مقالات: المرأة: من الهامشية إلى الفاعلية      •      الحجاب الشرعي ... أنواعه و حدوده      •      في إثبات صانع العالم وبيان صفاته      •      مواجهة الإمام الصادق (عليه السلام) للأفكار المنحرفة      •      إختصاص علم التأويل الكامل بأهل البيت (عليهم السلام)      •      مسائل وردود: مجالسة تارك الصلاة      •      في دفع الرشوة للحصول على وظيفة      •      وجوب القنوت      •      هل يجوز للمرأة أن تعبث بنفسها عند الشهوة؟      •      هل يجوز القرض الربوي .... ؟      •     
» مقالات عقائدية
» ظلم النفس بظلم أهل البيت عليهم السلام
» الكاتب: الشيخ جعفر السعيد البحراني - قراءات [9989] - نشر في: 2014-03-16


بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين..

قال الله الحكيم في كتابه الكريم: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(1) .

تتحدث هذه الآية المباركة عن قضية نبي الله عيسى سلام الله عليه عندما خرج من سيناء مصر إلى الصحراء، فقد ورد في بيان القضية أن بني إسرائيل لما عبر موسى بهم البحر نزلوا مفازة – والمفازة هي الأرض المقفرة الصحراء – فقالوا: يا موسى أهلكتنا وقتلتنا وأخرجتنا من العمران إلى المفازة لا ظل ولا شجر ولا ماء، فكانت تجيء بالنهار غمامة تظلهم من الشمس وينزل عليهم بالليل المن فيقع على النبات والشجر والحجر، فيأكلونه وبالعشي يأتيهم طائر مشوي يقع على مائدتهم، فإذا أكلوا وشربوا طار ومرّ. وكان مع موسى حجر يضعه وسط العسكر ثم يضربه بعصاه فتنفجر اثنتا عشرة عينا كما حكى الله، فيذهب إلى كل سبط في رحله، وكانوا اثنا عشر سبطًا(2)، لذلك أشار الله عز وجل في صدر الآية لذلك، فقال عز وجل: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(3)، هذا مفاد القضية التي حصلت بين موسى وقومه.

ولكن عندما نسلط الضوء على هذه الآية المباركة، تخطر في أذهاننا أسئلة ثلاثة مهمة لابد لنا وأن نبحث عنها، وهي أن:

1.     هذه الآية تكررت في القرآن الكريم مرتين، فمرة في سورة البقرة وأخرى في سورة الأعراف، فهل يختلف معناها في كل موضع؟ وبعبارة أخرى هل هناك اختلاف حقيقي بينهما -أي بين هاتين الآيتين- أم لفظي فقط؟

2.     هل يمكن أن يُظلمَ اللهُ سبحانه وتعالى؟ إذ يقول في الآية: ﴿وَمَا ظَلَمُوْنَا.

3.     هل للآية ربط بظلم أهل البيت عليهم السلام أم لا؟

 

التكرار اللفظي في القرآن الكريم

إن الآيات المباركة تكررت مرتين في سورة البقرة وفي سورة الأعراف، وبنفس القضية، وآخر كلمات الآية هنا أيضًا تكررت بمثل الكلمات هناك، فقال الله عز وجل: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(4) فهل هذا التكرار يعني لنا معنىً آخرًا مغايرًا عن المعنى الأولي في آية سورة البقرة؟ أم أنهما لا يختلفان؟

قال الباحثون في علوم القرآن إن إحكام القرآن وتفصيله هو العلم الذي يضمن لنا أننا كلما احتجنا إلى أي مفردة قرآنية وجدناها بأي موضع من مواضعها، كالحرف الواحد في الكلمة - يعني: المكرر في كلمة واحدة – التي تجمع حروفها جميعا في جملتها، فإذًا كل حرف بموضعه الخاص به تفصلا |يعني كل حرف غير الآخر لا أنه مكرر| وإذا الحروف جميعا تامة الارتباط بها كلها إجمالا"(5). ويقول الغزالي في إحياءه: "يقول بعض العارفين:أن القرآن يحوي سبعمائة وسبعين ألف علم ومائتي علم (770,200) إذ كل كلمة علم"(6).

مما يعني لنا أن التكرار لفظي فقط، ولكن المقصود يختلف في كل موضع، ولأن التكرار اللفظي موجود في القرآن الكريم لا التكرار الحقيقي، فتكرار هذه الآية في سورة البقرة وسورة الأعراف ليس تكرارًا حقيقيًا، فهو ليس تكرارًا إلا للفظ، و له في كل سورة معنى إبداعي معجز، فإذا تكررت لفظة في القرآن مرتين، فاللفظ واحد، لكن المعنى والمقصود اثنان، ولو كررت خمس مرات، فاللفظ واحد والمقصود خمسة مقاصد وهكذا..

ويسمون ذلك بعلم الإحكام والتفصيل، وهذا واضح في سورة الرحمن عند تكرار ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَاْنِ(7) فقد تكررت أكثر من عشرين مرة، وفي تكرار ﴿كَلا سَيَعْلَمُوْنَ، ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُوْنَ(8)، ومثال آخر في قوله تعالى في سورة الفاتحة ﴿عَلَيْهِم في موضعين في هذه الآية: ﴿صِرَاطَ الّذِيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم غَيْرِ الْمَغْضُوْبِ عَلَيْهِم وَلا الْضَّاْلِّيْن(9) فلا تكرار حقيقي في هذا اللفظ، لأن المراد من بالأول الارتباط بمعنى الإنعام، أما المراد بالثاني فهو الارتباط بمعنى الغضب، وإنما هو تكرار لفظي.

فالتكرار هنا ليس بمعنى الحقيقة، وإنما بمعنى اللفظ الذي يقع بمعنى آخر.

 

الظلم لا يمكن أن يعرض على الله عز وجل

إن الآيات المباركة الموجودة في القرآن الكريم كلها على لسان الله عز وجل، ولذلك عندما يُطلق لفظ في أي آية من آيات القرآن يعود مصدر هذا اللفظ إلى الله عز وجل، ومما يُستغرب منه ويلفت الأنظار عندما يقول الله عز وجل في آية من الآيات ﴿وَمَا ظَلَمُوْنَا فهل يمكن أن يُظلّم الله عز وجل من قبل الغير؟

بالطبع لا يمكن، ونحن متى ما واجهتنا ألفاظ أو معانٍ ومقاصد في آيات القرآن الكريم ونكون في حيرة من معرفتها نلجأ إلى كتب التفسير التي تعتمد على القرآن الناطق، وهم أهل البيت سلام الله تعالى عليهم أجمعين.

فقد ذكر صاحب البرهان السيد هاشم البحراني قدس الله نفسه الزكية رواية في المضمون وقد اعتمد عليها غيره من المفسرين كصاحب الميزان وغيره، وهي: عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون قال: إن الله أعظم وأعز وأجل وأمنع من أن يظلم، ولكنه خلطنا بنفسه فجعل ظلمه ظلمنا وولايتنا ولايته، حيث يقول: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا يعني الأئمة منا، ثم قال في موضع آخر: ﴿وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون(10).

وهذا واضح، فغير ممكن أن ننسب المظلومية لله عز وجل مباشرة، وذلك لأنه منزه عن ذلك، وعظيم بذاته، وعزيز بذاته، وجليل بذاته، ومتى ما هو كذلك فلا يمكن أن ننسب شيء يضر بذات الله عز وجل إليه، والحال تماما كما ننفي الولد والشريك عنه عز وجل، وهو من قبيل السلب بانتفاء الموضوع كما يعبر أهل المنطق، ولأن الثبوت محال عقلا فهو أشبه بقولك عن الأعزب أنه لا ولد له، وغيرها من الأمثلة الكثيرة.

هذا الجواب نقضي، أما الجواب الحلّي فهو ما سيأتي في الرد على التساؤل الثالث.

 

ظلم أهل البيت عليهم السلام يعني سخط الله عز وجل

مما تقدم تتضح لنا ثوابت، وهي أن الله عز وجل محال عليه أن يتعرض للظلم من أي أحد أو أي شيء كان، فإذن ما هو مراده جل شأنه من ﴿وما ظلمونا؟

إن المراد والمتعلق بذلك هم أهم البيت سلام الله تعالى عليهم أجمعين، وهذا واضح من بيان أهل البيت أنفسهم لمراد الآيات، فالرواية التي ذكرناها عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون قال: إن الله أعظم وأعز وأجل وأمنع من أن يظلم، ولكنه خلطنا بنفسه فجعل ظلمه ظلمنا وولايتنا ولايته، حيث يقول: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا يعني الأئمة منا، ثم قال في موضع آخر: ﴿وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون(11).

فعد الله سبحانه وتعالى ظلم أهل البيت عليهم السلام هو ظلمه وعدم الاعتراف بهم وبأقوالهم هو عدم الاعتراف به عز وجل وعدم الاعتراف والتصديق بأقوله، لأنهم سلام الله عليهم عرفوا الله حق معرفته ولا يعرف الله حق معرفته أحد سواهم، من هنا يبين الله عز وجل أن من ظلمهم فكأنما ظلم الله عز وجل، وهذا ما أشارت له الرواية المباركة في قول المعصوم سلام الله عليه "ولكنه خلطنا بنفسه فجعل ظلمه ظلمنا وولايتنا ولايته، حيث يقول: ﴿إِنّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُوْلُهُ وَالّذِيْنَ آمَنُوْا يعني الأئمة منا، ثم قال في موضع آخر: ﴿وَمَا ظَلَمُوْنَا وَلَكِنْ كَانُوْا أَنْفُسَهُم يَظْلِمُوْنَ"(12).

وفي رواية أخرى عن الإمام الكاظم سلام الله عليه في قوله تعالى: ﴿وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون قال: إن الله أعز وأمنع من أن يظلم أو ينسب نفسه إلى الظلم، ولكن خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته، ثم أنزل الله بذلك قرآنا على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون قلت: هذا تنزل؟ قال: نعم"(13).

فعبر في آية من الآيات بـ ﴿وما ظلمناهم وآيات أخرى والتي نحن بصددها ﴿وما ظلمونا وبالنتيجة الحاصلة بأن ظلم أهل البيت سلام الله عليهم هو التعرض لسخط الله سبحانه وتعالى، وهذا ما يشير الله له في الآيات: ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

 

 

_______________________
المصادر:
(1) البقرة: 57.
(2) البرهان في تفسير القرآن، السيد هاشم البحراني، ج1، ص225، 7.
(3) البقرة: 57.
(4) الأعراف: 160.
(5) القرآن القول الفصل / 55.
(6) إحياء علوم الدين، ج1، ص523.
(7) سورة الرحمن.
(8) النبأ: 4، 5.
(9) الفاتحة: 7.
(10) البرهان في تفسير القرآن، السيد هاشم البحراني، ج1، ص225، 5.
(11) نفس المصدر السابق.

(12) البرهان في تفسير القرآن، السيد هاشم البحراني، ج1، ص225، 6.

(13) نفس المصدر السابق.

<
التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2267804

الأربعاء
22-نوفمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع