مقالات: ملامح عصر الإمام العسكري (ع) - الاقتصاد      •      العَبَثُ بالتراث‏ بين عمالة العلمنة و نفاق الأسلمة      •      المهدوية في موقعها الطبيعي والطليعي      •      الصلاة مدرسة الأخلاق الفاضلة      •      ما الهدف من قيام المجالس الحسينية      •      مسائل وردود: ماذا أعمل لكي أتوب عن جريمة الزنا؟      •      ما هي الامور التي هي من المنكر ؟      •      في تسبيحة الجبر      •      الإحرام بالنذر وصحة صيغته      •      ما هي (العارية)      •     
» مقالات عقائدية
» الدلالة الاجتماعية لدلالة الألفاظ للقرآن الكريم (1)
» الكاتب: الدكتور محمد حسين علي الصغير - قراءات [10594] - نشر في: 2009-03-15


تتوافر دلالة الألفاظ الاجتماعية في استعمالها اللغوي في عدة مجالات من المثل القرآني، ومرجع هذه الدلالة هو التبادر العام في العرف العربي بما يعطي للكلمة من دلالة خاصة بها، ومراعات هذا العرف ذو أثر مهم في الدلالة المعينة للكلمة ولهذا اعتبر الخطابي (ت 383 ـ 388 هـ) أن الكلام إنما يقوم بأشياء ثلاثة «لفظ حاصل، ومعنى به قائم، ورباط لهما ناظم. وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئًا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه»(1).

وقد جرى المثل القرآني وهو جزء من القرآن على هذا المجرى فأعطاه أهميته في تخير ألفاظه للدلالة على المعنى المراد، وسنختار بعض المفردات منه منفردة بنفسها، أو مضمومة لغيرها، من أجل تحقيق الفكرة بأصولها.

أولاً: الكلمة «صفوان» من قوله تعالى: (كمثل صفوان عليه تراب ...)(2).

وتعطي صورة الحجر المتكلس الذي يجتمع من ذرات غير قابلة للانفصال يتماسك ويتوافر بعد أن يخالطه التراب المهيل من هنا وهناك، فبعبارة تقاطر المطر وتدافع السيول، بدلاً من أن يهش ويلين ويتفتت وإذا به يعود كتلة حجرية واحدة، صلباً لا ينفذ، ومتحجراً لا ينفذ، فإذا طالعتنا اللغة بأنه: «الحجر الأملس»(3) اتضح مدلول الكلمة في عمقها عدم ثبات شيء عليها.

ثانيًا: والكلمة «وابل» من الآية نفسها (فأصابه وابل...)(4) تدل لغويًا على الغيث المنهمر، والمطر المتدافع، وتلمح مجازاً إلى الجود المتناهي في العطاء فهل يا ترى أن سيؤدي معناها بضم هذه الصفات جميعا لغظ سواها، قد يؤدي معناها بعدة كلمات وإذا تم هذا فهو يعني الخروج عن الإيجاز المتوافر في وابل إلى الأطناب الذي لا مسوغ له في عدة ألفاظ أخر.

ثالثًا: والكلمة «لا يقدرون». بضمها إلى «ما كسبوا» في قوله تعالى: (لا يقدرون على شيء مما كسبوا)(4) فيها من الدلالة على ما يلي:

تصوير لحالة الحرمان، وإيذان بحلول الفقر، فلا المال المجموع بنافع، ولا الآمال الموهومة بمتحققة، يأس وادقاع مادي من تلك الأموال، وفقر معنوي من تلك الآمال سواء في الجزاء أو في الثواب الذين توهموا حصولهما، وعي متواصل يصلب القدرة والكسب معاً، وهذا إنما يتأتى فهمه بحسب العرف العام في تبادره لفهم معاني الألفاظ عند إطلاقها.

رابعًا: والكلمة «مشكاة» في قوله تعالى: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح...)(5) ذات دلالة اجتماعية خاصة، وإن تداولتها عدة لغات، واتفقت استعمالاً بين لسانين عند جيلين من البشر، لأن المشكاة عند العرب: «الكوة التي لا منفذ لها. وقيل هي في لسان الحبشة: الكوة».

قيل: كيف جاز أن تخاطب العرب بذلك مع قوله تبارك وتعالى: (عربي مبين) فالجواب: أنه جائز اتفاق الاسم الواحد في لغتين لا ينكر مثل ذلك فيما يقع من الوفاق بين أهل اللسانين.

ويجوز أن تكون المشكاة من جملة ما أعربته العرب من اللغات فغيرته ونطقت به فصار كلغتها(6). والحق أن العربية قد أعطت هذه الكلمة غرضًا لغويًا خاصًا بها(7).

خامسًا: والكلمة «الضمآن» في قوله تعالى: (يحسبه الظمان ماء...)(8) ذات دلالة لغوية خاصة بها، لا تمثلها كلمة الرائي مثلاً، ولو استعملها المثل لأصاب المعنى في جزء منه، ولكنها لا تقع موقع الظمآن، فلو قال: يحسب الرائي ماء لم يقع موقع قوله «الظمآن» لأن الظمان أشد فاقة إليه، وأعظم حرصًا عليه(9).

سادسًا: والكلمة «لجي» في قوله تعالى: (أو كظلمات في بحر لجي...)(10) تشعرك مركزيًا يتدافع الأمواج، لذا وجدنا أن الكوة لا تعطي دقائق معنى المشكاة بما فيها من بهاء وجمال، وتبادر ذهني عام إلى المدلول منها في كل الوجوه المحتملة.

وتتابع الأمداد فأنت أمام فيض من السيول، وكثافة من الأزباد، ومهما أجال اللغوي فكره في معجمه فإنه لن يصل إلى كلمة تسد مسدها في الدلالة على صورة المعاني النابعة منها.

وفي هذا الضوء فإنني أميل إلى ما ذهب إليه زميلنا الدكتور العزاوي بقوله «إن في استقرار اللغة، وثبات صيغتها، قيمة عظمى، ونفعًا محمودًا، وذلك في أكثر من وجه. فبعض الصيغ الموروثة، والتراكيب المتداولة، تؤدي المراد منها بدقة لأنها اكتسبت دلالة خاصة تعارف عليها الناس وأصبح من العسير أن تقوم مقامها أو تؤدي مؤداها عبارات أخرى قد يبتدعها أهل اللغة، ويحلونها محل تلك العبارات(11).

والدليل على صحة هذه الدعوى ما لمسناه من استعمال المثل القرآني للألفاظ المتقدمة: صفوان، وابل، مشكاة، الظمان، لجي.

سابعًا: وفي «لم يكد يراها» من قوله تعالى: (إذا أخرج يده لم يكد يراها)(12) دلالة لغوية على إرادة عدم الرؤية الحقيقية ونفيها إطلاقًا، بما أثبته النقاد اللغويون، تخطئة لابن شبرمة وتصحيحًا لقول ذي الرمة، حين بلغ هذا البيت (13):

إذا غير النأي المحبين لم يكد  *  رسيس الهوى من حب مية يبرح

فقال له ابن شبرمة، يا ذا الرمة أراه قد برح، ففكر ساعة ثم قال:

إذا غير الناي المحبين لم أجد  *   رسيس الهوى من حب مية برح



(1) الخطابي، بيان إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن: 24.

(2) البقرة: آية 264.

(3) الطريحي: مجمع البحرين 2/246.

(4) البفرة: آية 246.

(5) النور: آية 35.

(6) ابن ناقيا، الجمان في تشبيهات القرآن، 166.

(7) ظ: تفصيل القول معاني المشكاة، الطبري جامع البيان: 18|137 ـ 140، ط الحلبي.

(8) النور: آية 39.

(9) العسكري، الصناعتين: 246.

(10) النور: آية 40.

(11) نعمة رحيم العزاوي، النقد اللغوي عند العرب: 321.

(12) النور: آية 40.

(13) ذو الرمة، ديوان شعر ذي الرمة: 90.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2747667

الاثنين
19-نوفمبر-2018

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع