أبحاث ودراسات

...

 السيد كمال الحيدري   

السُلَّميّة في القرآن

أوّلاً: المراد من السلّم القرآني

 يمكن عرض السُلَّميّة القرآنيّة من عدّة وجوه:

الوجه الأوّل: السُلَّميّة الذاتيّة

 السُلَّميّة الذاتيّة للقرآن الكريم تمثّل النظام الداخليّ للسير المعرفي فيه. وللذاتيّة معنىً آخر وهو ارتقائيّة مطالبه بغضّ النظر عن كبرويّاته وصغرويّاته، وهذا الارتقاء ذو بُعدين:

 الأوّل: بلحاظ الموضوع الواحد، وهو معنى مُقارب للذاتيّة الأولى.

 والثاني: بلحاظ الموضوعات المختلفة، فبعضه مرجعٌ للبعض الآخر، وهو معنى مُقارب لوظائفيّة الأوتاد القرآنيّة، وهذه السُلَّميّة الذاتيّة هي أولى مهامّه التفسيرية، وسيأتي توضيحه في المهامّ.

الوجه الثاني: السُلَّميّة الغيريّة

 بمعنى أنّ سُلَّميّة القرآن الكريم هي بإزاء العلوم الأخرى، سواء كانت شرعيّة أم غير شرعيّة، وجليّ جدّاً سلّميّته لعلم الحديث، ومختلف علوم القرآن، ولعلم الكلام أيضاً بوجهٍ ما، وللعلوم الأخرى لمن وقف على إشاراته الدقيقة، من قبيل إشارته لحركة الأرض والشمس، وإشارته إلى لقاحيّة الرياح للأشجار والأزهار، وإشارته إلى المقاطع الثلاثة في رحم المرأة.

 ومعنى السُلَّميّة الغيريّة هو أن يكون القرآن الكريم طريقاً للكشف عن الأسرار المعرفيّة في المجالات الأخرى، كما هو واضح في الأمثلة المتقدّمة.

الوجه الثالث: السُلَّميّة التوافقيّة

 السُلَّميّة التوافقيّة تعني أن يكون القرآن الكريم مرشداً وهادياً لجهة ما، وتكون تلك الجهة مرشدةً وهاديةً أيضاً للقرآن الكريم، دون أن يلزم من ذلك الدور الباطل، نظراً لاختلاف هويّة الهداية، فالقرآن الكريم يُعرّف بتراجمته، والتراجمة يهدون الأمّة لنكاته الخفيّة وتفصيلاته.

الوجه الرابع: السُلَّميّة الأنفسيّة

 السُلَّميّة الأنفسيّة للقرآن الكريم بلحاظ جدليّة العلاقة بين عالم التدوين بوجوده القرآني، كأفضل وجود تدوينيّ، وبين عالم التكوين بوجوده الإنساني، كأفضل وجود إمكانيّ، وحيث إنّ السير الأنفسي في حركته النوعيّة يبقى قاصراً فقد لزم وجود طريق آخر، وهو القرآن الكريم، وهذا هو معنى سلَّميّته.

الوجه الخامس: السُلَّميّة الآفاقيّة

 في ضوء ما تقدّم تتّضح لنا سُلَّميّة القرآن الكريم للوجود الإمكاني ببعده الآفاقي، لما عرفت من كون العالم الإمكاني تفصيلاً كونيّاً إجماله متحقِّق بالإنسان، فالعالم إنسانٌ كبير، والإنسان عالمٌ صغير، وقد عرفت وجه التوافق بين الإجمال القرآني وتفصيله وبين إجمال العالم وتفصيله، وبالتالي فإنّ العالم الإمكاني بأسره بوجوده الحسّي والمجرّد، وبوجوده المعارفي أيضاً سلَّمه المعرفي هو القرآن الكريم، وهذا أمرٌ ينبغي التسليم به كبرويّاً، وأمّا صغرويّاً ـ بمعنى تطبيقات هذه السُلَّميّة القرآنيّة لتفصيلات الوجود الآفاقي ومعارفه ـ فيحتاج إلى قراءة منهجيّة دقيقة في بُعديها التفسيري والتأويلي. بعبارةٍ أُخرى أدقّ: إنّ الأمر بحاجةٍ إلى قارئٍ راسخ في العلم، أو ما هو قريب من ذلك، وسوف تأتي إشارات إلى هذه الحقيقة القرآنيّة في مجمل بحوثنا اللاحقة([1]).

ثانياً: تصويرات السُّلّم القرآني

 للسُّلَّم القرآني تصويرات عديدة، وهي التصوير القرآني والتصوير الروائي والتصوير العقلي والتصوير الفطري، ثمّ إنّ القرآن الكريم سُّلَّم لجميع مراتبه، وكلّ مرتبةٍ معرفيّةٍ منه تقتضي سُلَّميّة خاصّةً بها، وبذلك فإنّ سلَّميته ستُلحظ فيها عدّة مراتب بتبع مراتب القرآن المعرفيّة والمعنويّة([2]).

ثالثاً: مراتب السُّلّم المعرفي

 بعد الفراغ من السُلَّميّة وتصويراتها ينتهي بنا المقام إلى بيان مراتب هذه السُلَّميّة، فإنّ أصل ثبوتها بيِّن بتبع ثبوت المراتب المعرفيّة والمعنويّة للقرآن الكريم، وبالتالي فإنّ القرآن الكريم سلَّم لجميع مراتبه، وحيث إنّ كلّ مرتبة معرفيّة تقتضي سُلَّميّة خاصّةً بها فإنّ السلّم القرآني ستُلحظ فيه عدّة مراتب بتبع مراتب القرآن المعرفيّة والمعنويّة، وأمّا المراتب المتصوّرة فيمكن عرضها في هذه الأبعاد الثلاثة:

1. مراتب السلَّم القرآني تفسيريّاً

2. مراتب السلَّم القرآني تأويليّاً

3. مراتب السلَّم القرآني معنويّاً

 إنّ السير القرآني يكفل لنا سيراً معنويّاً خالصاً من كلّ شوب، وحيث إنّ للقرآن سُلَّميّة مراتبيّة على المستويين التفسيري والتأويلي، فإنّ ذلك سوف يثبت لنا بالضرورة سُلَّميّة السير المعنوي للقرآن الكريم بالنسبة لقارئه، كما يثبت لنا مراتبيّة هذه السُلَّميّة أيضاً.

 إنَّ السُلَّميّة المعنوية لا تكفي في تحصيلها سُلَّميّة النصّ على مستوى التفسير، وأمّا على مستوى التأويل فكذلك وفقاً لمقولة المعنى، وبوجهيها معاً، وأمّا بالنسبة لمقولة العينيّة الخارجيّة فهي كفيلة في تحصيلها ولكن في ضوء الخزائنيّة لا في ضوء تحقّق المخبر عنه خارجاً([3]).

رابعاً: مهامّ السُلَّم القرآني

إنّ بيانات المهامّ العلميّة والعمليّة للسُلَّميّة القرآنيّة هي حجر الزاوية في جميع أبحاث السُلَّميّة القرآنيّة، بل هي ما يعنينا أوّلاً وبالذات من جهة عمليّة.

 لمهامّ السُلَّميّة القرآنيّة العلميّة والعمليّة أبعاد أربعة، الأوّل هو البُعد التفسيري، فهنالك سُلَّميّة تفسيريّة بلحاظ النصّ، وسُلَّمية تفسيريّة بلحاظ المفسّر (القارئ المتخصّص)، وسُلَّميّة تفسيريّة بلحاظ القارئ غير المتخصّص.

والبعد الثاني للمهامّ هو البعد التأويلي، والثالث هو البُعد التعليمي، والرابع هو البُعد المعنوي.

 إنّ مهامّ السُلَّميّة القرآنيّة في بُعدها المعنوي تنتهي عندها جميع المهامّ، بمعنى أنّها المرجعيّة الحاكمة على جميع المهامّ الأخرى، علماً بأنّ السير المعرفي للسُلَّميّة القرآنيّة في البعد المعنوي لا يعني إغلاق دائرة السير المعرفي الحصولي في دوائر العبارة والإشارة في مجموع النصوص القرآنيّة، ثمّ ينتقل إلى الدائرة الأعلى، وإنّما له أن يترقّى بقراءة النصّ الواحد على المستويات الأربعة([4]).

خامساً: موقعيّة آية الكرسي من السُلّم القرآني

لا ريب بأنّ لكلّ آية قرآنيّة حظّاً من مراتبيّة السُّلَّم القرآني ومهامّه، وهو أمرٌ متفاوت بين آية وأخرى، بحسب المقام المعرفي والمعنوي لكلّ آية، وفي ضوء هذه الحقيقة القرآنيّة يتعيّن علينا إبراز الموقعيّة المعرفيّة والمعنويّة لآية الكرسي في هذه السُلَّميّة القرآنيّة، وهذا ما يستدعي بيان عدّة أمور، منها المراد من نفس الموقعيّة وأهمّيتها وضوابطها ثمّ الانتقال إلى متعلّقات الآية بهذا الشأن.

————————————————-

([1]) المصدر السابق, ج2: ص10ـ 16.

([2]) المصدر السابق, ج2: ص 109.

([3]) منطق فهم القرآن, ج2: ص19ـ 24.

([4]) منطق فهم القرآن, ج2: ص109 ـ 110.