أبحاث ودراسات

...

 السيد كمال الحيدري   

آثار ولاية الله

وإذا تولّى الله عبده، يخرجه من الظلمات إلى النور {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ…} (البقرة: 257). عند ذلك لا يستوي حال هذا العبد مع حال غيره من الناس الذين لم يرزقوا ذلك النور ، قال تعالى: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} (النور: 40). أمّا هذا العبد المؤمن الذي شملته الولاية الإلهية، فإنّ له نوراً يمشي به في الناس، قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا…} (الأنعام: 122).

فإذا وصل العبد إلى هذا المقام، يكون نظره بنور الله «فيرى ما لا يراه الناس، ويسمع ما لا يسمعونه، ويعقل ما لا يعقلونه، ويريد ما لا يريدونه، وإن كانت ظواهر أعماله وصور حركاته وسكناته تحاكي أعمال غيره وحركاتهم وسكناتهم وتشابهها، فله شعور وإرادة فوق ما لغيره من الشعور والإرادة، فعنده من الحياة التي هي منشأ الشعور والإرادة، ما ليس عند غيره من الناس، فللمؤمن (المتّقي حقيقة) مرتبة من الحياة ليست عند غيره.

فكما أنّ عموم الناس يشاركون سائر الحيوان في الشعور بواجبات الحياة والحركة الإرادية، ويشاركها الحيوان، لكنّ مع ذلك لا نشكّ أنّ الإنسان نوع أرقى من سائر الأنواع الحيوانية، وله حياة فوق الحياة التي فيها، لما نرى في الإنسان آثاره العجيبة المترشّحة من أفكاره الكلّية وتعقّلاته المختصّة به، ولذلك نحكم في الحيوان إذا قسناه إلى النبات، وفي النبات إذا قسناه إلى ما قبله من مراتب الوجود، أنّ لكلّ منها درجة أعلى وحياة هي أرقى من حياة ما قبله.

كذلك الإنسان الذي أُوتي العلم والإيمان واستقرّ في دار الإيقان، واشتغل بربّه، وفرغ واستراح من غيره، وهو يشعر بما ليس في وسع غيره، ويريد ما لا يناله سواه، إنّ له حياة فوق حياة غيره، ونوراً يستمدّ به في شعوره، وإرادة لا توجد إلّا معه وفي ظرف حياته»1).

لذا نجد أنّ القرآن عندما يأتي إلى أولئك الذين تولاّهم الشيطان، فأخرجهم من النور إلى الظلمات {…وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ…} (البقرة: 257)، يقول عنهم: {…لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} (الأعراف: 179). فيثبت لهم أمثال القلوب والأعين والآذان التي في المؤمنين، لكنّه ينفي كمال آثارها التي في المؤمنين.

ولعلّ هذا هو مراد الحديث القدسي الوارد عن النبي ’ من طرق الفريقين حيث قال: «وإنّه (العبد) ليتقرّب إليَّ بالنافلة حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يُبصر به ولسانه الذي ينطق به ويده التي يبطش بها. إن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته»([2]).

وقيل في معناه:

«إنّه لا يسمع إلّا بحقّ وإلى حقّ، ولا ينظر إلّا بحقّ وإلى حقّ، ولا يبطش إلا بإذن الحقّ، ولا يمشي إلّا إلى ما يرضى به الحقّ، وهو المؤمن حقّاً، الذي راح عنه كلّ باطل، وصار واقفاً مع الحقّ»([3]).

فتحصّل إلى هنا: أنّ الإنسان يصل بالتقوى إلى مقام يكون محبوباً لله سبحانه وتعالى، وإذا أحبّ الله عبداً تولّاه، وإذا تولّاه كان آمناً من الخوف والحزن والفزع، و أنّ مثل هذا العبد ـ كما تقول الروايات يكون في حصن الله.

عن الإمام الرضا عن آبائه ^ عن أمير المؤمنين × قال: >سمعت رسول الله ’ يقول: سمعت جبرئيل يقول: سمعت الله عزّ وجلّ يقول: لا إله إلّا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي»([4]).

من الواضح أنّ ذلك لا يتحقّق إلّا بشروطها، وهي كما ورد في جملة من الروايات: الإيمان بالإمامة الخاصّة لأئمّة أهل البيت ^ والطاعة والتسليم لهم، لذا ورد في ظل الرواية: «فلما مرّت الراحلة، نادانا: بشروطها، وأنا من شروطها».

وعن الإمام الصادق × قال: «من قال: لا إله إلّا الله مخلصاً دخل الجنّة، وإخلاصها أن تحجزه لا إله إلّا الله عمّا حرّم الله عزّ وجلّ»([5]).

وكيفما كان فإذا صار العبد في حصن الله تعالى، فسيكون في مأمن من سهام إبليس وإغوائه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} (الأعراف: 201) والطائف من الشيطان هو الذي يطوف حول القلب ليلقي إليه الوسوسة.

والآية بمنزلة التعليل للأمر بالاستعاذة الواردة في الآية السابقة: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأعراف: 200).

والنزغ كما قال الراغب في المفردات: «دخول في أمر لأجل إفساده، قال تعالى: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} (يوسف: 100)، وقيل: هو من الشيطان أدنى الوسوسة.

وعلى هذا يكون معنى الآية:

«استعذ بالله عند نزغة الشيطان، فإنّ هذا هو طريق المتّقين، فهم إذا مسّهم طائفٌ من الشيطان تذكّروا أنّ الله هو ربّهم الذي يملكهم ويربيهم ويرجع إليه أمرهم، فأرجعوا إليه الأمر، فكفاهم مؤنته، ودفع عنهم كيده، ورفع عنهم حجاب الغفلة، فإذا هم مبصرون غير مضروب على أبصارهم بحجاب الغفلة»([6]).

فتكون هذه الآية نظير قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الحجر: 42).

بهذا يتّضح معنى الرحمة الخاصّة التي وعدها الله المتّقين من عباده {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} (الأعراف: 156)، فإنّ هناك «رحمة إلهية عامّة يتنعّم بها المؤمن والكافر والبرّ والفاجر وذو الشعور وغير ذي الشعور، فيوجدون بها ويرزقون بها في أوّل وجودهم، ثمّ في مسيرة الوجود ما داموا سالكين سبيل البقاء. ورحمة إلهية خاصّة وهي العطية الهنيئة التي يجود بها الله سبحانه في مقابل الإيمان والعبودية، وتختصّ لا محالة بالمؤمنين الصالحين من عباده، من حياة طيّبة نورانيّة في الدنيا، وجنّة ورضوان في الآخرة، ولا نصيب فيها للكافرين والمجرمين.

ويقابل الرحمة الخاصّة عذاب وهو الذي يصيب الكافرين والمجرمين من جهة كفرهم وجرمهم في الدنيا، كعذاب الاستئصال والمعيشة الضنك، وفي الآخرة من النار وآلامها، ولا يقابل الرحمة العامّة شيء من العذاب، إذ كلّ ما يصدق عليه اسم شيء فهو من مصاديق الرحمة العامّة لنفسه أو لغيره وكونه رحمة هي المقصودة في الخلقة، وليس وراء الشيء شيء»([7]).

بهذا يتّضح لماذا كان الأنبياء جميعاً يحثّون أممهم على التقوى.

{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} (الشعراء: 106).

{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} (الشعراء: 124).

{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} (الشعراء: 143).

{إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} (الشعراء: 161).

{إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} (الشعراء: 177).

{وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ٭ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ} (الصافات: 124).

 ——————————–

([1]) الميزان، مصدر سابق: ج7 ص337.

([2]) الأصول من الكافي: ج2 ص352، كتاب الإيمان والكفر، باب من آذى المسلمين واحتقرهم، الحديث: 7.

([3]) شرح جامع لأصول الكافي والروضة، مصدر سابق: ج9 ص401.

([4]) التوحيد، الشيخ الصدوق: ص25، باب ثواب الموحِّدين، الحديث: 23.

([5]) المصدر السابق: ص27، الحديث: 26.

([6]) الميزان في تفسير القرآن: ج8 ص381.

([7]) الميزان، مصدر سابق: ج8 ص274 .