مقالات: لا نبالي، أوقعنا على الموت أم وقع علينا!      •      حياة الإمام علي الهادي (عليه السلام) العامرة بعظمة الإسلام      •      لماذا إثنا عشر إماماً فقط؟!      •      ملامح عصر الإمام العسكري (ع) - الاقتصاد      •      كلمة الجمعة: الركائز التي ارتكزت عليها ثورة الإمام الحسين (ع)      •      مسائل وردود: الصلاة بدون الأذان والإقامة      •      في من أخذ التربة أثناء الصلاة      •      لماذا يؤخر الله العقاب عن العباد ؟      •      كيف أُصلي صلاة الليل؟      •      مشاهدة المسلسلات والأفلام الملهية      •     
» مقالات عقائدية
» كلمة الجمعة: الركائز التي ارتكزت عليها ثورة الإمام الحسين (ع)
» الكاتب: الحوزة - قراءات [9962] - نشر في: 2009-03-08


خطبة الجمعة الثانية من سنة 2009م

بتاريخ 9 يناير 2009م الموافق 12 محرم الحرام 1430هـ

لإمام وخطيب مسجد الإمام علي (ع) بالمعامير

سماحة الشيخ محمد جعفر السعيد


 

أعوذ بالله من الفقر ومن الشيطان الغوي الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

 

والحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون وهو على كل شيئ قدير، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، سيدنا ونبينا، وحبيب قلوبنا، وشفيع ذنوبنا، وطبيب نفوسنا، وحبيب إلها إله العالمين، المحمود الأحمد، المصطفى الأمجد، أبي القاسم محمد بن عبد الله (ص).

 

اللهم صلِّ وسلم عليه وعلى علي أخيه أمير المؤمنين، وعلى فاطمة الزهراء سيدتنا وسيدة نساء العالمين، وعلى الحسن والحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى الباقر، وعلى الصادق، وعلى الكاظم، وعلى الرضا، وعلى الجواد، وعلى الهادي، وعلى العسكري، وعلى صاحب العصر والزمان أرواحنا لتراب مقدمه الفداء (عج).

 

اللهم صل وسلم وزد وبارك وتحنن عليهم كما كما صليت وتحننت ومننت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وإنك على كل شيء قدير.

 

اللهم والعن أعداء محمد وآل محمد من الأولين والآخرين إلى قيام يوم الدين.

 

أما بعد أيها المؤمنون،،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعظّم الله أجورنا وأجوركم، بمصيبة إمامنا الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).

 

ما زالت جريمة كربلاء من أبشع الجرائم التي ارتُكبت في حق الإنسانية، وذلك لأن هذه الجريمة ما حدّث التاريخ عن أبشع منها، وما عُرفت جريمة على مر التاريخ منذ أن أُنزل أبونا آدم وإلى يومنا هذا، عن جريمة بشعة في حق الإنسانية كما حصل في كربلاء.

 

ضحّى الإمام الحسين سلام الله عليه في كربلاء بكل ما لديه من إمكانيات، وأعطى كل ما لديه من تضحيات، واستطاع عليه السلام أن يحافظ على دين جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه المعطيات.

 

التضحيات الكبيرة التي ضحى بها الإمام الحسين (عليه السلام)، والدماء الطاهرة الزكية التي سالت على أرض كربلاء، كانت سببًا لشجرة كبيرة مثمرة تتكرّر ثمارها كل حين، وتزداد ثمارها في كل عام بذكرى واقعة الطف الأليمة.

 

لو لا الحسين (عليه السلام) ما رأيت موحدًا، ولو لا الحسين (عليه السلام) ما رأيت مسلمًا، ولو لا الحسين (عليه السلام) ما سمعت بذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته عليهم السلام، إذًا ثمار هذه الشجرة واضحة، وهي في متناول الأيدي في كل زمان وفي كل مكان، ومن هنا نقول: "كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء".

 

 ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ارتكزت على ثلاثة من الدعائم، واستطاعت من خلال هذه الدعائم ومن خلال هذه الأسس الرصينة، أن تحقق الأغراض المرجوة التي رجاها الإمام الحسين (ع)، وهذه الدعائم تتمثل في التالي:

 

الدعامة الأولى:

هي القاعدة الرصينة التي قامت عليها الثورة، وهذه القاعدة الرصينة تتمثل وتتشخص في صلح الإمام الحسن (ع) مع ابن آكلة الأكباد معاوية ابن أبي سفيان، حيث أن الإمام الحسن (ع) هو أول من أسَّس لثورة كربلاء، وهو أول من أرسى قواعد هذه الثورة العظيمة المقدسة التي اهتدى الناس من خلالها.

 

الدعامة الثانية:

مجيئ دور الإمام الحسين لإقامة الحسين، ولتشييد هذه الثورة في كربلاء، وإذا به يخرج مسلّطًا سيفه لنحر الظلم، ولإقامة الاعوجاج، قائلا: "وإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير في سيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب".

 

فيخرج الإمام (ع) إلى أرض الموعد، إلى الأرض التي جعلها الله سبحانه وتعالى مقدسة بالحسين وآله (عليهم السلام)، إلى الأرض التي توقف فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد رجوعه من صفين، حيث توقف في أرض كربلاء، و بكى (عليه السلام) وسالت عبراته، وقال: "ههنا محط ركابهم، ههنا تسفك دمائهم..."، فقالوا: "يا أمير المؤمنين، ومن هؤلاء؟" فقال: "ولدي الحسين ومن معه يقتلون في هذه الأرض وهذه الأرض تسمى كربلاء".

 

فيخرج الإمام (عليه السلام) إلى الأرض التي وعد بها من السماء، والتي شاء الله أن يراه قتيلا عليها، شاء الله أن يرى هذه الأجساد الطاهرة على ترابها، ويقتل (عليه السلام) ومن معه وهو عطشان ولا يروى، بل هو من يروي أرض كربلاء بدمه وبدماء من بقى معه من أهل بيته وأصحابه.

 

نعم؛ بخلت أرض كربلاء عن سقيهم الماء، وعن إروائهم، فكان الحسين (عليه السلام) أكرم منها حيث رواها بدمه الزاكي الطاهر.

 

الإمام الحسين (عليه السلام) عندما ضحى بكل ما يملك إنما لله، وأعطى لله سبحانه وتعالى، و قدّم وضحى لله سبحانه وتعالى، فمن هنا نجح وانتصر الإمام (عليه السلام)، وانهزم بنو أمية، وأطيحت دولتهم، ببركة الحسين وآل الحسين (عليهم السلام).

 

أما الدعامة الثالثة:

التي ارتكزت عليها ثورة كربلاء، فهي الجهاد الزينبي، وهو لا يقل شأنًا عن تضحيات الإمام الحسين (عليه السلام)، وذلك لو لا أنَّ زينب وأخوات زينب خرجنَ مع الحسين ورأينَ ما رأينَ من المصائب والأهوال، لذهبت ثورة الحسين في أدراج الرياح، لأن الثورة تحتاج إلى إعلام، ولمن يخبر عن ما جرى فيها من آلام، فزينب (عليها السلام) قامت بالدور الإعلامي والجهادي والدور الذي لو لاها لخلت الأرض من حجة الله عزَّ وجل.

 

هذه زينب المؤمنة بصبرها، والتي تتدكدَك الجبال الرواسي بصبرها، والتي سلمت ورضت لله سبحانه وتعالى عن ما حصل لها من امتحان، هذه المرأة التي رأت شمرًا جاثمًا على صدر الحسين (عليه السلام)، هذه المرأة التي رأت رأس أخيها الحسين وهو يتلو القرآن على ذروة الرمح، هذه المرأة التي رأت أخاها أبي الفضل العباس (عليه السلام) بحانب المسناة، وقد فضخ رأسه وقطعت يداه، هذه المرأة التي رأت عليًّا الأكبر مقطع الأشلاء، والتي رأت عريس كربلاء مقطع ومحنى بدلا من الحنّاء بدمه الطاهر، والتي رأت عبد الله الرضيع وقد شكه سهم حرملة بن كاهل، والتي رأت أصحاب الحسين واحدًا تلو الآخر وهم يتساقطون على بوغاء كربلاء، والتي ألقت بنفسها على ابن أخيها زين العابدين عندما حاول شمر قتله، وقالت: "يا شمر حسبكم ما سفكتم من دمائنا" فدخل ابن سعد، وقال ما عندكم. فقالت: "يا ابن سعد، حسبكم ما سفكتم من دمائنا! إن شمرًا يريد أن يقتل هذا المريض العليل، لم يبقى معنا إلا هو، إن عزمتم على قتله فاقتلوني معه". كلمات زينب أبكت هذا الخبيث اللعين، فقال: "ياشمر دعه لها وانصرف واخرج عن الخيمة". لما أراد أن يخرج سحب النطق من تحت الإمام (عليه السلام)، وقلب الإمام على وجهه في تراب كربلاء.

