أبحاث ودراسات

...

 الشيخ محمد جعفر السعيد   

اليأس من روح الله

اليأس من روح الله - 2

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين وسفير إله العالمين حبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا وشفيع ذنوبنا المحمود الأحمد المصطفى الأمجد أبي القاسم محمد صلوات الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة على أعدائهم أعداء الدين من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

قال تعالى في محكم كتابه المجيد (بسم الله الرحمن الرحيم، وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)[1] صدق الله العلي العظيم.

لقد تكلملنا في سابقًا حول (اليأس من روح الله سبحانه وتعالى) وذكرنا أنّ الله عزّوجل قام بأمرين وهما:

الأول: أنّه تعالى جعل الأسباب بدون تأثير أحيانًا، حتّى لايظنّ المؤمنون بوجود أسباب مستقلة في التأثير.

والثاني: أنّه أوجد أحيانا معدومًا مع عدم وجود الأسباب، حتّى لايحزن المؤمنون على أي حال، وقد قام بالأمرين في الأمور المادية والدنيويّة وفي الأمور الأخروية والمعنويّة أيضا.

وقد تعرضنا للأمر الأول وضربنا أمثلة عديدة عليه وذلك من أجل أن نبرهن للمؤمنين أنّ المشيئة والقدرة بيده سبحانه لابيد أحد من خلقه، فكل شيء في هذه الحياة سواء تعلق بالماديات، أو بالمعنويات، أو بالأخرة، لا يكون إلاّ بإرادته وإن تهيأت الأسباب، ومثلنا على ذلك: بنار إبراهيم؛ كيف أنّ الله أبطل قانون الحرارة فيها وجعلها باردته بقوله تعالى (يا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ)[2] ولو لم يقل سلامًا، لَمَاتَ إبراهيم من شدة الصقيع و البرودة، والمثال الأخر توقف السكين عن قطع عنق إسماعيل عند أمره الله بذبحه فأنطقها سبحانه قائلة له (يقول الله لاتذبح).

والمثال الأخر الذي تكلمنا عنه؛ هو ماحصل من أمر موسى وفرعون، وكيف أنّ الله جعل موسى يترعرع في بيت فرعون وكان هلاك فرعون على يده، مع أنّ فرعون تتبع النساء الحوامل وبقر بطونهنّ خوفًا على نفسه من الغلام الذي سيقوض بعرشه ويقضي عليه.

والمثال الآخر؛ ما جرى لجيش أبرهة عندما جاء لهدم الكعبة المشرفة. وعلى كل حال توجد كثير وكثير من الأمثلة على الأمر الأول.

وأمّا الأمر الثاني وهو: أنّه سبحانه وتعالى أوجد أحيانا معدومًا مع عدم وجود الأسباب. أي أنّه أوجد بقدرته القاهرة أمورًا ماديّة، دنويّة، مع عدم وجود الأسباب الصوريّة لها، وهذه الأمور والموارد كثيرة ولا عد لها ولاحصر، مثل آدم، أبو البشر الذي وجد من دون أب وأم، ومريم (عليها السلام) التي أنجبت المسيح عيسى (عليه السلام) من دون أن يلمسها بشر، وحين أعطي زكريّا (عليه السلام) يحي مع أنّه في سن العجز والشيخوخة، وقد وهب لإبراهيم (عليه السلام) عند كهولته إسحاق من زوجته سارة التي كانت عجوزًا عقيمة.

ومن الأمثلة على ذلك العلم المحمدي للنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مع عدم التعلم، فلم يدخل مدرسة ولم يتعلم على يد معلم، وقد جعله الله سبحانه تعالى معلمًا للبشريّة وجعل قرآنه حاويًا للعلوم، بل كانت كل معجزات وكرامات الأنبياء من هذا القبيل، أي خارقة للعادة والطبيعة حيث يوجد الشيء من غير أسبابه العادية.

ومن هذا القبيل استجابة الأدعية وكشف الكربات من الله لعباده، فكم من الأشخاص المضطرين الذين يئسوا من الأسباب أصلح الله أمرهم، وقضى حاجاتهم. فكم من المرضى فقدوا الأمل من الأسباب العادية يَئِسوا من الشفاء، وصحوا نتيجة الصدقة أو الدعاء، وكم من الفقراء أصبحوا من الأثرياء دون الأسباب العادية. وكم من المبتلين ببلاءات عجيبة نجاهم الله من حيث لا يحتسبون، وكتب الرويات والسيرة والتأريخ مليئة بهذه القصص.

وأمّا الأمور المعنوية التي ألغاها الله وجعلها بدون تأثير مع إجتماع الأسباب، كما حصل مع الأشخاص الذين أصبحوا سعداء بسبب المجاهدات النفسانيّة بل وصلوا إلى درجات عالية ولكنهم بعد ذلك خرجوا عن أتباع الأنبياء أو ارتَكَبوا بعض الذنوب الكبيرة، فبطل سعيهم وأصبح ما حصلوا عليه وكان من أسباب سعادتهم على عكس ذلك أي أصبح سبب شقاوتهم وانحطاطهم إلى الدركات. كبلعم بن باعورا، فمع أنّه كان من أصحاب الكمالات والمقامات العالية، إلاّ إنّه في آخر المطاف خالف نبي زمانه، بإتباعه هواه فالتحق بأسفل السافلين، فوصفه الله سبحانه وتعالى في القرآن بالكلب، كما في قوله تعالى (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ)[3].

وأمّا الأمور المعنوية الأخروية التي تفضل بها الله مع عدم وجود الأسباب كثيرة، فكم من الأشخاص كانت أسباب شقاوتهم مهيأة، وكانوا مبتلين في قعر مستنقع الطبيعة، وكانوا بعيدين عن ربّهم، ولكن ظَهَرَ اللطف الإلهي في أسوأ الظروف فنجّاهم الله وشدهم إليه وهذا مايبعث على الحيرة لدى كل عاقل.

ومن هؤلاء سحرة فرعون الذين آمنوا بما جاء به موسى (عليه السلام) ولم يهتموا بل لم يتأثروا بتهديد فرعون لهم بالقتل والصلب ولكنهم (قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إلى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ)[4].

وكذلك آسية بنت مزاحم التي آمنت بالله وموسى (عليه السلام) وقد تعرضت لأشد وأقسى العذاب فلم تتزلزل، بل لمّا كانت تقول وهي في آخر رمق من الحياة: (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[5]. ومن جملتهم مخيرق اليهودي الذي أسلم في أحد وسلّم كلّ ماله لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقتل في أحد، وصار من جملة الشهداء. ومثله الحر بن يزيد الرّياحي الذي أدركته السعادة في اليوم العاشر من المحرم، وصار من أنصار الإمام الحسين (عليه السلام).

وبعد سماع قصص هؤلاء، وقصص الآلاف من أمثالهم، هل يستطيع العاقل أن ييأس من ربه الكريم وأن يفقد الأمل بنجاته أو نجاة الآخرين؟

وعلى هذا الأساس قال العلماء الأعلام: (لايستطيع المسلم أن يقطع أنّه أفضل من الفسّاق والكفار وأن يعتبر نفسه من السعداء ويعتبرهم من الأشقياء، بل يجب أن يخاطب نفسه بالقول: إذا استمر لطف وتوفيق الله لي فمتّ وأنا على هذه الحال التي أنا عليها أو أفضل، وإذا استمر خذلان الله كما هو الآن لفلان الكافر أو الفاسق ومات على هذه الحال عندها أكون أفضل منه).



[1] يوسف: من الآية 87.

[2] الأنبياء: من الآية 69.

[3] الأعراف: من الآية 176.

[4] الشعراء: 50.

[5] التحريم: من الآية11.