتركه بعد مبايعته في الغدير ـ يعبّر عن تهمة عظيمة لآلاف المسلمين، الأمر الذي يستدعي حرصاً في درجة الوثوق وكيفية تكوّنها.
والملفت أنّ هذه الروايات ورد في أسانيدها أشخاص ضعاف وغلاة أو متهمون بذلك، مثل سهل بن زياد، وموسى بن سعدان، وسدير، ومحمد بن أورمة، وفي حال من هذا النوع يصعب الوثوق بصدور هذه الروايات، لاسيما مع عدم ورودها في مصادر الحديث الأساسيّة، عدا روايتين في الكافي ضعيفتين من حيث السند (خبر سدير ـ خبر حمران).
هذا، وتفسير العياشي كله مراسيل، ورجال الكشي فيه مشاكل كثيرة كما ذكر النجاشي، وكتاب الاختصاص تقدّم حاله، فكيف يمكن الاعتماد على مثل هذه الروايات لاتهام آلاف المسلمين بالانحراف والحكم عليهم بالنار والهلاك؟!
هذا كلّه من حيث السند والمصدر.
البحث الثالث: دراسة مضمون الحديث، أو النقد المتني
انطلاقاً ممّا تقدّم، ننطلق مرّةً ثالثة إلى دراسة متن الحديث، حيث قد يُناقش في الأخذ بهذه الروايات من حيث مضمونها، بعدّة مناقشات:
المناقشة الأولى: ما ذكره الشيخ جعفر السبحاني، من أنّ الكتب التاريخيّة كالطبري وغيره، ذكرت أنّ جماعةً من بني هاشم قد تحصّنت في بيت عليّ بن أبي طالب معترضين على ما آل إليه أمر السقيفة، وأنّ معهم الزبير بن العوام وطلحة، وأنّه هناك هدّد عمر بن الخطاب بإحراق الدار، فقيل له: إنّ فيها فاطمة، فقال: وإن. فكيف يقال بأنّه لم يكن مع عليّ غير ثلاثة أو أربعة؟!([334]).
وهذا الإيراد نافعٌ بناءً على القول بحجيّة خصوص الخبر الموثوق بصدوره على ما هو الصحيح؛ لأنّ وجود هذه النصوص في المصادر التاريخيّة يُضعف من قوّة الوثوق بنصوص الارتداد، إلا على تفسير سنذكره قريباً.
المناقشة الثانية: إنّ الشيخ الصدوق ذكر المنكرين لخلافة أبي بكر من المهاجرين والأنصار، وبلغوا عنده اثني عشر رجلاً، وهم: خالد بن سعيد بن العاص، والمقداد بن الأسود، واُبي بن كعب، وعمار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعبد الله بن مسعود، وبريدة الأسلمي، وخزيمة بن ثابت، وسهل بن حنيف، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو هيثم بن التيهان، فكيف يمكن القبول برواية الثلاثة مع وجود هذه الرواية؟!([335]).
والرواية المذكورة وإن كانت ضعيفة السند لكنّها أيضاً تصلح للانضمام إلى ما سبق، بهدف إرباك الاستناد إلى حديث ارتداد الناس بعد النبيّ.
المناقشة الثالثة: إنّ هذه الروايات هنا متعارضة فيما بينها، فبعضها يذكر ثلاثة، وبعضها سبعة، وبعضها ستة، وهو تعارضٌ يوهن الرواية([336]).
ونحن نزيد بأنّ في رواية سُليم رقم أربعة، وفي مرسل محمد بن بشير أنّ الكلّ جال جولة إلا المقداد، أي واحد، وفي رواية أبي بصير يستنكر الإمام أن يكونوا ثلاثة ويضيف لهم اثنان، فكأنّه ناظر لروايات الثلاثة ويريد استنكارها وتكذيبها، نعم رواية السبعة تشير إلى صيرورتهم سبعةً فيما بعد، فلا تعارض رواية الثلاثة.
المناقشة الرابعة: إنّ بني هاشم كانوا مع عليّ× ولا أقلّ فاطمة الزهراء÷، فكيف لا يُذكر هؤلاء ولا يحسبون مع الباقين؟!
وهذا الإيراد ربما يمكن الجواب عنه بأنّ مراد الرواية غير البيت العلوي، ولو بقرينة كلمة «الناس»، فليس هذا الإيراد قويّاً.
المناقشة الخامسة: إنّ بعض هذه الروايات يُفهم منه هلاك الناس إلا ثلاثة، مثل خبر عبد الملك بن أعين (الصحيح السند بين هذه النصوص) وخبر حمران، فكيف يمكن الجمع بين هذا الكلام وبين الروايات الدالّة على لحوق آخرين بهم بعد ذلك ليصبحوا سبعة، فإنّ الثانية ظاهرة في صلاح حالهم بعد هذا الأمر، فكيف يتصوّر هلاكهم؟! بل كيف يتصوّر هلاك كلّ هذا الجمع مع أنّ عدداً منهم كان مع عليّ والحسن والحسين في الحروب، بل لقد استشهد بعضُ الصحابة مع عليّ والحسين مثل حبيب بن مظاهر وغيره([337])، فهل هلك هؤلاء أيضاً؟! وإذا فُسّر الهلاك بأنّهم ارتدّوا ثم عادوا، فهو وإن كان خلاف الظاهر، إلا أنّه سوف يأتي أنّ هذا ينفعنا ولا يضرّنا.
المناقشة السادسة: إنّ مرسل محمد بن بشير لا يدلّ على أنّ الناس كلّها تركت الإمام عليّاً، بل غايته أنّ الوحيد الذي لم يتزلزل كان المقداد بن الأسود، وهذا لا يُفهم منه ترك الكثيرين للإمام عليّ، فلعلّهم حصل لهم تزلزل ثم عادوا في اليوم نفسه.
من هنا، قد تعني بعض هذه الروايات ـ وربما جميعها ـ أنّ حالةً من الاضطراب حصلت عقب وفاة الرسول‘، وأنّ غالب المسلمين لم يقفوا مع الإمام عليّ، وإنّما التزموا الصمت إزاء ما حدث، ولو لمدّة زمنيّة قصيرة جداً، وكأنّهم كانوا مدهوشين، أو سقطوا أخلاقيّاً للحظة زمنيّة تاريخيّة، ثم انجلت الصورة لهم وعرفوا كما توحيه بعض النصوص المتقدّمة، أو ندموا، فرجعوا إلى عليّ، لا أنّهم وقفوا ضدّه أو عارضوه أو وقفوا مع غيره، هذا فضلاً عن أنّ بعض التفاسير الشيعيّة للأحداث التاريخيّة تشير إلى أنّ بعض حروب مانعي الزكاة كمالك بن نويرة كانت لرفض الخلافة التي أعطيت للخليفة أبي بكر لصالح الإمام عليّ، فكيف يفسّر الأمر بأنّه هلاك لكلّ الناس إلا الثلاثة؟!
فإذا كان عمار جاض جيضة ثم رجع ولم نقل بفسقه، فإنّ البقيّة حصل معهم ذلك، وهذا لا يلغي أدلّة العدالة بل يوحي بالسقوط الأخلاقي في لحظة تاريخيّة، ثم التوبة وعود الأمور، غاية الأمر أنّهم عادوا بعد فوات الأوان.
بل إنّ ما توصّلنا إليه في الأبحاث السابقة يناقض هذا الذي تريد هذه الروايات تحقيقه، فنصوص الكتاب والسنّة ـ ولو الضعيفة سنداً ـ عند الشيعة والسنّة تقدّم لنا صورةً مختلفة عن مجتمع النبيّ‘ ليس معصوماً ولا منزهاً لكن لا يمكن تصوّر هلاكه بأجمعه. بل إنّ صحيحة هشام بن سالم التي ذكرناها في الأدلّة الحديثية على تعديل الصحابة تفيد مدحاً عظيماً لاثني عشر ألف صحابي، فكيف يمكن تصديق هذه الروايات هنا وغالبها ضعيف السند؟!
إنّنا نفهم ارتداد الناس بمعنى عدم الوقوف إلى جانب عليّ، أو ارتباكهم في الأيّام الأولى، أما هلاكهم كما تريد الرواية الصحيحة السند هنا وغيرها أن تفيد، فهذا غير واضح، ومن ثمّ فالأفضل الذهاب خلف التفسير التوفيقي الذي طرحناه آنفاً.
ومن خلال مجموع مداخلاتنا السابقة على مسألة عوائق النظريّة المختارة خاصّة حديث ارتداد الناس، يمكن أن نستخلص الآتي:
لا يبعد أن يقال: إنّ المسلمين عصر النبي كانوا على مجموعات ثلاث:
الأولى: وهي الطائفة المؤمنة المخلصة المتفانية في سبيل الله، والتي ندر أن يسجّل عليها ملاحظة أو هفوة فاضحة أو سقطة بيّنة، بل كانت دائماً تتبع التعاليم وتتفانى في العمل بها.
الثانية: وهي الطائفة المؤمنة المخلصة أيضاً، لكنّ إيمانها لم يكن بحجم عدم السقوط في هفوات وزلات أساسية، فقد كان يتغلّب عليهم الشيطان أحياناً، أو يستزلّهم ويسقطهم بهفوات، أو ينصاعون للرغبات الشخصية فيسقطون فيها لفترة أو ضمن ظرف حرج وحسّاس، وهؤلاء كانت تصدر منهم هذه الأمور لا عن خبث وسوء وترصّد مسبق، بل لأنّ طبيعة الإنسان خطّاءة، وليس كلّ الناس على درجة واحدة من الإيمان والعمل، فهم درجات عند الله، وقد نزلت في هذه الطائفة التي نعتقد أنها تمثّل شريحة كبيرة من المسلمين في عصر الرسالة.. نزلت الكثير من الآيات التي تعلّق على فعلٍ ما ارتكبوه هنا أو خطأ ما وقعوا فيه هناك، أو هفوةٍ أو سقطة جرّهم الشيطان أو الدنيا أو الهوى إليها، وربما الجهل أحياناً، فاستنكرت الآيات منهم هذا الفعل ونبّهتهم عليه، وفي بعض الأحيان أشارت إلى عفو الله عمّا صدر مع استنكاره وتذكيرهم بضرورة أن لا يعودوا إلى مثل هذا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 155)، وقال عز من قائل: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 152)، وقال تبارك وتعالى: ﴿لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (التوبة: 117 ـ 118).
الثالثة: وهي الطائفة المنافقة التي دخلت الإسلام عن نفاق أو عن صدق ثم نافقت، وكان همّها وقصدها الانتفاع والمصلحة والوصولية أو تدمير الدين وتفتيته أو الحفاظ على أوضاعها التي كانت تملكها في ظلّ الحال الاجتماعي والاقتصادي القديم السابق على عهد الإسلام، وهؤلاء سمّاهم الله في أكثر الأحيان بالمنافقين، وقد نزلت فيهم الكثير من الآيات القرآنية أيضاً تندّد بهم وتستنكر أفعالهم ومواقفهم، دون أن نجد على لسان هذه الآيات عطفاً عليهم أو رحمةً بهم، كتلك التي كنا نجدها مع المؤمنين الذين يرتكبون بعض الأخطاء، ولا حاجة للتذكير بآيات هذه الطائفة فهي كثيرة ومعروفة جداً.
من هنا، لا يصحّ أن ننظر إلى مجتمع الصحابة على أنه مجتمع ثنائي الشريحة: إما مؤمن تقي لا يزلّ ولا يسقط، وإما منافق وصولي انتهازي لا يُحسن فعلاً ولا يمدح على صنع، بل التقسيم ثلاثي بالطريقة التي بيّناها، الأمر الذي ينسجم أيضاً مع المنطق التاريخي الطبيعي للحركات الدينية في لحظات انطلاقتها العاطفية الأولى.
كما لا يصحّ أن ننظر إلى مجتمع الصحابة على أنه بأكمله وبتمام أفراده مجتمع سليم عادل تقي نزيه ورع، إلا ما شذّ وندر، ولا ننظر إليه أيضاً بنظرة أحادية أخرى بوصفه مجتمعاً ملوثاً سيئاً سلبياً فاسداً إلا ما شذّ وندر، فالنظرة الأحادية الإيجابية أو السلبية، وكذلك النظرة الثنائية المتقدّمة كلّها قراءات غير صحيحة للمجتمع الإسلامي الأوّل حسبما يستوحى من القرآن الكريم.
لهذا توصّلنا إلى أنّ غالب الصحابة كان صالحاً قد تصدر منه هفوة هنا وأخرى هناك وقد يزل وقد يسقط، لكن النظرة المجموعية التي تلاحظ الجماعة لا الأفراد تشي بالصلاح العام.
وعليه، فالعوائق التي تقف في مقابل النظريّة التي توصّلنا إليها غير ناهضة، فالأصحّ القول بصلاح أغلب الصحابة بالمعنى الأصولي، دون الحديثي، وخاصّةً منهم المهاجرون والأنصار، دون أن يعني ذلك تعديل الجميع، ولا تأسيس قاعدة عدالة الصحابة ولا أصالة العدالة في الصحابي، نعم هذا يقتضي أنّه كلّما عرفنا أنّ فلاناً صحابيٌّ ولم يثبت فيه ضعف بدليلٍ مقنع، زاد احتمال صلاحه وكونه من الأغلبيّة الصالحة، فلاحظ وتأمّل، ولعلّه بهذا يكون في الصحبة نوع مدح بهذا المعنى، وربما يكون هذا ما أراده الحرّ العاملي فيما نقلناه عنه مطلع هذا البحث من أنّ الصحبة بنفسها نوع مدحٍ.
عدالة الصحابة ومديات إنتاج حجيّة الرواية
ما تقدّم كان دراسةً في عدالة الصحابة، لكن لو أثبتنا عدالة الصحابة ـ بالمعنى الشمولي المشهور عند أهل السنّة أو بالمعنى الأغلبي الذي اخترناه هنا، ولعلّنا خالفنا فيه مشهور السنّة والشيعة معاً ـ فإنّ الأدلّة السابقة تعطي صلاحاً أخلاقيّاً لهؤلاء المعدَّلين، لكنّ الصلاح الأخلاقي لا يساوق حجيّة حديث الصحابي دائماً، فضلاً عن أن يساوق حجيّة سنّته أو قوله أو اجتهاده وفتاويه؛ وذلك أنّ الصحابي من الممكن أن يكون عادلاً صالحاً موعوداً بالجنّة، لكنّه قليل الضبط كثير الخطأ والاشتباه في النقل، والخصوصيّة الأخلاقيّة التي فيه لا تساوق الخصوصيّة التكوينية التي تحتاجها تقنيّات التناقل الحديثي.
وهذا يعني أنّ إثبات العدالة لا يساوق حجّية الرواية، بل لابدّ من التثبّت من مستويات نقل هذا الصحابي، وهل أنّه كثير الخطأ أو أنّه يدلّس تدليساً لا يوجب ضعفه الأخلاقي، أو أنّه كثير الوهم والالتباس، أو أنّه لصغر سنّه في زمن النبيّ لم يكن دقيقاً في ملاحظة الوقائع كابن عبّاس وأنس بن مالك، أو أنّه لكثرة رواياته يقع في وهمٍ كثير حتى خالفه بعض الصحابة في ذلك، مثل أبي هريرة، أو لضعفٍ في بعض حواسه يكون إخباره عن الأمر الذي هو ضعيف الحاسّة به مشوباً بالريب أحياناً كابن أمّ مكتوم أو غير ذلك.
وهذا ما يُنتج أيضاً أنّ ما سلكه بعض العلماء من الاكتفاء بتعديل الله للصحابة في الأخذ بحديثهم دون دراسة أحوالهم في النقل والتحديث، غيرُ صحيحٍ إطلاقاً.
نتائج البحث في عدالة الصحابة
نخرج من هذا البحث بعدّة نتائج، هي:
1 ـ لا شكّ في أنّ الأنبياء خاضوا تجارب كبيرة وناجحة على مستوى أداء وظائفهم العظيمة، إلا أنّ ذلك لا يعني أنّ حجم اتّباع الناس لهم يجب أن يكون متناسباً مع حجم جهودهم، فقد ظلّ النبيّ نوح× في قومه قرابة ألف عام لكن في نهاية المطاف لم يؤمن معه إلا القليل، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (هود: 40)، وخاض نبيّ الله موسى× تجربةً طويلة قاسية مع قومه حكى لنا فيها القرآن عن مصاعب، وأنّ قومه لم يكونوا في كثير من المراحل بمستوى الرسالة التي أتاهم بها وعمل عليها.
إنّ المنطق القرآني يشير إلى قلّة تجاوب الناس مع دعوة الأنبياء من جهة أولى، وعدم رسوخ الإيمان إلا عند فئة محدودة من الذين التحقوا بالدين من جهة ثانية كالحواريّين بالنسبة إلى عيسى×، ووقوع الاختلاف بين أبناء الديانات من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم من جهة ثالثة.
إذن، فمن الممكن أن تتشابه التجربة المحمّدية مع التجارب السابقة، من هنا حاول القرآن أن يشرح لنا معالم المجتمع المحيط بالنبيّ من خلال شرح تجربته.
فمع إشارته إلى قلّة المؤمنين في بداية الدعوة، إلا أنّه يشير إلى عنصر الكثرة فيما بعد، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ..﴾ (الأعراف: 86)، وقال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ (النصر: 1 ـ 3).
أشار أيضاً إلى سعي كتاب الله لبناء هذه الجماعة، لقد كشف عن السقطات هنا وهناك، عن أخطاء ارتكبت هنا وهناك، لقد كشف عن درجات كبيرة تبدأ من المنافقين الذي انقسموا كما رأينا بين جماعات مكشوفة وأخرى مستورة، لتصل إلى خلّص الصحابة، كما تشير إلى ذلك آية النجوى وغيرها، ليعلن في نهاية المطاف تكوّن الجماعة الصالحة، وهي جماعة غير معصومة، قد تسقط أحياناً بغرور القوّة كما حصل في حُنين، وقد تُخترق بالمندسّين كما حصل في حركة النفاق، وقد تصدر من بعض رجالها تصرّفات لا تُحسب على درجات الإيمان الأولى، وقد تكون هناك زلات وأخطاء، لكنّ الجماعة بشكل عام صارت مهيّئة للقب: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ..﴾ و ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ..﴾ و ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾..
كان القرآن يحذّر تارةً من حركة النفاق، وأخرى يكشف بنزعة واقعيّة عن مستويات الإيمان في المجتمع النبويّ، وثالثة يبدي رضاه عن المنجزات التي وصل إليها هذا المجتمع.. إنّ الجمع بين هذه العناصر يساعد على تكوين صورة واقعيّة للمشهد.
2 ـ إنّ الحديث عن عصمة الصحابة أو عدالتهم فرداً فرداً لاسيما بالمعنى الحديثي للصحبة، حديثٌ بعيدٌ عن الجمع بين متفرّقات النصوص الدينيّة والمعطيات التاريخيّة والعقلانيّة، كما أنّ الحديث عن كفر أو فسق أو انحراف أغلب الصحابة بحيث لم يبقَ إلا القليل النادر جداً حديثٌ لا ينسجم مع النصوص الدينيّة أيضاً، ويعتمد على معطيات أيديولوجيّة تارةً ونصوص لا ترقى إلى مستوى إثبات تهمة بهذا الحجم تطال آلاف المسلمين الأوائل تارة أخرى.
3 ـ إنّ مفهوم الصحبة بالمعنى الحديثي غير ثابت، والأصحّ هو الصحبة بالمعنى الأصولي، والثابت هو صلاح حال أغلب الصحابة بالمعنى الأصولي، ولكنّ هذا لا ينتج قاعدة عدالة الصحابة بالمعنى الشمولي، كما أنّه لا يعني العصمة وعدم الوقوع في ذنبٍ هنا أو هناك قد يرجع عنه ويتوب هذا الرجل الصالح أو ذاك.
4 ـ انطلاقاً مما تقدّم يفترض السعي للحصول على صورة أكثر واقعيّة عن الصحابة، يتخلّى فيها السنّي عن شعوره العقدي الأيديولوجي بأنّ عدالة الصحابة أجمعين جزءٌ عقائدي يمسّ هويته، كما يتخلّى فيها الشيعي عن الشعور بالثأر من الصحابة بالرغبة في مهاجمتهم وتحريف صورتهم وتشويهها.
إنّ القول بصلاح المجتمع عموماً، مع إمكانية فساد أفراد أو حصول هفوات وسقطات، قولٌ يجمع بين نجاح التجربة النبويّة فيما أدّته، وطبيعة النفس البشريّة في نوازعها نحو الخير والشر، وفي فهم الظواهر والأحداث التاريخيّة التي وقعت في الزمن النبويّ وما بعده. إنّ هذا القول يضعنا أمام تقديرٍ لمجتمع الصحابة لا يبلغ حدّ الإفراط في التقديس، ولا حدّ التفريط في الطعن عليهم ونكران جميلهم.
5 ـ إنّ القول الذي توصّلنا إليه يمكنه أن يحقّق تقارباً جزئيّاً حقيقيّاً بين المسلمين، ليس الهدف من هذه النتيجة هدفاً براغماتياً، لكن صادف أنّ حقق غايةً هنا، أعتقد أنّ غالبيّة المسلمين قد تفسح لها الفرصة على التوافق على هذه النتيجة، إذا تجاوزنا تيارات في أقصى اليمين واليسار.
6 ـ إذا كان بعض علماء الشيعة يرون فسق غالب الصحابة، فهذه ليست قضيّة إجماعيّة، ومن يطالع كتب المطاعن عند الشيعة سيجد التركيز على عدد محدّد من الصحابة، وهذا معناه أنّ المطلوب إعادة تكوين صورة الصحابة حتى في الوعي الشيعي الذي نعتقد أنه قصّر في هذا المجال، كما قصّر الوعي السنّي في استحضار أهل البيت أيضاً.
من هنا، يمكن أن يُقترح الإعداد لبرامج إعلاميّة وتثقيفيّة وتوعويّة تعرّف الشيعة بمآثر الصحابة وتوطين النفس على الإقرار بحسنات الآخرين مهما اختلفنا معهم، قال تعالى: ﴿.. وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى..﴾ (المائدة: 8).
وفي المقابل تهيء هذه البرامج الإعلاميّة لتعريف أهل السنّة بأهل البيت ومآثرهم ومكانتهم وفضلهم ودورهم في التاريخ الإسلامي.
وتتمّ هذه البرامج عند الطرفين عبر أفلام أو مسلسلات تلفزيونيّة وسينمائيّة، وكذلك أكثر من عمل قصصي وروائي للأطفال وغيرهم، إلى جانب تداول كلماتهم في المجتمعَين المسلمَين.
ولا نفرض على أيّ من الفريقين أن يفعل ذلك مع من لا يؤمن به أو يراه عدوّاً لله ورسوله، فهذا رأيٌ محترم، لكن بالإمكان فعل ذلك في المساحة المفتوحة الكبيرة، وعلى المستوى الشيعي التذكير بعامة غزوات النبيّ والفتوحات والأعمال البطوليّة الموجودة عند الكثير من الصحابة والمدوّنة حتى في المصادر الشيعيّة نفسها.
([1]) هذا البحث جزءٌ من كتاب (منطق النقد السندي، بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل 2: 7 ـ 205)، من تأليف حيدر حبّ الله، نشر مؤسّسة الانتشار العربي في بيروت، الطبعة الأولى، 2017م.
 ([2]) انظر: الخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية: 63 ـ 64.
 ([3]) الجوهر النقي 1: 420 ـ 421.
 ([4]) انظر: وصول الأخيار إلى أصول الأخبار: 459.
 ([5]) انظر: رسالة في معرفة الصحابة: 1.
 ([6]) راجع: الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام 2: 90 ـ 91.
 ([7]) انظر: العدوي والمحرمي والوهيبي، السنّة الوحي والحكمة 2: 302.
 ([8]) الإصابة 1: 162.
 ([9]) انظر: المستصفى 1: 483 ـ 484؛ والكفاية في علم الرواية: 63، 66؛ والإصابة 1: 162؛ والصواعق المحرقة: 210.
 ([10]) الاستيعاب في أسماء الأصحاب 1: 19.
 ([11]) الإصابة 1: 158؛ وانظر: رياض السالكين 2: 94 ـ 96.
 ([12]) البحر المحيط في أصول الفقه 3: 359.
 ([13]) انظر: علي الميلاني، الصحابة: 13.
 ([14]) الإصابة 1: 158.
 ([15]) انظر: آصف محسني، عدالة الصحابة على ضوء الكتاب والسنّة والتاريخ: 7، 10.
 ([16]) انظر: نور الدين عتر، منهج النقد في علوم الحديث: 116 ـ 117.
 ([17]) انظر: الإحكام 2: 321.
 ([18]) انظر: العدوي والمحرمي والوهيبي، السنّة: الوحي والحكمة 2: 287؛ لكن الذي في الطبعة التي عندي من كتاب مختصر العدل والإنصاف للشماخي، ليس هناك هذا النص الذي ينقله الفضلاء الثلاثة، بل الموجود أنّه من رأى النبيَّ أو سمعه مؤمناً به، وقيل: من أطال الصحبة (ص 40)، حيث ينسبه للقيل، والله العالم.
 ([19]) الكفاية في علم الرواية: 68 ـ 69؛ وأسد الغابة 1: 12؛ وابن الصلاح، المقدّمة (علوم الحديث): 175. وقد جعل بعضهم قول سعيد منفصلاً عن قول جمهور الأصوليّين، لكنّه لا يختلف عنه، وإنّما هو تعبير آخر عن طول الصحبة وعن الملازمة في تقديري، خاصّة وأنّ أمثال المتقدّمين كسعيد بن المسيب لا يستخدمون هنا النسق الحادّ للتعريفات المنطقيّة، فلا داعي لتكثير التعريفات كما فعل بعضهم، مثل العلامة المامقاني في مقباس الهداية 2: 325 ـ 330.
 ([20]) ابن الصلاح، المقدّمة (علوم الحديث): 175.
 ([21]) الاستيعاب 3: 916.
 ([22]) البحر المحيط في أصول الفقه 3: 359 ـ 360؛ وانظر: ابن الصلاح، المقدّمة (علوم الحديث): 175.
 ([23]) ابن الصلاح، (علوم الحديث) المقدّمة: 294.
 ([24]) المامقاني، مقباس الهداية 2: 326.
 ([25]) عتر، منهج النقد في علوم الحديث: 117.
 ([26]) العسكري، معالم المدرستين 1: 88.
 ([27]) البداية: 145؛ والرعاية: 269.
 ([28]) انظر: وصول الأخيار: 459.
 ([29]) انظر: حسن بن فرحان المالكي، الصحبة والصحابة: 21.
 ([30]) انظر: فتح الباري 7: 4؛ وعمدة القاري 16: 169.
 ([31]) انظر: أسد الغابة 1: 12؛ وعمدة القاري 16: 169؛ وابن الصلاح، علوم الحديث: 295؛ والآمدي، الإحكام 2: 321 (دار الكتب العلميّة).
 ([32]) صحيح البخاري 4: 188.
 ([33]) انظر: تدريب الراوي 2: 212.
 ([34]) عمدة القاري 24: 192؛ وانظر: أسد الغابة 1: 55.
 ([35]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: الآمدي، الإحكام 2: 321 ـ 322.
 ([36]) انظر: ابن حجر، فتح الباري 7: 2.
 ([37]) الفئام: الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه. انظر: لسان العرب 12: 447 ـ 448.
 ([38]) صحيح مسلم 7: 184.
 ([39]) صحيح البخاري 4: 175، 188 ـ 189؛ وصحيح مسلم 7: 184؛ ومسند ابن حنبل 3: 7.
 ([40]) انظر: حسن بن فرحان المالكي، الصحبة والصحابة: 117.
 ([41]) يجب أن أشير هنا إلى أنّه لا يصحّ الإيراد على أهل السنّة بأنّه لا يقبل عقل ولا وجدان تعديل أحد بمجرّد صحبته للنبي أو لقائه أو رؤيته له مرّة واحدة، إذا لا تلازم بين هذه الأمور وبين العدالة، ولا يوجد تفاعل كيميائي بينهما (انظر: آصف محسني، عدالة الصحابة: 10 ـ 12؛ والسبحاني، الإلهيات 4: 441؛ وعبد الله دشتي، وقفة مع قانون الصحابة: 18 ـ 20)، ووجه الخطأ في هذه المقاربة أنّ أهل السنّة لا يعدّلون لوجود ملازمةٍ مثل هذه، بل طبيعة استدلالاتهم قائمة على التعديل انطلاقاً من النصوص، حتى لو أرفقوها بمثل هذه التوجيهات المؤيّدة أحياناً، فتبسيط المشهد بهذه الطريقة غير صحيح، ففرق بين تعديل كلّ من رأى النبي لأنّه كان بالفعل عادلاً بنصّ القرآن مثلاً، وبين كون سبب التعديل ودليله مجرّد رؤيته للنبيّ، فتأمّل جيّداً.
 ([42]) زاد المسير في علم التفسير 1: 73.
 ([43]) انظر حول الآيات التي من هذا النوع: ابن الصلاح، علوم الحديث: 294 ـ 295؛ وعمدة القاري 12: 121؛ والخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية: 64؛ والغزالي، المستصفى: 130؛ والرازي، المحصول 4: 307؛ والآمدي، الإحكام 2: 91؛ والرازي، الجرح والتعديل 1: 7؛ وابن حجر، الإصابة 1: 17 ـ 19؛ وابن حزم، المحلّى 9: 362؛ والقاضي الجرجاني، شرح المواقف 8: 373؛ والهيتمي، الصواعق المحرقة: 208 ـ 210؛ وناصر بن علي عايض حسن الشيخ، عقيدة أهل السنّة والجماعة في الصحابة الكرام 1: 55 ـ 68، 79 ـ 83؛ وغير ذلك.
 ([44]) التفسير الكبير 4: 111.
 ([45]) المصدر نفسه 4: 112.
 ([46]) انظر: التحرير والتنوير 3: 187 ـ 188.
 ([47]) انظر: حيدر حبّ الله، فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 71 ـ 85.
 ([48]) المفيد، الإفصاح: 142 ـ 148؛ وأبو الصلاح الحلبي، تقريب المعارف: 382.
 ([49]) انظر: خاتمة المستدرك 1: 212.
 ([50]) انظر: نور الله التستري، الصوارم المهرقة: 26 ـ 27؛ والحسني، دراسات في الحديث والمحدّثين: 75 ـ 76.
 ([51]) انظر: الإفصاح: 149.
 ([52]) علي بن يونس العاملي، الصراط المستقيم 3: 92 ـ 93.
 ([53]) الأمثل 16: 499 ـ 500؛ وانظر: علي اصغر رضواني، نقدى بر عدالت ومرجعيّت دينى صحابه: 111 ـ 112.
 ([54]) انظر: السبحاني، الإلهيّات 4: 447؛ ورضواني، نقدى بر عدالت ومرجعيّت دينى صحابه: 111.
 ([55]) انظر: التبيان 9: 338؛ والإفصاح: 149؛ وجوامع الجامع 3: 395؛ ومجمع البيان 9: 213؛ والميزان 4: 418، و9: 296، 374؛ وتفسير شبّر: 481؛ وآصف محسني، عدالة الصحابة: 18؛ وبحوث في علم الرجال: 80 ـ 81.
 ([56]) انظر: التبيان 9: 338؛ والكشاف 3: 553؛ وتفسير ابن كثير 7: 363؛ والمحرّر الوجيز 5: 144؛ والتفسير المنير 26: 205.
 ([57]) انظر: مجمع البيان 9: 192.
 ([58]) الميزان 18: 301 ـ 302؛ والسبحاني، الأمثال في القرآن الكريم: 254.
 ([59]) مغني اللبيب 1: 319.
 ([60]) آلاء الرحمن 1: 368.
 ([61]) انظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل 16: 499.
 ([62]) انظر: جامع البيان 26: 149.
 ([63]) انظر: التفسير الكبير 28: 109.
 ([64]) الجامع لأحكام القرآن 16: 296؛ وانظر: الصادقي الطهراني، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن 27: 216.
 ([65]) انظر: دقائق التفسير 2: 112.
 ([66]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: البغدادي، الكفاية في علم الرواية: 64؛ والإيجي، المواقف 3: 643؛ والملل والنحل 1: 164؛ وشرح العقيدة الطحاوية: 528 ـ 529؛ والهيتمي، الصواعق المحرقة: 209؛ وابن تيمية، مجموعة الفتاوى 3: 126؛ وناصر بن علي عايض حسن الشيخ، عقيدة أهل السنّة والجماعة في الصحابة الكرام 1: 68 ـ 79، 86 ـ 90؛ وغيرها من المصادر الكثيرة.
 ([67]) انظر: رسائل الشريف المرتضى 3: 88 ـ 89؛ والشافي 4: 50 ـ 51؛ ولاحظ: المفيد، الإفصاح: 77 ـ 78؛ وعلي بن يونس العاملي، الصراط المستقيم 3: 103.
 ([68]) الإفصاح: 81 ـ 82.
 ([69]) انظر: الميزان في تفسير القرآن 9: 372 ـ 376؛ وأبو الصلاح الحلبي، تقريب المعارف: 383 ـ 384؛ والطوسي، الرسائل العشر: 128؛ ولاحظ: آصف محسني، بحوث في علم الرجال: 80.
 ([70]) انظر: الأمثل 6: 191.
 ([71]) انظر: التفسير الكبير 16: 168 ـ 171.
 ([72]) راجع: الطبراني، الأوائل: 55، 112؛ وانظر: الاستيعاب 3: 939 ـ 940؛ وتفسير السمعاني 6: 189؛ والجامع لأحكام القرآن 19: 272؛ وأسد الغابة 3: 80، 196، و5: 516؛ وتاريخ الإسلام 1: 311 ـ 316؛ والبداية والنهاية 3: 207؛ وإمتاع الأسماع 14: 56؛ واليوسفي، موسوعة التاريخ الإسلامي 1: 618؛ وابن هشام، السيرة النبويّة 2: 321؛ وابن كثير، السيرة النبويّة 2: 215.
 ([73]) البحراني، النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة: 181.
 ([74]) الطوسي، الرسائل العشر: 128، 129؛ والمفيد، مسألتان في النصّ على عليّ 2: 31؛ وانظر: ابن شاذان، الإيضاح: 522؛ وابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 20: 29.
 ([75]) الطوسي، الرسائل العشر: 128 ـ 129؛ والتبيان 9: 329؛ والمفيد، الإفصاح: 85 ـ 87؛ ومسألتان في النصّ على عليّ 2: 31 ـ 32؛ والإصابة 1: 17؛ والشافي في الإمامة 4: 18؛ والتنكابني، سفينة النجاة: 145؛ وانظر: الصراط المستقيم 3: 100 ـ 101.
 ([76]) انظر: المحقّق الحلّي، المسلك في أصول الدين: 259؛ والمولى محمد صالح المازندراني، شرح أصول الكافي 4: 286، وإحقاق الحقّ (الأصل): 216.
 ([77]) الصراط المستقيم 3: 101.
 ([78]) انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي 4: 286؛ وبحار الأنوار 20: 354؛ وتقريب المعارف: 381؛ والميلاني، الصحابة: 32 ـ 33؛ والسبحاني، الإلهيّات 4: 445 ـ 446.
 ([79]) علي بن يونس العاملي، الصراط المستقيم 1: 197 ـ 198؛ وإحقاق الحقّ (الأصل): 267؛ والتنكابني، سفينة النجاة: 145.
 ([80]) انظر: المازندراني، شرح أصول الكافي 12: 499؛ وآصف محسني، بحوث في علم الرجال: 79.
 ([81]) انظر: عبد القادر بن محمد عطا صوفي، مرويّات الصحابة رضي الله عنهم في الحوض والكوثر: 33.
 ([82]) راجع: الشافي في الإمامة 4: 17؛ والتبيان 9: 328 ـ 329.
 ([83]) انظر: الشافي في الإمامة 4: 19.
 ([84]) البحراني، النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة: 181 ـ 182؛ وانظر: الميلاني، الصحابة: 35.
 ([85]) راجع: السيد حسين الرجا، دفاع من وحي الشريعة ضمن دائرة السنّة والشيعة: 147 ـ 148.
 ([86]) محمد سند، عدالة الصحابة، مجلّة تراثنا 59: 74 ـ 85.
 ([87]) آصف محسني، عدالة الصحابة: 15 ـ 16.
 ([88]) التفسير المنسوب للإمام العسكري: 31 ـ 32؛ والحلّي، المحتضر: 274؛ وبحار الأنوار 89: 246 ـ 247؛ والحسيني، تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة 1: 418.
 ([89]) بحار الأنوار 13: 340 ـ 341.
 ([90]) علل الشرائع 2: 416 ـ 417؛ وعيون أخبار الرضا 2: 255.
 ([91]) كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 327.
 ([92]) بحار الأنوار 26: 274 ـ 276، و89: 224 ـ 226، و96: 185 ـ 187.
 ([93]) نهج البلاغة 1: 189 ـ 190.
 ([94]) النوري، خاتمة المستدرك 1: 211.
 ([95]) انظر: ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق 42: 491 ـ 492؛ والهندي، كنز العمال 16: 200؛ والبداية والنهاية 8: 7.
 ([96]) بحار الأنوار 75: 72 ـ 73.
 ([97]) المعيار والموازنة: 241.
 ([98]) المصدر نفسه، هامش رقم: 3.
 ([99]) الصحيفة السجادية (أبطحي): 43 ـ 45؛ والصحيفة السجادية الكاملة: 39 ـ 41.
 ([100]) قيل بأنّ (خاصّة) منصوبة على الحالية من المبتدأ، أو على المصدريّة، فعلى الأوّل طلب عدم نسيان الأصحاب حال كونهم مخصوصين بالنسبة إلى سائر أصحاب الأنبياء، وعلى الثاني طلبه لأصحاب الرسول، خصوصاً هؤلاء الجماعة منهم، انظر: نعمة الله الجزائري، نور الأنوار في شرح الصحيفة السجاديّة: 107.
 ([101]) انظر: رياض السالكين 2: 98؛ والسبحاني، رسائل ومقالات: 47، 540؛ والإلهيّات 4: 444.
 ([102]) راجع: الروحاني، بحوث مع أهل السنّة والسلفيّة: 36 ـ 37.
 ([103]) انظر: الخميني، المكاسب المحرّمة 1: 320.
 ([104]) نهج البلاغة 3: 17؛ ووقعة صفين: 150؛ والخوارزمي، المناقب: 250؛ والأميني، الغدير 10: 321 ـ 322.
 ([105]) وقعت إضافة (من) في نقل الرواية في خاتمة المستدرك 1: 212.
 ([106]) مصباح الشريعة: 67 ـ 68.
 ([107]) بحار الأنوار 1: 32.
 ([108]) الذريعة إلى تصانيف الشيعة 21: 111.
 ([109]) الخميني، المكاسب المحرمة 1: 320.
 ([110]) خاتمة المستدرك 1: 194 ـ 216.
 ([111]) الأمان من أخطار الأسفار والأزمان: 92.
 ([112]) لعلّ بعض النسخ المطبوعة فيها كلمة (عن).
 ([113]) الصدوق، الخصال: 639 ـ 640. وورد في هامش بحار الأنوار عن إحدى نسخه أنّ العبارة هكذا: من قبل أن نسمع خبر الحسين (بحار الأنوار 22: 305، الهامش رقم: 2)، ولم أجد هذا التعبير في أيّ من الكتب أو المصادر المتوفرة بين يدي والتي نقلت الخبر لاحقاً.
 ([114]) الطوسي، الأمالي: 523.
 ([115]) انظر: مستدركات علم رجال الحديث 8: 123 ـ 124.
 ([116]) الطوسي، الأمالي: 255.
 ([117]) انظر: مسند ابن حنبل 3: 89؛ وسنن الترمذي 5: 373؛ ومجمع الزوائد 10: 30.
 ([118]) المجازات النبويّة: 71.
 ([119]) الإربلي، كشف الغمّة في معرفة الأئمّة 2: 291.
 ([120]) محمد بن طلحة الشافعي، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 416 ـ 417؛ وابن الصباغ المالكي، الفصول المهمّة 2: 864 ـ 865؛ ونقله الشيخ محمد جواد مغنية في كتاب الشيعة في الميزان: 293، عن أبي نعيم الحافظ.
 ([121]) التستري، الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة: 250.
 ([122]) تقريب التهذيب 2: 65.
 ([123]) الطوسي، الأمالي: 268.
 ([124]) مسند ابن حنبل 4: 363؛ والنيسابوري، المستدرك 4: 80 ـ 81؛ ومسند الطيالسي: 93؛ ومسند الموصلي 8: 446؛ وصحيح ابن حبّان 16: 250.
 ([125]) مجمع الزوائد 10: 15.
 ([126]) انظر: الخوئي، معجم رجال الحديث 4: 362 ـ 363، الرقم: 2096؛ والمزي، تهذيب الكمال 4: 533 ـ 540، الرقم: 917.
 ([127]) مجمع الزوائد 10: 15.
 ([128]) انظر: النوادر: 146؛ وبحار الأنوار 22: 308 ـ 309؛ وفيض القدير 1: 462؛ والشفا 1: 242؛ ومسند أحمد 4: 399؛ وصحيح مسلم 7: 183؛ ومنتخب مسند عبد بن حميد: 190 ـ 191؛ وصحيح ابن حبّان 16: 234 ـ 235؛ والإصابة 1: 20.
 ([129]) انظر: خلاصة عبقات الأنوار 3: 178 ـ 179.
 ([130]) حسين الرجا، دفاع من وحي الشريعة: 275 ـ 276.
 ([131]) خلاصة عبقات الأنوار 1: 81، و3: 179 ـ 180؛ ودفاع من وحي الشريعة: 274 ـ 275؛ وانظر: النيسابوري، المستدرك 2: 448، و3: 457.
 ([132]) راجع: علل الشرائع: 123 ـ 124؛ وعيون أخبار الرضا 1: 30؛ وكمال الدين: 205؛ والطوسي، الأمالي: 259.
 ([133]) الفلو بالكسر، أو بفتح فضّم فتشديد، أو بضمّتين فتشديد: المهر إذا فطم أو بلغ السنة.
 ([134]) رجل سبط اليدين بالفتح أي سخيّ، والسلاط جميع سليط: الشديد.
 ([135]) نهج البلاغة 4: 106.
 ([136]) ابن الجوزي، الموضوعات 2: 39 ـ 40.
 ([137]) وقعة صفين: 90.
 ([138]) الكافي 1: 65.
 ([139]) الصدوق، الخصال: 190.
 ([140]) روضة المتقين 12: 204.
 ([141]) آصف محسني، بحوث في علم الرجال: 82.
 ([142]) لابدّ من الانتباه هنا إلى أنّ أيّ حديث يراد الاستدلال به هنا سينتهي إلى النبيّ، ومن ثمّ سيكون الراوي له أحد الصحابة، وهذا يعني أنّه لابدّ من إثبات وثاقة هذا الصحابيّ بغير نظريّة عدالة الصحابة، وإلا لزم الدور الواضح، مما يلزمنا بالفراغ عن ثبوت عدالة هذا الصحابي الراوي هنا من غير طريق عدالة عموم الصحابة، وبهذا يظهر عدم صحّة ما سلكه جمهور أهل السنّة من عدم الاعتناء بإثبات عدالة الصحابي الراوي هنا من غير طريق عدالة الصحابة، وكذلك عدم صحّة ما سلكه الشيخ آصف محسني، حيث أورد في كتابيه: (عدالة الصحابة: 35؛ وبحوث في علم الرجال: 81)، على كلّ الأحاديث المعدِّلة للصحابة بإيرادٍ عام بأنّها مرويّة عن الصحابة، فلا حجيّة فيها؛ فإنّ إثبات عدالة بعض الصحابة غير متوقّف على نظريّة عدالة عموم الصحابة، كما هو واضح.
 ([143]) انظر: مسند ابن حنبل 1: 378، 434، 442، و4: 267، 277 ـ 278، 426؛ وصحيح البخاري 3: 151، و4: 189، و7: 174؛ وصحيح مسلم 7: 185؛ وسنن الترمذي 3: 339، 376، و5: 357؛ والمستدرك 3: 191، 471؛ والبيهقي، السنن الكبرى 10: 122 ـ 123، 160؛ والبغدادي، الكفاية في علم الرواية: 64 ـ 65 وغيرها من الكتب والمصادر.
 ([144]) مجمع الزوائد 10: 20.
 ([145]) تواتره مشهور بينهم، فانظر ـ على سبيل المثال ـ: عتر، منهج النقد في علوم الحديث: 121.
 ([146]) ابن عبد البر، التمهيد 20: 250؛ وانظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن 4: 171.
 ([147]) يثربي، سيري در آيات ولايت وامامت 2: 232 ـ 233.
 ([148]) مسند ابن حنبل 3: 11، 54، 63؛ وصحيح البخاري 4: 195؛ وصحيح مسلم 7: 188؛ وسنن ابن ماجة 1: 57؛ وسنن أبي داود 2: 404؛ وسنن الترمذي 5: 357 ـ 358؛ والنسائي، فضائل الصحابة: 62؛ والبغدادي، الكفاية: 65.
 ([149]) سنن ابن ماجة 1: 57؛ وابن أبي عاصم، السنّة: 470؛ وانظر ما يشبهه في سنن أبي داود 2: 402؛ والبخاري، التاريخ الكبير 2: 111 ـ 112.
 ([150]) ذكر أخبار إصبهان 2: 41؛ والجامع الصغير 1: 64؛ وكنز العمال 11: 532. والمرويّات في محبّة الصحابة متعدّدة.
 ([151]) انظر ـ على سبيل المثال ـ: ابن الصلاح، علوم الحديث: 295؛ والبغدادي، الكفاية في علم الرواية: 65؛ والإيجي، المواقف 3: 643 و..
 ([152]) انظر: حسن بن فرحان المالكي، الصحبة والصحابة: 49.
 ([153]) انظر: تحفة الأحوذي 10: 155؛ وتخريج الآثار 2: 229 ـ 230؛ وكشف الخفاء 1: 132.
 ([154]) يصرّح الشيخ جعفر السبحاني بأنّ الدليل الوحيد لأهل السنّة على عدالة جميع الصحابة من الحديث الشريف، هو هذا الحديث، على ما جاء في كتابه (الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل 4: 440)، لكنّ كلامه غير دقيق؛ فليس هو الحديث الوحيد، كما سيظهر لك في هذا البحث.
 ([155]) انظر: بصائر الدرجات: 31، مع إضافة أنّ أصحابه هم أهل بيته؛ ومثله معاني الأخبار: 156 ـ 157؛ والاحتجاج 2: 105 ـ 106.
 ([156]) عيون أخبار الرضا 1: 93.
 ([157]) منتخب مسند عبد بن حميد: 250 ـ 251.
 ([158]) ابن سلامة، مسند الشهاب 2: 275.
 ([159]) ابن مندة، الفوائد: 29.
 ([160]) العجلوني، كشف الخفاء 1: 132؛ والبغدادي، الكفاية: 65 ـ 66.
 ([161]) ميزان الاعتدال 1: 413؛ ولسان الميزان 2: 118.
 ([162]) ميزان الاعتدال 1: 607.
 ([163]) الشاطبي، الموافقات 3: 302، 392، و4: 452؛ وانظر: صدر الشريعة، التنقيح (متن التلقيح): 288؛ والتلمساني، مفتاح الوصول: 754؛ وابن قدامة، المغني 3: 535؛ وكشاف القناع 2: 538؛ والسرخسي، أصول الفقه 2: 106؛ والآمدي، الإحكام 4: 152 ـ 153.
 ([164]) انظر: خلاصة عبقات الأنوار 3: 123 ـ 167.
 ([165]) انظر: تحفة الأحوذي 10: 155 ـ 156؛ وجامع بيان العلم وفضله 2: 90 ـ 91؛ والزيلعي، تخريج الأحاديث والآثار 2: 229 ـ 232؛ وتفسير البحر المحيط 5: 511 ـ 512؛ وأضواء البيان 7: 330 ـ 331؛ وابن حزم، الإحكام 5: 642، 650، و6: 810.
 ([166]) انظر: يثربي، سيرى در آيات ولايت وامامت 2: 219 ـ 220.
 ([167]) ينقل محمود أبوريّة في هامش كتابه (شيخ المضيرة أبو هريرة) فيقول ما نصّه: «لكي يدرؤا التهم عن بعض الصحابة الذين فتنتهم الدنيا، أوردوا حديثاً يقول: أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم. وهذا الحديث لا أصل له، ولهذا الحديث قصّة جرت بيني وبين الناصبي محبّ الدين الخطيب، فإنّه عندما ظهر كتابي: الأضواء، واطّلع فيه على فصل عدالة الصحابة، قابلني غاضباً، وقال: كيف تذكر ذلك بعد أن قال فيهم النبيّ صلى الله عليه وآله: أصحابي كالنجوم ـ الحديث؟! فقلت له: إنّك قد أوردت هذا الحديث في تعليقاتك على كتاب (المنتقى) للذهبي ص 71، على أنّه صحيح، وقد طعنوا فيه، ومن كبار الطاعنين ابن تيميّة، فاشتدّ غضبه، وقال: في أيّ موضعٍ هذا الطعن؟ فقلت له: في نفس كتابك (المنتقى)! فكاد يتميّز من الغيظ، وقال: في أيّة صفحة؟ قلت له: في صفحة 551، وفيها يقول ابن تيميّة: وحديث أصحابي كالنجوم ضعّفه أئمّة الحديث فلا حجّة فيه. وما كاد يقرأ هذا الكلام الذي أثبته هو بنفسه في كتابٍ حقّقه ونشره بين الناس حتى بهت واصفرّ وجهه، وقد قلت له قبل أن أغادر مجلسه: إنّ كتاب المنتقى هذا سيسجلّ عليك هذا الجهل وهذه الوصمة إلى يوم القيامة» (شيخ المضيرة أبو هريرة: 200، الهامش رقم: 1).
 ([168]) الفضل بن شاذان الأزدي، الإيضاح: 122 ـ 125؛ والدعائم 1: 86 ـ 87.
 ([169]) تفسير البحر المحيط 5: 511؛ ومحمد بن عقيل، النصائح الكافية: 181.
 ([170]) انظر: الإيضاح: 521؛ والتعجّب: 94 ـ 95.
 ([171]) النصائح الكافية لمن يتولّى معاوية: 182.
 ([172]) ابن حزم، الإحكام 5: 642، و6: 810 ـ 811؛ والعلامة الحلي، تهذيب الوصول إلى علم الاصول: 295؛ والحكيم، السنّة في الشريعة الإسلاميّة: 24 ـ 25؛ والأصول العامة للفقه المقارن: 132 ـ 133؛ وانظر: جعفر مرتضى، زواج المتعة 1: 246 ـ 247؛ والصوارم المهرقة: 4 ـ 5؛ وابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة 20: 28؛ والكوفي، الاستغاثة 2: 78 ـ 79.
 ([173]) ابن طاوس، الطرائف: 523؛ وانظر: الصراط المستقيم 2: 21، و3: 146.
 ([174]) انظر: الفصول الغرويّة: 408.
 ([175]) انظر: الصوارم المهرقة: 4؛ والكوفي، الاستغاثة 2: 78.
 ([176]) انظر: روح المعاني 14: 160.
 ([177]) انظر: الإحكام 5: 643.
 ([178]) انظر: السبحاني، الإلهيّات 4: 442.
 ([179]) الشافي في الإمامة 3: 130.
 ([180]) انظر: فتح الباري 4: 49؛ وعمدة القاري 10: 202؛ والاستذكار 4: 7؛ والتمهيد 4: 263 ـ 264؛ وجامع بيان العلم وفضله 2: 9.
 ([181]) الغزالي، المنخول: 584 ـ 585.
 ([182]) الغزالي، المستصفى: 169.
 ([183]) راجع: معجم رجال الحديث 19: 42، الرقم: 12030.
 ([184]) مسند ابن حنبل 5: 54 ـ 55، 57؛ وسنن الترمذي 5: 358؛ وصحيح ابن حبّان 16: 244؛ والهيثمي، موارد الظمآن 7: 264 ـ 265؛ والجامع الصغير 1: 214.
 ([185]) الإيجي، المواقف 3: 643؛ ومحمد عجاج الخطيب، أصول الحديث، علومه ومصطلحه: 396.
 ([186]) سنن الترمذي 5: 358.
 ([187]) انظر: آصف محسني، عدالة الصحابة: 35.
 ([188]) انظر: ميزان الاعتدال 2: 452.
 ([189]) سنن ابن ماجة 1: 529، والمستدرك 1: 424؛ والبيهقي، السنن الكبرى 4: 211 ـ 212؛ وسنن الدارقطني 2: 139.
 ([190]) نور الدين عتر، منهج النقد في علوم الحديث: 122.
 ([191]) الألباني، ضعيف سنن الترمذي: 78 ـ 79.
 ([192]) البغدادي، الكفاية: 66؛ وتاريخ بغداد 13: 448.
 ([193]) تاريخ بغداد 8: 139؛ وتاريخ مدينة دمشق 14: 344.
 ([194]) المزي، تهذيب الكمال 4: 162 ـ 163، رقم: 714.
 ([195]) الطبري، صريح السنّة: 23؛ والرياض النضرة 1: 47؛ ومجمع الزوائد 10: 16؛ والشفا بتعريف حقوق المصطفى 2: 54؛ وقوت القلوب 2: 207.
 ([196]) مجمع الزوائد 10: 16.
 ([197]) انظر: ابن حبان، المجروحين 2: 40؛ والمزي، تهذيب الكمال 15: 98 ـ 109.
 ([198]) انظر: تهذيب الكمال 15: 104؛ وميزان الاعتدال 2: 443.
 ([199]) مسند الشهاب 2: 275 ـ 276؛ والاستيعاب 1: 15 ـ 16.
 ([200]) انظر: فيض القدير 5: 659؛ وكشف الخفاء 2: 197؛ وميزان الاعتدال 1: 248 ـ 250.
 ([201]) صحيح مسلم 6: 26؛ ومسند الحميدي 2: 514؛ والشافعي، الأم 7: 226؛ وسنن سعيد بن منصور 2: 316؛ ومسند أحمد 3: 308؛ والاستيعاب 1: 6.
 ([202]) جعفر مرتضى، الصحيح من سيرة النبي الأعظم 16: 23.
 ([203]) الفئام: الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه. انظر: لسان العرب 12: 447 ـ 448.
 ([204]) صحيح مسلم 7: 184.
 ([205]) سنن الترمذي 5: 356 ـ 357.
 ([206]) المعجم الكبير 17: 357؛ والإصابة 4: 436؛ وابن أبي عاصم، السنّة: 616؛ ومجمع الزوائد 10: 21.
 ([207]) صحيح البخاري 4: 175، 188 ـ 189؛ وصحيح مسلم 7: 184؛ ومسند ابن حنبل 3: 7.
 ([208]) ضعيف سنن الترمذي: 517 ـ 518.
 ([209]) انظر: مجمع الزوائد 10: 21.
 ([210]) انظر: عتر، منهج النقد في علوم الحديث: 122 ـ 123.
 ([211]) البغدادي، الكفاية في علم الرواية: 67.
 ([212]) الاستيعاب 1: 19.
 ([213]) مقدّمة ابن الصلاح: 176.
 ([214]) الإصابة 1: 22.
 ([215]) الكفاية في علم الرواية: 67.
 ([216]) المصدر نفسه؛ والمزي، تهذيب الكمال 19: 96.
 ([217]) السرخسي، أصول الفقه 2: 134.
 ([218]) انظر: رضواني، نقدى بر نظريه عدالت ومرجعيت ديني صحابه: 102.
 ([219]) البغدادي، الكفاية في علم الرواية: 66 ـ 67.
 ([220]) انظر: مسند ابن راهويه 1: 26 ـ 27؛ والكفاية في علم الرواية: 67؛ وتاريخ مدينة دمشق 38: 32 ـ 33؛ وتهذيب الكمال 19: 96؛ والإصابة 1: 22.
 ([221]) انظر: آصف محسني، عدالة الصحابة: 27؛ ومحمد السند، عدالة الصحابة (2)، مجلّة تراثنا 58: 57 ـ 62.
 ([222]) السند، عدالة الصحابة، مصدر سابق 59: 69 ـ 73، 82 ـ 83، 99.
 ([223]) انظر: الميلاني، الصحابة: 48 ـ 49.
 ([224]) بعض هذه النصوص القرآنيّة التي أحلنا عليها، لا يُحرز حديثه عن غير المنافقين، فانتبه.
 ([225]) انظر: مجمع البيان 8: 5.
 ([226]) التبيان 8: 185.
 ([227]) الميزان 16: 98 ـ 99؛ والأمثل 12: 330 ـ 331.
 ([228]) التفسير الكبير 25: 25.
 ([229]) جامع البيان 20: 156؛ وتفسير السمرقندي 2: 624؛ وتفسير الواحدي 2: 828.
 ([230]) تفسير السمعاني 4: 165.
 ([231]) انظر: المسترشد: 540 ـ 541؛ ومسند ابن حنبل 3: 355، 393؛ وصحيح البخاري 6: 66، 67؛ وصحيح مسلم 8: 19.
 ([232]) لاحظ كيف أنّ القرآن الكريم عندما كان يتحدّث عن قضايا تتصل بذنوب الأنبياء ـ على الخلاف بين المسلمين في اعتبارها ذنوباً وتخالف العصمة أو لا ـ كان يشير إلى توبة هؤلاء الأنبياء مما حصل معهم، فراجع النصوص القرآنيّة في هذا السياق، بينما نادراً ما نجد شيئاً من هذا في سقطات المجتمع المحيط بالنبيّ.
 ([233]) المحلّى 11: 224.
 ([234]) البيهقي، دلائل النبوّة 5: 256 ـ 261؛ وانظر: ابن كثير، تفسير القرآن العظيم 2: 386 ـ 387؛ والدرّ المنثور 3: 260؛ وتفسير الآلوسي 10: 139؛ وتاريخ الإسلام 2: 648 ـ 649؛ والبداية والنهاية 5: 24 ـ 26؛ وابن كثير، السيرة النبوية 4: 36 ـ 37؛ وسبل الهدى والرشاد 5: 468؛ والسيرة الحلبيّة 3: 121؛ وابن البطريق، العمدة: 341 ـ 342؛ وإقبال الأعمال 2: 250؛ والطرائف: 389.
 ([235]) المحلّى 11: 224.
 ([236]) انظر: تاريخ ابن معين (الدارمي): 222؛ والرازي، الجرح والتعديل 9: 8؛ وعمر بن شاهين، تاريخ أسماء الثقات: 245؛ وتهذيب الكمال 31: 36 ـ 37؛ وميزان الاعتدال 4: 337.
 ([237]) ابن حبّان، كتاب المجروحين 3: 78 ـ 79.
 ([238]) سنن الدارمي 2: 384.
 ([239]) صحيح مسلم 5: 177، و8: 123.
 ([240]) سنن أبي داود 1: 142، و2: 24.
 ([241]) سنن النسائي 4: 116.
 ([242]) المستدرك على الصحيحين 1: 203، و4: 485، 564.
 ([243]) سنن البيهقي 1: 406، و3: 130، و6: 303، و9: 33، 145.
 ([244]) الصدوق، الخصال: 499؛ والبحراني، غاية المرام 4: 347.
 ([245]) انظر: الطبرسي، الاحتجاج 1: 59؛ والتفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 380؛ والكاشاني، الصافي 1: 157.
 ([246]) مجمع الزوائد 1: 110؛ وانظر: الزيلعي، تخريج الأحاديث والآثار 2: 83.
 ([247]) أذكّر مرّةً أخرى بأنّنا هنا نبحث الأمور بطريقة علميّة استدلاليّة (رجاليّة) محايدة، لا بطريقة الجدل والاحتجاج المذهبي السائدة التي لا تُنتج غالباً ـ في قناعاتنا ـ إلا بؤساً في المعرفة، وتأوّلاً في فهم النصوص، وليّاً لعنقها، وتحكّماً وتكلّفاً في دراسة الموضوعات، وتطويعاً للحقيقة. فقد يتمكّن الشيعي من الجدل هنا من كتب السنّة والاحتجاج التبكيتي عليهم، لكنّ هذا أمرٌ لا يعنيني هنا، ولا يهمّني أبداً، بقدر ما يهمّني دراسة الموضوع في نفسه، للوصول إلى الحقيقة.
 ([248]) انظر: مسند ابن حنبل 3: 28؛ وعيون أخبار الرضا 1: 93؛ وكتاب سُليم بن قيس الهلالي: 163، 270؛ والقاضي النعمان، شرح الأخبار 2: 262 ـ 263.
 ([249]) مسند ابن حنبل 3: 281، وانظر: المصدر نفسه: 5: 48، 393، 400؛ والمفيد، الأمالي: 37 ـ 38؛ والصنعاني، المصنّف 11: 407؛ ومسند ابن راهويه 1: 379؛ ومنتخب مسند عبد بن حميد: 365.
 ([250]) صحيح البخاري 4: 110؛ والمستدرك 2: 447؛ وتهذيب الكمال 22: 406 ـ 407.
 ([251]) صحيح مسلم 7: 68.
 ([252]) انظر: مسند أحمد 1: 453، و5: 50؛ وصحيح البخاري 5: 191 ـ 192، و7: 195؛ وصحيح مسلم 7: 71؛ وسنن ابن ماجة 2: 1016؛ وابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث: 13.
 ([253]) انظر: النووي، شرح مسلم 15: 64؛ وفتح الباري 11: 333؛ وعمدة القاري 15: 243.
 ([254]) فتح الباري 8: 215، وانظر: المصدر نفسه 11: 333؛ وعمدة القاري 15: 243.
 ([255]) انظر: فتح الباري 11: 333، 334.
 ([256]) المصدر نفسه 11: 333 ـ 334.
 ([257]) عمدة القاري 15: 243.
 ([258]) بل قد يقال بأنّ عرض أعمال الأمّة بما هي أمّة يلزم منه معرفته بما وقع بعده من انقسام الصحابة والمسلمين، فكيف يَسْتَغْرِب؟! فلابدّ من نفي أصل عرض الأعمال عليه بهذا المعنى أيضاً، إلا إذا قلنا بأنّ استغرابه من هذه المجموعة التي رآها لا من أصل الإحداث.
 ([259]) انظر: ينابيع المودّة 1: 398.
 ([260]) مسند ابن حنبل 4: 149، 153 ـ 154؛ وصحيح البخاري 2: 94، 176، و5: 40، و7: 173، 209؛ والبيهقي، السنن الكبرى 4: 14.
 ([261]) صحيح مسلم 7: 68.
 ([262]) الطبراني، المعجم الكبير 17: 279.
 ([263]) مسند ابن حنبل 2: 448.
 ([264]) الموطّأ 2: 461 ـ 462؛ وانظر: الصنعاني، المصنّف 3: 541، 575، و5: 273.
 ([265]) الاستذكار 5: 104 ـ 105.
 ([266]) صحيح البخاري 3: 226، و5: 74، 76؛ ومسند عبد بن حميد: 169؛ ومسند أبي يعلى الموصلي 13: 537 ـ 538.
 ([267]) ابن الجوزي، كشف المشكل من حديث الصحيحين 2: 272.
 ([268]) صحيح مسلم 8: 122؛ وانظر: ابن البطريق، عمدة عيون صحاح الأخبار: 333؛ والبيهقي، السنن الكبرى 8: 198؛ والضحاك، الآحاد والمثاني 2: 466.
 ([269]) صحيح البخاري 5: 181؛ وسنن الترمذي 4: 306.
 ([270]) صحيح مسلم 8: 124؛ والبيهقي، السنن الكبرى 8: 198؛ والطبراني، المعجم الكبير 7: 19.
 ([271]) النووي، شرح صحيح مسلم 17: 128.
 ([272]) صحيح البخاري 5: 64 ـ 65؛ والإصابة 3: 67.
 ([273]) صحيح البخاري 1: 134.
 ([274]) ابن سعد، الطبقات الكبرى 8: 74.
 ([275]) ابن قتيبة، المعارف: 134.
 ([276]) الحاكم النيسابوري، المستدرك 4: 6؛ ومسند ابن راهويه 2: 43.
 ([277]) الذهبي، سير أعلام النبلاء 2: 193.
 ([278]) الحاكم النيسابوري، المستدرك 3: 560.
 ([279]) انظر: الحلّي، نهج الحقّ وكشف الصدق: 315 ـ 317.
 ([280]) انظر على سبيل المثال: هاشم معروف الحسيني، دراسات في الحديث والمحدّثين: 89 ـ 107؛ وأضواء على السنّة المحمدية: 351 ـ 353، وغيرهما كثير.
 ([281]) التفتازاني، شرح المقاصد 5: 310 ـ 311.
 ([282]) الصدر، التشيّع والإسلام (بحث حول التشيّع ـ بحث حول الولاية)، من سلسلة المجموعة الكاملة لمؤلّفات السيّد الصدر 18: 51 ـ 56؛ وإذا صحّ ما طرحه الصدر نفسه من الإشارة التلميحيّة إلى كون قضيّة الإمامة ليست من الضروريّات الواضحات حتى في عصر النصّ بما قد يلتقي مع فكرته هذه، فإنّ الأمر يغدو أوضح، فانظر له: بحوث في شرح العروة الوثقى 3: 396 ـ 397.
 ([283]) صحيح البخاري 7: 208 ـ 209.
 ([284]) انظر: فتح الباري 11: 414.
 ([285]) علي آل محسن، كشف الحقائق: 176.
 ([286]) كتاب سليم بن قيس: 162.
 ([287]) الاختصاص: 6.
 ([288]) المصدر نفسه: 6.
 ([289]) المصدر نفسه: 10؛ ورجال الكشي 1: 51.
 ([290]) انظر: الرواشح السماوية: 215.
 ([291]) رجال الكشي 1: 38. وأبو ساسان هو الحصين بن منذر الرقاشي، وأبو عمرة الأنصاري هو ثعلبة بن عمرو.
 ([292]) رجال الكشي 1: 26 ـ 31؛ والكافي 8: 245؛ وتفسير العياشي 1: 199.
 ([293]) رجال الكشي 1: 34 ـ 35؛ والاختصاص: 5 ـ 6. وشتيرة من أصحاب عليّ، وهو شتيرة بن شريح، وقيل: شتير بن شكل، وقيل: سمير، وقيل: شتير، والظاهر أنّه قتل في صفين مع عليّ هو وإخوته.
 ([294]) رجال الكشي: 37؛ والكافي 2: 244.
 ([295]) رجال الكشي 1: 38 ـ 39.
 ([296]) المصدر نفسه: 46؛ والاختصاص: 11.
 ([297]) انظر: الكلبايكاني، نتائج الأفكار ـ الأوّل ـ: 196.
 ([298]) راجع: محسن الحائري، الثقلان: 48.
 ([299]) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق 30: 314؛ وابن كثير، البداية والنهاية 6: 336.
 ([300]) تهذيب الكمال 21: 557؛ وتهذيب التهذيب 8: 9؛ وتاريخ الإسلام 11: 280؛ والبداية والنهاية 6: 91.
 ([301]) سيأتي أنّ الكتاب فيه من هم ليسوا من مشايخ المفيد، بل أكثر مشايخ الكتاب ليسوا مشايخ للمفيد.
 ([302]) بحار الأنوار 1: 27.
 ([303]) انظر: الحرّ العاملي، الفصول المهمّة في معرفة أصول الأئمّة 1: 120، 479، 571؛ والبحراني، حلية الأبرار 1: 160؛ ومدينة المعاجز 1: 73؛ والبحراني، الحدائق الناضرة 12: 401؛ والحكيم، مستمسك العروة الوثقى 14: 103، 105.
 ([304]) انظر: جعفر مرتضى، مأساة الزهراء 1: 174، 178 ـ 185؛ وهاشم الهاشمي، حوار مع فضل الله حول الزهراء: 195 ـ 198؛ وانتصر له السيد محمّد مهدي الخرسان في تقديمه لكتاب الاختصاص.
 ([305]) انظر: الخوئي، معجم رجال الحديث 8: 130، 197، 307، 345، 355، و9: 101، و11: 377؛ وموسى الزنجاني، شيخ مفيد وكتاب اختصاص، مجلّة نور علم، في حلقتين، الأولى في العدد 40: 61 ـ 80، والثانية في العدد 42: 150 ـ 173؛ وآصف محسني، مشرعة بحار الأنوار 1: 14 ـ 15، 27 ـ 30؛ ومحمد رضا السيستاني، قبسات من علم الرجال 1: 241.
 ([306]) بحار الأنوار 68: 354، الهامش رقم: 2. إلا أنّه اُورد على هذا الكلام أنّ كتاب الشلمغاني وقع في طريقه المفيدُ، وأنّه كان في حال استقامته، انظر في هذا الصدد: الزنجاني، شيخ مفيد وكتاب اختصاص، مصدر سابق، الحلقة الأولى: 79 ـ 80.
 ([307]) انظر: ضامن بن شدقم، وقعة الجمل: 89.
 ([308]) انظر: الذريعة 1: 359 ـ 360؛ وأعيان الشيعة 2: 512.
 ([309]) الكنتوري، كشف الحجب والأستار: 30.
 ([310]) حسن الأنصاري، نمونه از دفاتر محدثان، كتاب الاختصاص منسوب به شيخ مفيد: http://ansari.kateban.com/post/1233.
 ([311]) انظر: الزنجاني، شيخ مفيد وكتاب اختصاص، مصدر سابق، الحلقة الأولى: 69؛ وجعفر مرتضى، مأساة الزهراء 1: 178.
 ([312]) الكنتوري، كشف الحجب والأستار: 30.
 ([313]) الذريعة 1: 360.
 ([314]) انظر: شيخ مفيد وكتاب اختصاص، مصدر سابق، الحلقة الأولى: 62 ـ 66.
 ([315]) مأساة الزهراء: 179.
 ([316]) انظر: شيخ مفيد وكتاب اختصاص، مصدر سابق، الحلقة الأولى: 71.
 ([317]) لقد استقرأ السيد موسى الزنجاني مشايخ مؤلف كتاب الاختصاص فبلغوا عنده ثلاثة عشر، فانظر له: شيخ مفيد وكتاب اختصاص، مصدر سابق، الحلقة الثانية: 156 ـ 171.
 ([318]) مأساة الزهراء 1: 182 ـ 183.
 ([319]) المصدر نفسه 1: 184 ـ 185.
 ([320]) انظر: شيخ مفيد وكتاب اختصاص، مصدر سابق، الحلقة الأولى: 66.
 ([321]) مأساة الزهراء 1: 179، 185.
 ([322]) انظر في النسخ: الطهراني، الذريعة 1: 359. وأنّ أقدمها يرجع لعام 1055هـ.
 ([323]) رجال النجاشي: 399 ـ 402.
 ([324]) انظر: شيخ مفيد وكتاب اختصاص، مصدر سابق، الحلقة الأولى: 67 ـ 69.
 ([325]) المصدر نفسه: 74 ـ 79.
 ([326]) بحار الأنوار 1: 27.
 ([327]) كشف الحجب والأستار: 30؛ والذريعة 1: 358 ـ 360؛ وأعيان الشيعة 2: 512.
 ([328]) انظر: تفصيل وسائل الشيعة 30: 158.
 ([329]) رجال النجاشي: 226؛ ورجال ابن الغضائري: 78.
 ([330]) رجال النجاشي: 404.
 ([331]) انظر: مستدركات علم رجال الحديث 5: 359.
 ([332]) انظر: معجم رجال الحديث 16: 127.
 ([333]) المصدر نفسه 21: 23.
 ([334]) جعفر السبحاني، أضواء على عقائد الشيعة الإماميّة: 523 ـ 525.
 ([335]) المصدر نفسه: 525؛ وانظر الرواية في الخصال: 461 ـ 465.
 ([336]) السبحاني، أضواء على عقائد الشيعة الإماميّة: 525.
 ([337]) بعضهم أوصل الشهداء من الصحابة مع الإمام الحسين بن علي في كربلاء إلى عشرين صحابيّاً.