 

هذه المرأة التي قاست ما قاست من المحن، التي وضعت يدها تحت ذلك الجسد الطاهر، رافعة طرفها نحو السماء، قائلة: "اللهم تقبل منا ها القربان"، نعم، هذه زينب التي سهرت ليلة الحادي عشر باحثة عن النساء اللاتي فررنَ بعد هجوم الخيل والرجال عليهم، وبعد حرق المخيمات، هذه زينب التي خرجت في ليلة الحادي عشر تبحث عن الأطفال الذين فرّوا على وجوههنَّ بمختلف الأعمار، منهم من هو ابن خمس سنوات ومنهم من هو ابن أربع وست وسبع وهكذا..

 

المصادفات تصادف زينب، وإذا بها تراهم ماتوا على تلاع كربلاء، خوفًا ورعبًا وعطشًا وجوعًا، وبعضهم سحقوا بحوافر الخيول، كسرت الخيول جماجهم وسحقت أضلاعهم بوطئها على أجسادهم. أطفال خرجوا وهم يتباكون، ويصرخون، ولا مجيب ولا محام ولا مدافع والخيل تطؤ أجسادهم فيسقطون مسحوقين على تراب كربلاء. ترجعهم زينب أمواتًا إلى خيمة واحدة، تجمَّعن فيها النساء، تدخلهم زينب وكلما أحضرت طفلاً منهم زاد البكاء والنحيب وجدد المأتم بعد الماتم، هذه تنادي وا ولداه، وهذه تنادي وا أخاه، وهذه تنادي وا ابن أخاه وهكذا..

 

المصادفات تصادف زينب، إنها تسأل بعض الأطفال، فلم تجدهم في جملة من سحقوا بحوافر الخيول، فتبحث عنهم وإذا بالمصادفات تصادف زينب بأن بعضهم قد ابتعدوا بعيدًا عن مكان المعركة، لما أن حركتهم وإذا بهم قد ماتوا، ولما أن حاولت رفعهم، وإذا ببطونهم قد بقرت، ترجعهم للمخيمات مبقوري البطون.

 

تبحث عن ثلاثة من أولاد مسلم بن عقيل، وهل هم أبناؤها أم أنهم أبناء أم كلثوم، والظاهر انهم أبناء أختها أم كلثوم، أحدهم يسمى أحمد والثاني محمد والثالث إبراهيم. أما بالنسبة لمحمد وإبراهيم فقد قبضا عليهما في طريق الكوفة، وأخذا إلى عبيد الله ابن زياد وحدث ما حدث، حتى قتلا على جانب الشط، وأما أحمد فقد بقى وحضر إلى الكوفة في زمن المختار الثقفي وصار ما صار.

 

إذًا زينب (عليها السلام) قاست ما قاست، وجاء دورها الجهادي في كربلاء، وجاء دورها الريادي التي رست على  دور كثير من الأطفال، وإذا بها تثبت هذه الشجرة التي رواها الحسين من دمه، وترعرعت وأخذت ثمارها بالظهور.

 

هذه الامرأة التي قال بحقها الإمام زينب العابدين (عليه السلام): "عمة زينب؛ أنت بحمد الله عالمة غير معلمة، فاهمة غير مفهمة". والتي يقول عنها (عليه السلام): "رأيت عمتي زينب في الليلة الحادية عشر تصلي صلاة الليل من جلوس" هذه المرأة العظيمة التي هي مثال لكل صابرة محتسبة، لولاها ما عرف الحسين، لولاها ما عرف الله، لولاها ما عرف الإسلام.

 

إذًا ثورة كربلاء ابتدأت بجهاد حسنيٍّ، وقامت بحهاد حسينيٍّ، وبقت بجهاد زينبيّ. هذه زينب التي حافظت على من تبقى من عائلة الحسين (عليه السلام)، وصارت واسطة بين الإمامة المقتولة المذبوحة، وبين الإمام العليلة المريضة، حيث تحملت الإمامة وكالة من أخيها الإمام الحسين (عليه السلام)، فقامت بأعباء الإمامة عندما كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) مريضا في كربلاء.

 

وما حدث التاريخ عن امرأة صارت في موضع الإمامة لفترة من الزمن، كما حدث عن فخر المخدرات زينب (عليها السلام)، إذًا زينب (عليها السلام) هي التي حافظت على ثورة كربلاء، ثورة الحسين (عليه السلام)، وهذه التي فضحت الأمويين في كل مكان، واستطاعت صلوات الله وسلامه عليها بجهادها أن تسقط دولة بني أمية، وآل زياد وآل مروان.

 

وها نحن نرفل في نعمة الإسلام والإيمان والتشيّع ببركات زينب (عليها السلام). زينب وما أدراك ما زينب، كيف لا تكون كذلك وهي ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وابنة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وابنة الزهراء (عليها السلام) وقد ارتضعت من ثديي الإيمان، هذه زينب المفجوعة التي مل الصبر منها، التي صبرت على ما هو أمرّ من الصبر لله سبحانه وتعالى، لأجل أن تبقى وتستديم هذه الثورة،  وها نحن نرى منذ أن قتل الحسين وإلى يومنا هذا نرى ثورة كربلاء خالدة تتجدد، نرى في كل زمان وفي كل مكان استفاد منها الكثير من الناس، من المؤمنين والكافرين، وخلس منها من هو على حساب المسلمين، ولكنه يعيش العداء الحقيقي لأهل البيت (ع) في الحقيقة والواقع.

 

من يعيش العداء لأهل البيت (عليهم السلام) فلبشِّر نفسه بنار جهنم وبئس المصير، وإنه من المعادين لله ورسوله ولأمير المؤمنين وإلى الزهراء والحسين والحسين (عليهم السلام)، وسيكون الحسين (عليه السلام) شاهدًا عليه، لأن الحسين ضحى بكل ما يملك من أجلنا جميعا، فمن هنا نقول نحن معك معك يا أبا عبد الله ياحسين، أبد الآبدين.

 

نجعل الله عز وجل أن يجعلنا مع الحسين ومع أبناء الحسين ومع أصحاب الحسين ومع أخوة الحسين ومع من قتل من أصحاب الحسين (عليهم جميعًا سلام الله) في ذلك المكان وفي ذلك الزمان، ها نحن نجدد البيعة لك ولآل بيتك، ونقول مهما كانت الظروف ومهما كانت الأحداث، ودارت الدوائر علينا في هذه الدنيا الدنية، فنحن معكم معكم لا مع عدوكم، سيدي يا أبا عبد الله، إقبل منا ياسيدي هذا اليسير وتجاوز عن تقصيرنا سيدي، فإننا نعترف بأنَّنا مقصرين في حقك، وإن مثلك من يقبل اعتذارنا -والعذر عن كرام الناس مقبولُ-.

 

السلام عليك سيدي يوم ولدت ويوم متَّ حيًّا. سلام الله عليك يا أبا عبد الله وعلى آل بيتك وعلى أبنائك وأصحابك وأخوتك، سلامًا دائما أبدًا منّا عليك سيدي إلى يوم القيامة.

 

نسأل الله عز وجل أن يجعلنا مع الحسين وآله (عليهم السلام)، في الدنيا والآخرة، وأن يرزقنا شفاعة الحسين وآل الحسين، وأن لا يخرجنا من الدنيا حتى يُرينا الحسين (ع)، اللهم أرنا الحسين، اللهم أرنا الحسين، اللهم أرنا الحسين، ولو في المنام لكي تقر أعيننا برؤيته سلام الله عليه.

 

نسأل الله أن يجعلنا من زوار الحسين شفعاء الحسين (ع)..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين..

 

والسلام عليكم أخوتي جميعا ورحمة الله وبركاته..

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2267844

الأربعاء
22-نوفمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع