مقالات: البكاء على الحسين (ع) توحيد خالص لله      •      زيارة النساء للقبور.. هل هي جائزة؟ - 2      •      الدلالة الاجتماعية لدلالة الألفاظ للقرآن الكريم (1)      •      هل من اقتصادٍ في الإسلام؟      •      لماذا تكلم القرآن بأسلوب الظاهر؟      •      مسائل وردود: في تغسيل الأموات      •      هل يجوز الصلاة خلف الإمام الذي يستلم راتب من الحكومة؟      •      هل يجب الغسل عند مداعبة الرجل للمرأة؟      •      حكم نسخ الكتب مع وجود عبارة (حقوق الطبع محفوظة)      •      السجود على التربة من الجهة المنقوشة      •     
»
» هل سجود الملائكة لآدم (عليه السلام) يعد نوعا من أنواع الشرك؟
» الكاتب: الشيخ جعفر السعيد - قراءات [918] - نشر في: 2019-04-01


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلاة على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

المسألة:

هل سجود الملائكة لآدم (عليه السلام) يعد نوعا من أنواع الشرك؟

الجواب:

في مقام الجواب نقول: إن سجود الملائكة لأبينا آدم (عليهم السلام) لا يعد شركًا بالله عز وجل، وبيان ذلك يتوقف على بيان أمور:

بيان معنى الشرك

فالشرك في اللغة هو اتخاذ الشريك والند، وذلك بأن يُجعل أحدٌ شريكًا لأحد آخر، سواء كان ذلك الشريك من الناس أم من غيرهم. وأما في الاصطلاح فهو اتخاذ شريك أو ند مع الله سبحانه وتعالى في ربوبيته، وخالقيته، وعبوديته، وحاكميته، وصفاته. ثم إن معنى الند هو النظير والشبيه والمثيل، وقد منع القرآن الكريم أن يُجعل ندٌّ لله سبحانه وتعالى، فقال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[1].

بيان معنى العبادة

إن مفهوم ولفظ العبادة قد يكون واضحًا للوهلة الأولى، فعندما نرى فلانًا من الناس يخضع أمام شيءٍ خضوعًا تامًا مسلّمًا معتقدًا بذلك الشيء فإن ما ينقدح في أذهاننا هو أنه قد عبد ذلك الشيء وحقق معنى العبادة له.

ولكننا إذا تفحصنا مفهوم العبادة فإننا نجد أن العبادة تُعرَّف بتعاريف متعددة، منها:

أولا: إن العبادة هي الخضوع اللفظي أو العملي الذي ينشأ عن اعتقاد بألوهية مَن خُضِعَ له، كمن يعتقد بالوهية الشمس والكواكب والجن مثلا، فيتخذها آلهة صغرى خاضعة لآلهة كبرى فوقها، وهي الله سبحانه وتعالى.

وثانيا: إن العبادة هي الخضوع أمام مَن يُعتقد بأنه يملك شيئًا من شؤون وجود العابد وحياته وآجله وعاجله، كأن يخضع الإنسان أمام الله سبحانه وتعالى معتقدًا بأنه المالك له، حيث يحس بأن مالكيته ترجع إلى مالكية الله سبحانه وتعالى، فيخضع لله سبحانه وتعالى من هذا المنطلق، أي من منطلق أن المعبود يملك شأنا من شئون وجود العابد.

وثالثًا: إن العبادة هي الخضوع ممن يرى نفسه غير مستقلٍّ في وجوده وفعله أمام مَن يكون مستقلا فيهما، فيخضع للغني المستقل والوجود المطلق ويعبده، ولذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّوْمِ﴾[2].

وعلى أيّ حال؛ فإننا لو تفحصنا جيدًا معاني العبادة لوجدناها تشترك جميعا في سمة واحدة، وهي الخضوع المقرون بالاعتقاد، أي أن الخضوع ليس كله عبادة، بل لابدّ أن يقترن الخضوع بالعقيدة القلبية لدى الخاضع، فيخضع أمام من يعتقد بخالقيته، وربوبيته، ومالكيته، وغناه، واستقلاله التام في خلقه وربوبيته للعالم، فحينئذ نسميها عبادة. وأما الخضوع غير المشتمل على العقيدة القلبية لا نسميه عبادة، إنما هو تعظيم واحترام وتقدير للمخضوع له لا أكثر.

الله لا يأمر بالشرك

ومن الواضح جدًا أن الله عز وجل لا يمكن أن يأمر بالشرك به، فكيف يأمر الله سبحانه وتعالى الملائكة بأن يشركوا به بسجودهم لأدم (عليه السلام)؟ إن هذا غير ممكن وغير واقع.

إذا تبين واتضح لك ما تقدم؛ يتضح لك الجواب على ما سألت، وهو أن الله عز وجل لما أمر الملائكة بأن تسجد لأبينا آدم (عليه السلام) فإن هذا السجود خضوع تام من الملائكة أمام هذا الإنسان الذي هو موجود سوى الله عز وجل، ولكن مع ذلك فإن هذا السجود ليس شركًا بالله عز وجل، لأنه – وفقًا لما بينّاه آنفًا – غير ناشئ من الاعتقاد بمالكية آدم (عليه السلام) وخالقيته وربوبيته، بل إن سجود الملائكة لآدم في حد ذاته توحيد خالص من الملائكة لله سبحانه وتعالى، وذلك بإطاعتهم لأوامره عزَّ وجلَّ، ولذا فإن إبليس العاصي الذي كانت نفسه غير سليمة امتنع عن السجود لآدم وامتثال أمر الله سبحانه وتعالى، فعصى ولم يطع خالقه، مما ينبئك عن عدم إخلاصه في طاعة الله سبحانه وتعالى طيلة هذه السنوات التي عبد الله فيها، وقد تحدثت بعض الأخبار بأن إبليس لعنه الله كان مع الملائكة في السماء يعبد الله، وكانت الملائكة تظن أنه منهم، ولم يكن منهم، فلما أمر الله الملائكةَ بالسجود لآدم أخرج إبليس ما كان في قلبه من الحسد، فعلمت الملائكة عند ذلك أن إبليس لم يكن منهم[3].

ويظهر مما بيناه أيضًا مشروعية التبرك وتقبيل أضرحة المعصومين (عليهم السلام) وطلب الشفاعة منهم (عليهم السلام)، وأن هذا الفعل لا شركًا بالله عز وجل - كما زعمت الفرقة الضالة المبتدعة -؛ وذلك لخلوه من الاعتقاد بأن الأولياء (عليهم السلام) لهم صفات الخالقية والربوبية وغيرها من صفات الله عز وجل. وإنما يعد هذا الفعل تعظيمًا واحترامًا لهؤلاء الأولياء (عليهم السلام) اعتقادًا بأن لهم مقامًا عظيمًا ومحمودًا قد منحه لهم الله سبحانه وتعالى.

نماذج قرآنية

ثم إننا لو تفحصنا القرآن الكريم وتمعَّنَّا في آياته، لوجدنا أن هناك نماذج وآيات متعددة على نمط ما ذكر في آية السجود لآدم (عليه السلام)، فمثلا قوله تعالى في حديثه عن نبيه يوسف وأبيه وإخوته، قال عز من قائل: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوْا لَهُ سُجَّدًا﴾[4]، فهل نعتبر سجودهم لنبي الله يوسف (عليه السلام) شركًا بالله؟ وكيف يُشرِكُ نبي من أنبياء الله قد بعثه الله سبحانه لنشر التوحيد وتثبيته في قلوب قومه؟! وكذلك لنا في القرآن انموذج آخر في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾[5] فهل أمْرُ الله سبحانه وتعالى للإنسان بأن يخضع أمام أبيه وأمه شركٌ به سبحانه؟ وكيف يأمر الله عز وجل الإنسانَ بأن يشرك به؟ إن هذا غير ممكن، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا.

 

والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين

 

جعفر السعيد
26 رجب 1440هـ



[1] سورة البقرة، الآية: 22.
[2] سورة طه، الآية: 111.
[3] انظر: السيد هاشم البحراني، البرهان في تفسير القرآن، مؤسسة دار المجتبى، الطبعة الثانية، ج1، ص170، ح4.
[4] سورة يوسف، الآية: 10.
[5] سورة الإسراء، الآية: 24.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
3613986

الجمعة
13-ديسمبر-2019

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع