مقالات: السنة النبوية: دورها ومكانتها في الاجتهاد الإسلامي      •      مقدمة في التفسير الموضوعي للقرآن      •      التعليم والعدالة الاجتماعية في الإسلام      •      مبدأ عيد الغدير وصلة المسلمين به      •      الإيمان بالله في ضوء المذهب التجريبي      •      مسائل وردود: حكم زراعة الورد على قبور الأموات      •      هل يصح استعمال معجون الأسنان أثناء الصيام؟      •      في من ظهرت لديه علامة بلوغ واحدة فقط      •      ما الدليل على حرمان الزوجة من الأرض التي خلفها الزوج ؟      •      السجود على التربة من الجهة المنقوشة      •     
» مقالات اجتماعية
» تحرر المرأة
» الكاتب: الشيخ جعفر السعيد - قراءات [11522] - نشر في: 2010-03-24


بسم الله الرحمن الرحیم

وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

هذا المقال مقال عام، قد جعلته بشكل سهل مبسط جدا، وبعبارة رقيقة وواضحة البيان، حتى أخاطب به عموم المجتمع، من عامي ومثقف، رجل وامرأة.

التحرر مصطلح يشير إلى النظرة الحديثة للمجتمع والتي قد يُنظَر إليها بأنها تهديد للقيم الاجتماعية - لا سيّما قيم التماسك الاجتماعي - و بات هذا المصطلح يتعايش معنا في كل المجتمعات باختلاف وتنوع الأزمنة، ليس على صعيدٍ واحدٍ فقط، بل على أغلب الأصعدة تقريبًا، ومن المهم أن نقوم بالبحث عنه – إجمالا - على صعيدين اجتماعيين مهمين، أولاً: عموم سلوك المرأة في المجتمع. وثانيًا: خصوص تأثير عمل المرأة على المجتمع.

عموم سلوك المرأة في المجتمع

على هذا الصعيد نجد أن التحرر الذي تهدف إليه بعض النساء، ليس التطلّع إلى الأفضل، أو التطلّع إلى التحرر الإيجابي - كالتطلّع إلى تعميق القيَم الإنسانية والتطلّع إلى نيل العلوم المعرفية بشتى أنواعها المختلفة التي تعود عليها بالنفع - بل التحرر السلبي؛ أعني التحرر والانحدار إلى الأسوأ، فمن أبرز نزعات التحرر المقصود تركُ الحجاب، وما نشهده هذه الأيام من ظاهرة اللبس الضاغط على البدن، والعباءة المخصّرة، والملوّنة الشاذة. وغيرها من الأمور التي يُعتقد بأنها داخلة تحت مفهوم التحرر.

وفي اليد الأخرى التحرر السلوكي؛ إذ نجد سلوكياتٍ خاطئة تحصل في المجتمع، فعلى سبيل المثال: خروج المرأة من المنزل دون علم الزواج أو الأهل، مع علمهنَّ "بأنَّ مَن خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِه زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَ مَلَائِكَةُ الْأَرْضِ وَمَلَائِكَةُ الْغَضَبِ وَ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهَا"(1)، وغيرها من السلوكيات التي لا ينبغي أن تصدر من مجتمع إسلامي متديّن متمسكٍ بمنهج أهل البيت (عليهم السلام).

فهذه السلوكيات والاتجاهات تؤدي إلى بالمجتمع إلى الانحراف شيئًا فشيئًا، ويتجلى دور بارز في ذلك يرجع إلى المرأة في المجتمع، ومدى التربية الصحيحة التي حصلت عليها، إذ لو كانت سلوك وتوجّهات المربّي نابعة من منابع خاطئة، فماذا ترتجي من الشخص الذي يتربى على يد ذلك المربي؟ ونتيجة هذه التربية بعد فترة من الزمن؟ بالطبع تربية سالبة، نتيجتها توجهات مفسدة دخيلة على المجتمع.

خصوص تأثير عمل المرأة على المجتمع

الجانب الأخر هو تأثير عمل المرأة على المجتمع، إذ أصبح اليوم التنافس واضحًا بين المرأة والرجل في ميادين الأعمال، ولا يخص هذا الأمر مجتمعنا فقط، بل هكذا مجتمعات العالم بأجمعه! بل الآن المرأة – عالميًا- تنافس الرجل في جميع مجالات الأعمال والوظائف؛ فهناك من أصبحت وزيرة، وهناك من أصبحت أفضل قائد لطائرة ضخمة تسبح في الفضاء، وهناك أفضل مهندسة في حدود منطقة جغرافية معينة، وهناك وهناك... إذن أصبحت المرأة تهدف إلى الوصول لأعلى ما يمكن وما يكون، وليس هذا أمر سلبي، بل نجد في التأريخ الإسلامي من السيدات من بلغنَ مراتب عالية في مجال الأعمال، كالخياطة، والطبابة، والتجارة، وغيرها. فها هي السيدة خديجة الكبرى (عليه السلام) كانت رائدة عالم تجارة زمنها في قريش، وقد خَرَجَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إِلَى الشَّامِ فِي تِجَارَةٍ لها وَلَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ‏ سَنَةً(2)!

صحيحٌ أنّ هذا شيء رائع! مالم يخالف الشريعة الإسلامية. ولكن في نفس الوقت لا ينبغي على المرأة أن تُهمل الجانب الأسري وتتجه إلى الميدان العملي، فالمرأة خُلقت طبيعتها لأن تكون أمًّا، وأن يكون لها مكانًا تعتبره كالمملكة بالنسبة لها، فكم من النساء وصلنَ إلى مستويات رفيعة في مجال الأعمال - بغض النظر عن نوع العمل - وأصبحنَ من أفضل مَن تشغل الوظيفة الكذائية، ولكن بعدها؛ يتولد عندها تضارب في قيمِها، فتصاب بالندم!

تضارب القيم

الإنسان له قيَم في ذاته - سواء الرجل أو المرأة - وعندما يكون هناك تضارب في قيمتين معيّنتين مثلا، يفقد إحدى هاتين القيمتين أحيانًا، ويعود مجبورًا باختيار القيمة الأخرى، هذا ما يسمى في علم النفس والسلوك بتضارب القيم Value Conflict، ولتوضيح ذلك أكثر نأخذ مثالاً بسيطًا: قد يقوم أحد الأفراد بالإساءة إليك، حينها تتولد لديك رغبةَ الانتقام واستعادة الاحترام لذاتك، ولكن في الجانب الآخر تتولد لديك قيمة العفو والصفح، فيصبح لديك تضارب بين قيمتين، قيمة استعادة احترام ذاتك، وقيمة العفو والصفح. قد تختار الانتقام فتنتقم منه بأية طريقة كانت، وقد تختار - وهو الأفضل - العفوَ والصفح وتغفر له، وهذه القيمة - في الحقيقة - تجعلك تكسب الطرف الآخر، بحيث تكون نتائج ذلك الفعل إيجابية، ويعود عليك بالاحترام والإحسان إليك في أغلب الأحوال. فأنت ربما تغفر له ليس لكونه هو فلان، وإنما تختار الأحب إلى الله، فتغفر له حبًا في الله في أن يكون العبد متسامحًا متحليًا بالأخلاق، فإن "الْخُلُقَ الْحَسَن يَمِيثُ الْخَطِيئَةَ كَمَا تَمِيثُ الشَّمْسُ الْجَلِيدَ"(3)، فبناءً على محبتك لله، تقوم بعمل ما يحبه منك!

وعلى صعيد عمل المرأة، فإن لدى المرأة في مجال الأعمال والتربية قيمتين، هما: قيمة العمل Career Value وقيمة العائلة والأمومة Family Value. عندما تكون المرأة قد وصلت إلى أعلى مستويات الوظيفة، وحققت ما كانت تطمح إليه، وتستمر في ذلك مدة، فإنها بعد ذلك قد تتضارب لديها هاتين القيمتين، فتفقد إحداهما، فتقوم بتقديم استقلاتها - مثلا - من هذا المنصب الذي يعتبر هو من أهم المناصب التي يتمنى الفرد أن يشغله ويصل إليه، وتعود إلى قيمة العائلة والأمومة، وتعود ربّة بيتها، وتقوم بتربية الأبناء. وإن لم تفقد أيّ من هاتين القيمتين فقد تكون في غير راحة، متألمةً على ما صارت إليه، فمثلا إن لم تتزوج في سن الزواج الممكن، فلإنها لا تتمكن من اختيار قيمة العائلة والأمومة فيما لو وصلت إلى سن كبير لا يمكّنها من الزواج! فتصاب بالندم! وكم نشهد هذه الحالات في مجتمعاتنا!

من الواضح جدًا تحقق تلك الآثار المهمة فيما لو توجهت الأم توجها خاصًا إلى تربية الأولاد، فمما ينقل: إنّ الشيخ جعفر الشوشتري (رحمه الله) بلغ مراتب ساميةً من العلم والعمل، فكان عجيب النفوذ إلى قلوب الناس عندما يخطب في وعظهم.

- فسئلت أمه ذات يوم: هل أنت مسرورةً بهذا الإبن؟

- قالت: لا.

- فقيل لها: لماذا؟

- قالت: إنني لم أرضعه ولم أضمه إلى صدري إلا وأنا على وضوء، فكنتُ أتأمّل أن يكون شبيه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) إلا أنه أصبح جعفر الشوشتري(4)!

لا نقول أنه يجب على المرأة ترك العمل، ولكن ينبغي على المرأة عدم ترك الجانب الاجتماعي والتربوي، بأن تجعل أولويات أعمالها هو العمل التربوي والاجتماعي، بحيث لو بقيت في عملها فإنها تبقى محافظة على زوجها وبيتها وأولادها، ولو فقدت العمل لا تتأثر علاقاتها الاجتماعية والعائلية سلبًا. هذا التحرر الذي يُنادى به ماهو إلا غزو ثقافي فكري للمجتمعات، يهدف إلى تحويلها من القيم الإسلامية الصحيحة إلى القيم الغربية التي تشوبها فوادح الأخطاء التي أثبتتها الدراسات خلال الفترات السابقة، بل تؤدي إلى أمراض نفسية كبيرة وخطيرة في نفس الوقت.

ونحن لا نرفض بعض قيم المجتمع الغربي إلا بعد أن وجدنا أن تطبيقها في المجتمع يولّد عندنا كوارث تودي بقيم المجتمع وانسلاخ هويته، وإن شئت معرفة ذلك فانظر إلى التدني الأخلاقي والقيمي في مجتمعاتهم. ونحن إذ نتمسك بقيم المجتمع الإسلامي لأننا نجد أن تطبيقها – بغض النظر عن كوننا نتعبّد بالإسلام – تؤدي إلى الرخاء والأمن والتكاتف والسمو الاجتماعي!

فالحقيقة أن عمل المرأة اليوم عليه بعض المآخذ، فتوجد به بعض إيجابياتٍ، وتوجد به السلبيات الكثيرة، وما نعيشه اليوم من النداء بتحرر المرأة - كما يقوله البعض - هو غزو للمجتمع سلوكيًا وفكريًا وأخلاقيًا وحتى عقائديا، وذلك لارتباط كل حقل بالحقل بالآخر.

فيجب علينا أن نكون على يقظة من أمرنا في جميع الأمور، وأن نتمسك بتعاليم ديننا، لما يحمِله من قيم ترفع الإنسان وذاته إلى المستويات التي يريدها الله سبحانه وتعالى.

وصل اللهم على محمد وآله الطيبين الطاهرين.




الهوامش:

(1) بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ج‏100، 248 باب 4 أحوال الرجال والنساء ومعاشرة بعضهم مع بعض وفضل بعضهم على بعض وحقوق بعضهم على بعض، ص: 240.
(2) بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، ج‏16، 6 باب 5 تزوجه ص بخديجة رضي الله عنها و فضائلها وبعض أحوالها، ص: 1.
(3) أصول الكافي 2: 100.
(4) الأسرة ونظامها في الإسلام، حسين أنصاريان، ص365.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
3224125

الخميس
18-يوليو-2019

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع