أبحاث ودراسات

...

 السيد كمال الحيدري   

«وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ»

وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ»([1])

ذكر القرآن في مواضع عديدة، أنّ الله يحبّ العدل والإحسان والصبر والثبات والتوكّل والتوبة والتطهّر ونحوها.

قال تعالى: {…إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 195).

وقال: {…وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (آل عمران: 146).

وقال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} (الصف: 4).

وقال: {…إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159).

وقال: {…إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة: 222).

من الأمور المحبوبة له أيضاً التقوى، قال تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (آل عمران: 76).

ومعنى محبّة الله تعالى لعبده، كما ذكره بعض العارفين هو:

«كشف الحجاب عن قلب العبد وتمكينه من أن يطأ على بساط قربه، فإنّ ما يوصف به سبحانه إنّما يؤخذ باعتبار الغايات لا باعتبار المبادئ، وعلامة حبّه سبحانه للعبد، توفيقه للتجافي عن دار الغرور، والترقّي إلى عالم النور، والأُنس بالله، والوحشة ممّا سواه، وصيرورة جميع الهموم همّاً واحداً»([2]).

وإذا أحبّ الله عبداً تولّى أمره، قال تعالى: {…وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} (الجاثية: 19). عند ذلك تظهر على العبد آثار الولاية الإلهية. قال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (يونس: 62ـ64).

افتتحت هذه الآيات الثلاث بلفظة «ألا» التنبيهية، للإشارة إلى أهمّية ما تريد بيانه، حيث ذكرت أولياء الله ووصفت آثار ولايتهم، وما يختصّون به عند الله تعالى.

«والولاية وإن ذكر لها معان كثيرة، لكن الأصل في معناها: ارتفاع الواسطة الحائلة بين الشيئين، بحيث لا يكون بينهما ما ليس منهما، ثمّ استعيرت لقرب الشيء من الشيء بوجه من وجوه القرب، كالقرب نسباً أو مكاناً أو منزلة أو بصداقة أو غير ذلك، ولذلك يطلق الولي على كلّ من طرفي الولاية، وخاصّة بالنظر إلى أنّ كلًّا منهما يلي من الآخر ما لا يليه غيره، فالله سبحانه وليّ عبده، لأنّه يلي أمره ويدبّر شأنه، فيهديه إلى صراطه المستقيم ، ويأمره وينهاه فيما ينبغي له أو لا ينبغي، وينصره في الحياة الدنيا والآخرة {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} (غافر: 51).

والمؤمن حقّاً ولي ربّه، لأنّه يلي منه إطاعته في أمره ونهيه، ويلي منه عامّة البركات المعنوية من هداية وتوفيق وتأييد وتسديد وما يعقبها من الإكرام بالجنّه والرضوان.

فأولياء الله ـ على أيّ حال هم المؤمنون، فإنّ الله يعدّ نفسه وليّاً لهم في حياتهم المعنوية حيث يقول: {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران: 68).

غير أنّ الآية التالية لهذه الآية المفسِّرة للكلمة، تأبى أن تكون الولاية شاملة لجميع المؤمنين، وفيهم أمثال الذين يقول الله سبحانه فيهم {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} (يوسف: 106). فإنّ قوله في الآية التالية: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} (يونس: 63) يعرّفهم بالإيمان والتقوى، مع الدلالة على كونهم على تقوى مستمرّة سابقة على إيمانهم من حيث الزمان، حيث قال (آمنوا) ثمّ عطف عليه (وكانوا يتّقون) فدلّ على أنّهم كانوا يستمرّون على التقوى قبل تحقّق هذا الإيمان منهم، ومن المعلوم أنّ الإيمان الابتدائي غير مسبوق بالتقوى، بل هما متقاربان أو هو قبل التقوى وخاصّة التقوى المستمرّة.

والحاصل: أنّ المراد من الإيمان في قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} ليس هو مطلق درجاته، بل تلك المرتبة منه التي يسلّم فيها العبد لربّه حقيقة معنى ألوهيته، وينقطع عنه السخط والاعتراض، فلا يسخط لشيء من أمره من قضاء وقدر وحكم، ولا يعترض على شيء من إرادته، وهذا هو الإيمان الكامل الذي تتمّ به للعبد عبوديّته، قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (النساء: 65).

على أنّ توصيفه تعالى هؤلاء بأنّهم {…لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (يونس: 62) يدلّ على أنّ المراد منه الدرجة العالية من الإيمان الذي يتمّ معه معنى العبودية والمملوكية المحضة للعبد الذي يرى معه أنّ المُلك لله وحده لا شريك له، وأن ليس إليه من الأمر شيء حتّى يخاف فوته أو يحزن لفقده.

وذلك أنّ الخوف إنّما يعرض للنفس عن توقّع ضرر يعود إليها، والحزن إنّما يطرأ عليها لفقد ما تحبّه أو تحقّق ما تكرهه ممّا يعود إليها نفعه أو ضرره، ولا يستقيم تحقّق ذلك إلّا فيما يرى لنفسه ملكاً أو حقّاً متعلّقاً بما يخاف عليه أو يحزن لفقده، من ولد أو مال أو جاه أو غير ذلك، وأمّا ما لا علقة للإنسان به بوجه من الوجوه أصلاً، فلا يخاف الإنسان عليه ولا يحزن لفقده.

والذي يرى كلّ شيء ملكاً طِلقاً لله سبحانه، لا يشاركه في ملكه أحد، لا يرى لنفسه ملكاً أو حقّاً بالنسبة إلى شيء، حتّى يخاف في أمره أو يحزن، وهذا هو الذي يصفه الله من أوليائه يقول: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (يونس: 62) فهؤلاء لا يخافون شيئاً ولا يحزنون لشيء لا في الدنيا ولا في الآخرة، إلّا أن يشاء الله، وقد شاء أن يخافوا من ربّهم وأن يحزنوا لما فاتهم من كرامته إن فاتهم، وهذا كلّه من التسليم لله فافهم ذلك. قال تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} (الأحزاب: 39).

وقال: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران: 173). وقال أيضاً: {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} (التوبة: 92).

فإطلاق الآية يفيد اتّصافهم بهذين الوصفين، عدم الخوف وعدم الحزن في النشأتين الدنيا والآخرة، فتكون نظير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ…} (فصّلت: 30ـ31).

وليس معنى ارتفاع الخوف من غير الله والحزن عن الأولياء أنّ الخير والشرّ والنفع والضرر والنجاة والهلاك والراحة والعناء واللذّة والألم والنعمة والبلاء، متساوية عندهم ومتشابهة في إدراكهم، فإنّ العقل الإنساني بل الشعور العامّ الحيواني لا يقبل ذلك.

بل معناه أنّهم لا يرون لغيره تعالى استقلالاً في التأثير أصلاً، ويقصرون الملك والحكم فيه تعالى، فلا يخافون إلّا إيّاه أو ما يحبّ الله ويريد أن يحذروا منه أو يحزنوا عليه»([3]).

لذا نجد القرآن يشير إلى أنّ هؤلاء على حذر في موارد عديدة. قال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}  (الزمر: 9).

وقال: {…وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ…} (البقرة: 235).

 —————————————————

([1]) الجاثية: 19.

([2]) شرح جامع لأصول الكافي والروضة، محمد صالح المازندراني: ج9 ص399، من منشورات المكتبة الإسلامية، طهران.

([3]) الميزان في تفسير القرآن: ج10 ص88 .