أبحاث ودراسات

...

 الشيخ محمد صنقور   

النهي عن ترك التناول للعشاء

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

 

مسألة:

كراهة التناول للعشاء هل هي مختصَّة بالشيخ الكبير أو تشملُ الشاب والصغير؟

 

الجواب:

ظهور الروايات في الإطلاق:

ورد النهي والتحذير -في العديد من الروايات- من ترك التناول للعشاء وظاهرها الإطلاق وعدم الاختصاص بالشيخ الكبير.

 

فمن ذلك: صحيحة مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (ع) عَشَاءُ الأَنْبِيَاءِ (ع) بَعْدَ الْعَتَمَةِ، فَلَا تَدَعُوه، فَإِنَّ تَرْكَ الْعَشَاءِ خَرَابُ الْبَدَنِ" (1)

 

أقول: معنى ذلك أنَّ المداومة على ترك التناول للعشاء يُفضي إلى خراب البدن واعتلاله ، إذ من الواضح أنَّ هذا الأثر لا يترتَّب لمجرَّد ترك العشاء لمرَّةٍ أو مرَّتين، وهذا هو المستفاد من الروايات الأخرى أيضاً.

 

ومنها: صحيحة هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: أَصْلُ خَرَابِ الْبَدَنِ تَرْكُ الْعَشَاءِ"(2).

 

ومنها: معتبرة سُلَيْمَانَ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَعْفَرِيِّ قَالَ: كَانَ أَبُو الْحَسَنِ (ع): لَا يَدَعُ الْعَشَاءَ ولَوْ بِكَعْكَةٍ وكَانَ يَقُولُ (ع) إِنَّه قُوَّةٌ لِلْجِسْمِ .."(3).

 

ومنها: المهلبي عن أبي عبد الله (ع) قال: "تركُ العشاء مهرمة، وقال: أول انهدام البدن ترك العشاء"(4).

 

فظاهرُ هذه الروايات وكذلك غيرها الإطلاق وعدم اختصاص التحذير من ترك التناول للعشاء بالشيخ الكبير بل صرَّحت بعض الروايات بعدم الاختصاص كرواية جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "لا تدعوا العشاء ولو على حشفةٍ، إنِّى أخشى على أمتي من ترك العشاء الهرمَ، فإنَّ العشاء قوَّةٌ الشيخ والشاب"(5).

 

فالخطاب بالنهي عن ترك العشاء لعموم أمَُّته (ص) كما هو مقتضى ظاهر التعليل، وكذلك فإنَّ قوله (ص): "فإنَّ العشاء قوَّةُ الشيخ والشاب" صريحٌ في عدم الاختصاص بالشيخ.

والمراد من الحشفة هي حشفة التمر وتوصف به التمرة الرديئة اليابسة التي تتقبض قبل نضجها وغالبا ما تكون خالية من النواة وتكون قليلة الحلاوة بالقياس إلى نوع التمرة المنتمية إليها ، وفي الرواية تعبيرٌ عن المبالغة في النهي عن ترك التناول لشيء من الطعام ليلاً وإن كان قليلاً .

 

تأكُّد النهي عن ترك العشاء للشيخ والمكتهل:

نعم ورد في العديد من الروايات ما يظهرُ منه تأكُّد الأمر بتناول العشاء والنهي عن تركه للشيخ والمكتهل.

 

فمِن ذلك: صحيحة جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "تَرْكُ الْعَشَاءِ مَهْرَمَةٌ، ويَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إِذَا أَسَنَّ أَلَّا يَبِيتَ إِلَّا وجَوْفُه مُمْتَلِئٌ مِنَ الطَّعَامِ"(6).

 

ومنه: معتبرة ذَرِيحٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "الشَّيْخُ لَا يَدَعُ الْعَشَاءَ ولَوْ بِلُقْمَةٍ"(7).

 

ومنه: معتبرة سَعِيدِ بْنِ جَنَاحٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا (ع) قَالَ: "إِذَا اكْتَهَلَ الرَّجُلُ فَلَا يَدَعُ أَنْ يَأْكُلَ بِاللَّيْلِ شَيْئاً فَإِنَّه أَهْدَى لِلنَّوْمِ وأَطْيَبُ لِلنَّكْهَةِ"(8).

 

ومنه: معتبرة الْوَلِيدِ بْنِ صَبِيحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ": "لَا خَيْرَ لِمَنْ دَخَلَ فِي السِّنِّ أَنْ يَبِيتَ خَفِيفاً بَلْ يَبِيتُ مُمْتَلِياً خَيْرٌ لَه"(9).

 

الروايات بصدد الارشاد وليس الكراهة المصطلحة:

وهنا يحسنُ التنبيه على أمرٍ وهو أنَّ النهي عن ترك التناول للعشاء لا يدلُّ على الكراهة المصطلحة بل هو نهيٌ إرشادي بمعنى أنَّ الروايات إنَّما هي بصدد الإرشاد إلى منافع العشاء للبدن، والإرشاد إلى المحاذير الصحيَّة المترتِّبة على ترك التناول للعشاء كما يظهرُ ذلك من قوله (ع) في مقام التعليل للنهي عن ترك التناول للعشاء: "إِنَّه قُوَّةٌ لِلْجِسْمِ"، وقوله (ع) "فَإِنَّه أَهْدَى لِلنَّوْمِ وأَطْيَبُ لِلنَّكْهَةِ"، وقوله (ع): "فَإِنَّ تَرْكَ الْعَشَاءِ خَرَابُ الْبَدَنِ" أي يفضي إلى اعتلاله، وقوله (ع): "تَرْكُ الْعَشَاءِ مَهْرَمَةٌ" أي أنَّه يقود إلى الهرَم والضعف.

 

ومن ذلك يتَّضح أنَّ المراد من الاستحباب الوارد في رواية المفضَّل بن عمر عن أبي عبد الله (ع) قال "فإنَّه يستحب للرجل إذا اكتهل أنْ لا يبيتَ الا وفي جوفه طعام .." ليس هو الاستحباب المصطلح وإنَّما هو الإرشاد إلى الرجحان العقلائي .(10).

 

والحمد لله ربِّ العالمين

 

1- الكافي -الكليني- ج6 / ص288.

2- الكافي -الكليني- ج6 / ص288.

3-  الكافي -الكليني- ج6/ 288.

4- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج24 / ص330.

5- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج24 / ص330.

6- الكافي -الكليني- ج6 / ص288.

7- الكافي -الكليني- ج6 / ص289.

8- الكافي -الكليني- ج6 / ص288.

9- المحاسن -البرقي- ج2 / ص422.

10- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج24 / ص334.