أبحاث ودراسات

...

 الشيخ محمد هادي معرفة   

أين اسم رسول الله (ص) في الإنجيل؟

أين التبشير بمحمد ( صلى الله عليه و آله ) في الانجيل؟

التبشير بمقدم رسول الإسلام محمّد ( صلى الله عليه و آله )

﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ... ﴾ (1).

أنكروا وجود هذه البشاره في بشائر المسيح ( عليه السَّلام ) بحجّة خلوّ الأناجيل عنها !!

لكن البشارة موجودة، و القوم حرّفوها في التراجم تحريفاً.

جاء التبشير بمقدم سيّدنا محمد ( صلى الله عليه و آله ) في وصايا المسيح ( عليه السَّلام ) للحواريّين و الذين اتّبعوه بلفظةٍ تدلّ على وصف المبشَّر به بأنّه { كثير المحمدة } المنطبقة مع لفظة {أحمد} و هو أفعل التفضيل من الحمد.

و كانت لغة المسيح التي بشّربها هي العبرانية، و هي لغة إنجيل يوحنّا الذي جاء فيه هذا التبشير، لكنّها ترجمت إلى اليونانية، ولم يعرف المترجم، و لا سبب الترجمة إليها... و ضاع الأصل, ولم يعد له وجود حتّى الآن.

و التراجم الموجودة حاليّاً هي تراجم عن النُسَخ اليونانية.. و البشارة في اليونانية كانت بلفظة { بير كلو طوس } و معناها : { الذي له حمدٌ كثير }.

لكن القوم حرّفوا اللفظة إلى { باراكلي طوس } لتترجم إلى المبشّر أو المسلّى أو المعزّى.2و جاء تعريبها { فارقليطا } كما هو معروف.

***

يقول الأستاذ النجّار : كنت في سنة 1893 ـ 1894 ميلادي طالباً بدار العلوم في السنة الاُولى، و كان يجلس بجانبي ـ في درس اللغة العربية ـ العلّامة الكبير الدكتور { كارالونلينو } المستشرق التلياني، و كان يحضر درس اللغة العربية بتوصية من الحكومة الإيطالية. فانعقد أواصر الصحبة المتينة بيني و بينه, و كان المرحوم { أحمد بك نجيب } يعطي محاضرات في الانفتياتر و العمومي، و كنّا نحضرها و نعطي ملازم من كتابه { الأثر الجليل في قدماء وادى النيل }. ففي ليلة السابع و العشرين من شهر رجب سنة 1311 خرجنا بعد المحاظرة و سرنا في { درب الجماميز } فقال لي الدكتور{ نلينو } : هذه الليلة ليلة المعراج ؟ قلت : نعم. فقال: و بعد ثلاثة أيام عيد السيّدة زينب ؟ فقلت : نعم...

ثم قلت له ـ و أنا أعلم أنّه حاصل على شهادة الدكتوراه في آداب اليهود اليونانية القديمة ـ: ما معنى { بيريكلتوس }؟ فأجابني بقوله : إنّ القسس يقولون : إنّ هذه الكلمة معناها { المعزّى }. فقلت: إنّي أسأل الدكتور { كارلونينو } الحاصل على الدكتوراه في آداب اللغة اليونانية القديمة و لست أسأل قسّيساً ! فقال : إنّ معناها : { الذي له حمدٌ كثير }. فقلت : هل ذلك يوافق أفعل التفضيل من حَمَدَ ؟ فقال : نعم ! فقلت إنّ رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) من أسمائه { أحمد }. فقال : يا أخي أنت تحفظ كثيراً... و قد ازددت بذلك تثبّتاً في معنى قوله تعالى حكايةً عن المسيح : ﴿... وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ... ﴾ 1.3

و قال الحجّة البلاغي : الكلمة في الأصل اليوناني { بير كلو طوس } الذي تعريبه { فيرقلوط } بمعنى { كثير المحمدة } الموافق لاسم { أحمد } و { محّمد }. لكنّهم صححّوه ـ حسب زعمهم ـ إلى { بيراكلي طوس } و يعبّرون عنه بـ{ فارقليط } كما عن التراجم المطبوعة بلندن سنة ( 1821 و 1831 و 1841 م ) و مطبوعة وليم بلندن ( 1857م ) على النسخة الرومية المطبوعة سنة ( 1664م ) و الترجمة العبرية المطبوعة سنة ( 1901م ). لكن أبدله بعض المترجمين إلى لفظة { المعزّى } أو { المسلّى } و شاع ذلك.4

***

و ذكر محمّد بن إسحاق المؤرخ الإسلامي المعروف صاحب السيرة النبوية المتوفّى سنة ( 151هـ ) نقلاً عن إنجيل يوحنّا أن كلمة البشارة كانت بالسريانية { المُنلْحَمَنّاً }، و هي بالرومية { البَرَقليطس }، 5 يعني : محمّداً ( صلى الله عليه و آله ) قال : و قد كان فيما بلغني عمّا كان وضع عيسى بن مريم فيما جاءه من الله في الإنجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) ممّا أثبت لهم { يُحنَّس } الحوراي 6 لهم حين نسخ له الإنجيل عن عهد 7 عيسى بن مريم ( عليه السَّلام ) في رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) أنّه قال : { من أبغضني فقد أبغض الربّ، و لولا أنّي صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي ما كانت لهم خطيئة و لكن من الآن بطروا و ظنّوا أنّهم يعزّونني، 8 و أيضاً للربّ. و لكن لابدّ من أن تتمّ الكلمة التي في الناموس : أنّهم أبغضونني مجّاناً 9 أي باطلاً. لو قد جاء { المُنللْحمنّا } هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الربّ خرج، فهو شهيدٌ عليَّ و أنتم أيضاً، لأنّكم قديماً كنتم معي. في هذا قلت لكم لكيما لا تشكّوا.10

و هذه العبارة الأخيرة أيضاً جاءت في إنجيل يوحنّا، هكذا : و متى جاء { المعزّى } الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الذي من عند الأب ينبثق، فهو يشهد لي، و تشهدون أنتم أيضاً، لأنّكم معي في البتداء.11

قال ابن إسحاق: و المُنحمنّا بالسريانيّة : محمّد. و هو بالروميّة : البَرَقْليطِس ( عليه السَّلام ).

انظر إلى هذه التطابق مع إنجيل يوحنّا قبل اثني عشر قرناً، و كيف حصل التحريف في لفظه إلى { المعزّى} و غيره. 12

    1. a. b. القران الكريم : سورة الصف ( 61 ) ، الآية : 6 ، الصفحة : 552.

    2. جاء في إنجيل يوحنّا، إصحاح 15 / 26 و27 : و متى جاء المعزّى الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحقّ الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي وتشهدون أنتم أيضاً لأنّكم معي من الابتداء.

    وفي إصحاح، 16 / 7 : لكنّي أقول لكم الحقّ، إنّه خيرٌ لكم أن أنطلق، لأنّه إن لم انطلق لا يأتيكم المعزّى، و لكن إن ذهبت أرسله إليكم.

    و في النسخة الفارسية جاءت عبارة { تسلّى دهنده } : أي المسلّي.

    3. هامش قصص الأنبياء للنجّار : 397 ـ 398.

    4. راجع : الرحلة المدرسية للبلاغي : 2 / 33.

    5. و لعلّه يقصد بالرومية اليونانية، حيث اتصال العرب باليونان يومذاك كان عن طريق الروم الشرقية.

    6. و لعلّه محرّف { يوحنّى }، حيث البشارة بذلك موجودة في إنجيل يوحنّا، إصحاح 15 / 26.

    7. ظاهر العبارة أنّ هذا الإنجيل كُتب متأخراً عن عهد المسيح ( عليه السَّلام ) و هو كذلك، لأنّ الأساقفة اجتمعوا عند يوحنّا سنة 96 و قيل : 65 و التمسوا منه أن يكتب لهم عن المسيح و ينادي بإنجيل ممّا لم يكتبه أصحاب الأناجيل الاُخر. ( راجع : قصص الأنبياء للنجّار : 401 ).

    8. أي يغلبونني.

    9. و جاءت عين العبارة في إنجيل يوحنّا، إصحاح : 15 / 23 ـ 25 هكذا : { الذي يبغضني يبغض أبي أيضا ً. لو لم أن قد عملت بينهم أعمالاً لم يعمله اأحد غيري لم تكن لهم خطيئة. و أمّا الآن فقد رأوا وأبغضوني أنا و أبي. لكن لكي تتمّ الكلمة المكتوبة في ناموسهم : إنّهم أبغضوني لا سبب...}.

    10. راجع : سيرة ابن هشام : 1 / 284 ؛ و الروض الأنف : 1 / 264.

    11. إصحاح : 15 / 26 ـ 27.

    12. شبهات وردود حول القرآن الكريم : 94 ـ 97 ، تحقيق : مؤسسة التمهيد ، الطبعة الثانية / سنة : 1424 هـ 2003 م ، منشورات ذوي القربى ، قم المقدسة / الجمهورية الاسلامية الإيرانية.