مقالات: في معنى لفظ الجلالة "الله"      •      سماحة آية الله الشيخ محمد تقي بهجت (قدس سره) [1334 - 1430]      •      الشكل المشروع للنظام المصرفي في المجتمع الإسلامي      •      البناء الاقتصادي وحفظ الحقوق في سورة البقرة      •      مكانة المرأة في الإسلام      •      مسائل وردود: مشاهدة الأفلام الإباحية بين الزوجين      •      ما حكم هل يجوز تركيب الشعر الطبيعي لتجميل المرأة ؟      •      هل بلع الدم الخارج من الأسنان يعد مفطرًا؟      •      هل يجوز أداء صلاة الليل في العمل؟      •      كيف نتخلص من الفراغ الروحي؟      •     
» مقالات عقائدية
» عقيدتنا في الدعوة إلى الوحدة الاِسلامية
» الكاتب: العلامة الشيخ محمد رضا المظفر - قراءات [9773] - نشر في: 2010-05-11


عرّف آل البيت عليهم السلام بحرصهم على بقاء مظاهر الاسلام، والدعوة إلى عزّته، ووحدة كلمة أهله، وحفظ التآخي بينهم، ورفع السخيمة من القلوب، والأحقاد من النفوس.

ولا يُنسى موقف أمير المؤمنين "عليه السلام" مع الخلفاء الذين سبقوه، مع توجّده عليهم، واعتقاده بغصبهم لحقه، فجاراهم وسالمهم، بل حبس رأيه في أنّه المنصوص عليه بالخلافة؛ حتّى أنه لم يجهر في حشد عام بالنصِّ إلا بعد أن آل الأمر إليه، فاستشهد بمن بقي من الصحابة عن نص الغدير في يوم الرحبة المعروف (1).

وكان لا يتأخّر عن الإشارة عليهم فيما يعود على المسلمين أو للإسلام بالنفع والمصلحة، وكم كان يقول عن ذلك العهد: «فَخَشِيتُ إنْ لَمْ أَنصُر الاِسلامَ وَأَهلَهُ أَنْ أَرى فِيهِ ثَلْماً أو هدْماً»(2).

كما لم يصدر منه ما يؤثِّر على شوكة ملكهم، أو يضعف من سلطانهم، أو يقلِّل من هيبتهم، فانكمش على نفسه وجلس حلس البيت، بالرغم ممّا كان يشهده منهم.

كل ذلك رعاية لمصلحة الإسلام العامة، ورعاية أن لا يرى في الإسلام ثلمًا أو هدمًا، حتى عرف ذلك منه، وكان الخليفة عمر بن الخطاب يقول ويكرّر القول: "لا كنت لمعضلة ليس لها أبو الحسن"(3) أو "لولا علي لهلك عمر"(4).

ولا يُنسى موقف الحسن بن علي "عليه السلام" من الصلح مع معاوية (5) بعد أن رأى أنّ الإصرار على الحرب سيديل من ثقل الله الأكبر، ومن دولة العدل، بل اسم الإسلام إلى آخر الدهر، فتمحى الشريعة الإلهية، ويُقضى على البقية الباقية من آل البيت، ففضَّل المحافظة على ظواهر الإسلام واسم الدين، وإن سالم معاوية - العدو الألد للدين وأهله، والخصم الحقود له ولشيعته - مع ما يتوقّع من الظلم والذل له ولأتباعه، وكانت سيوف بني هاشم وسيوف شيعته مشحوذة تأبى أن تغمد دون أن تأخذ بحقّها من الدفاع والكفاح، ولكن مصلحة الإسلام العليا كانت عنده فوق جميع هذه الاعتبارات.

وأمّا الحسين الشهيد "عليه السلام" فلئن نهض فلأنّه رأى من بني أُمية إن دامت الحال لهم ولم يقف في وجههم من يكشف سوء نيّاتهم، سيمحون ذكر الإسلام، ويطيحون بمجده، فأراد أن يثبت للتاريخ جورهم وعدوانهم، ويفضح ما كانوا يبيّتونه لشريعة الرسول، وكان ما أراد. ولولا نهضته المباركة لذهب الإسلام في خبر كان يتلهّى بذكره التأريخ كأنّه دين باطل.

وحرص الشيعة على تجديد ذكراه بشتّى أساليبهم، إنّما هو لإتمام رسالة نهضته في مكافحة الظلم والجور، ولإحياء أمره امتثالاً لأوامر الأئمة من بعده.

وينجلي لنا حرص آل البيت "عليهم السلام" على بقاء عز الإسلام - وإن كان ذو السلطة من ألد أعدائهم - في موقف الإمام زين العابدين "عليه السلام" من ملوك بني أُمية، وهو الموتور لهم، والمنتهكة في عهدهم حرمته وحرمه، والمحزون على ما صنعوا مع أبيه وأهل بيته في واقعة كربلاء، فإنّه - مع كل ذلك - كان يدعو في سرِّه لجيوش المسلمين بالنصر، وللإسلام بالعز، وللمسلمين بالدعة والسلامة، وقد تقدَّم أنّه كان سلاحه الوحيد في نشر المعرفة هو الدعاء، فعلَّم شيعته كيف يدعون للجيوش الاِسلامية والمسلمين، كدعائه المعروف بـ (دعاء أهل الثغور)(6) الذي يقول فيه:

«اللّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وآل محمَّدٍ، وكثِّرْ عددَهُمْ (7) واشحَذْ أسلحَتَهمْ، واحرُسْ حوزَتَهُمْ، وامنَعْ حومَتَهُمْ، وألِّفْ جمعَهُمْ، ودبِّرْ أمرَهُمْ، وواتِرْ بينَ ميرِهِمْ، وتوحَّدْ بكفايَةِ مؤَنِهُمْ، واعضُدهُمْ بالنصرِ، وأعِنهُمْ بالصبْرِ، والطُفْ لهُمْ في المكْرِ».

إلى أن يقول - بعد أن يدعو على الكافرين -:

«اللّهمَّ وقوِّ بذلِكَ مِحَالَ أهلِ الاِسلام، وحصِّنْ بهِ ديارَهُمْ، وثمِّرْ بهِ أموالَهُمْ، وفرِّغْهُمْ عن محاربتِهِمْ لعبادَتِكَ، وعنْ منابذَتِهمْ للخلَوةِ بكَ؛ حتّى لا يُعبَدَ في بقاعِ الاَرْضِ غيرُكَ، ولا تُعَفَّرَ لاَحدٍ منهُمْ جبهةٌ دونَكَ» (8).

وهكذا يمضي في دعائه البليغ - وهو من أطول أدعيته - في توجيه الجيوش المسلمة إلى ما ينبغي لها من مكارم الأخلاق، وأخذ العدّة للأعداء، وهو يجمع إلى التعاليم الحربية للجهاد الإسلامي بيان الغاية منه وفائدته، كما ينبِّه المسلمين إلى نوع الحذر من أعدائهم، وما يجب أن يتخذوه في معاملتهم ومكافحتهم، وما يجب عليهم من الانقطاع إلى الله تعالى، والانتهاء عن محارمه، والإخلاص لوجهه الكريم في جهادهم.

وكذلك باقي الإئمة "عليهم السلام" في مواقفهم مع ملوك عصرهم، وإن لاقوا منهم أنواع الضغط والتنكيل بكل قساوة وشدّة؛ فإنّهم لما علموا أنّ دولة الحق لا تعود إليهم انصرفوا إلى تعليم الناس معالم دينهم، وتوجيه أتباعهم التوجيه الديني العالي.

وكلّ الثورات التي حدثت في عصرهم من العلويين وغيرهم لم تكن عن إشارتهم ورغبتهم، بل كانت كلّها مخالفة صريحة لأوامرهم وتشديداتهم؛ فإنّهم كانوا أحرص على كيان الدولة الإسلامية من كل أحد، حتى من خلفاء بني العباس أنفسهم.

وكفى أن نقرأ وصية الإمام موسى بن جعفر "عليه السلام" لشيعته:

«لا تذلُوا رقابكم بترك طاعة سلطانكم، فإن كان عادلاً فاسألوا الله بقاءه، وإن كان جائراً فاسألوا الله إصلاحه؛ فإنّ صلاحكم في صلاح سلطانكم، وإنّ السلطان العادل بمنزلة الوالد الرحيم، فأحبّوا له ما تحبون لأنفسكم، واكرهوا له ما تكرهون لأنفسكم»(9).

وهذا غاية ما يوصف في محافظة الرعية على سلامة السلطان أن يحبوا له ما يحبون لأنفسهم، ويكرهوا له ما يكرهون لها.

وبعد هذا، فما أعظم تجنِّي بعض كتّاب العصر؛ إذ يصف الشيعة بأنّهم جميعة سرّية هدّامة، أو طائفة ثوروية ناقمة (10)!

صحيح أنّ من خلق الرجل المسلم المتّبع لتعاليم آل البيت "عليهم السلام" يبغض الظلم والظالمين، والانكماش عن أهل الجور والفسوق، والنظرة إلى أعوانهم وأنصارهم نظرة الاشمئزاز والاستنكار، والاستيحاش والاستحقار، وما زال هذا الخلق متغلغلاً في نفوسهم يتوارثونه جيلاً بعد جيل، ولكن مع ذلك ليس من شيمتهم الغدر والختل، ولا من طريقتهم الثورة والانتفاض على السلطة الدينية السائدة باسم الإسلام؛ لا سرًا ولا علنًا، ولا يبيحون لأنفسهم الاغتيال أو الوقيعة بمسلم مهما كان مذهبه وطريقته؛ أخذًا بتعاليم أئمّتهم عليهم السلام.

بل المسلم الذي يشهد الشهادتين مصون المال، محقون الدم، محرَّم العرض؛ «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه» (11).

بل المسلم أخو المسلم، عليه من حقوق الأخوة لأخيه ما يكشف عنه البحث الآتي.

 

____________

(1) انظر: مسند أحمد: 1|84، فضائل أحمد: 77|115، السنة لابن أبي عاصم: 593 ح1372 و1373 و1374، مشكل الآثار: 2|307، خصائص النسائي 100 ـ 101 ح85 ـ 87، المعجم الصغير للطبراني: 1|65، المعجم الاوسط: 2|68، حلية الاولياء: 5|26، المناقب لابن المغازلي: 20 ح27، كنز العمال: 13|157 ح36485 و36486 و: 170 ح36514 و36515. اُسد الغابة: 3|321، 4|28.

(2) نهج البلاغة: الكتاب 62 (من كتاب له عليه السلام إلى أهل البصرة).

 (3) انظر: طبقات ابن سعد: 2|339، فضائل أحمد: 155 ح222، انساب الاشراف للبلاذري: 2|99 ح29، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1|18، المناقب للخوارزمي: 96 ـ 97 ذيل ح97 و98، اُسد الغابة: 4|22، كفاية الطالب: 217، الاصابة: 2|509، ذخائر العقبى: 82، تهذيب التهذيب: 7|296، تذكرة الخواص: 134 و137، الرياض النضرة: 3|161، فرائد السمطين: 1|344 ح267.

(4) المناقب للخوارزمي: 80 ح65، تذكرة الخواص: 137، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1|18 و141 و12|179 و223، كفاية الطالب: 219، ذخائر العقبى: 82، الرياض النضرة: 3|161.

(5) يمكن النظر إلى الصلح الذي وقع بين الامام الحسن عليه السلام ومعاوية من نواحٍ عدّة، منها:

أولاً: كسر الطوق المعنوي الذي حاول معاوية أن يوهم به عامة المسلمين من إلحاحه المستمر لطلب الصلح واغترار الناس به، وقد أبان الامام الحسن عليه السلام ابتداءاً اعتذاره عن ذلك بأنّ معاوية لا يفي بشرط، ولا هو بمأمون على الدين ولا على الامّة.

ثانياً: لو حاول الامام الحسن عليه السلام الاصرار على موقفه من قتال معاوية لكانت في ذلك مغامرة مواجهة قوّة لا قبل بها، ولا نكشف الامر عن التضحية بنفسه وكافة الهاشميين وأوليائهم، ولعذله العاذلون وقالوا فيه.

ثالثا: اتّضح الاَمر ـ بعد ذلك ـ بفضيحة معاوية الذي لم يلتزم ببنود الصلح قيد أنملة، ثم انكشف بعد ذلك الغطاء في دور أبيّ الضيم الامام الحسين عليه السلام وما قدّمه من تضحيات تقف متممة لدور الامام الحسن عليه السلام في مواجهة الظالمين، ورد موجة  الانحراف في الامة.

رابعاً: امتثل الامام الحسن عليه السلام ما ورد في سيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله اُسوة به، حيث استرشد بالرسالة، وامتحن بهذه الخطة، وقد اخذها في إقدامه واحجامه من صلح الحديبية.

خامساً: كان الصلح نموذجاً فريدا صاغ به أئمة أهل البيت عليهم السلام سياستهم الحكيمة، حيث غرس الامام الحسن عليه السلام في طريق معاوية كميناً من نفسه يثور عليه من حيث لا يشعر فيرديه، وتسنّى له به أن يلغم قصر الاَموية ببارود الاَموية نفسها.

وقد نقل التاريخ بصراحة زيف معاوية بوعوده حينما انضم جيش العراق إلى لوائه في النخيلة، فقال، وقد قام خطيباً فيهم: (يا أهل العراق! إني ـ والله ـ لم اُقاتلكم لتصلّوا، ولا لتصوموا، ولا لتزكّوا، ولا لتحجّوا، وإنما قاتلتكم لاَتأمّر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون!، ألا وإنّ كل شيء أعطيته للحسن بن علي جعلته تحت قدمي هاتين!) ـ كما نقله ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق ـ فلما تمت البيعة لمعاوية خطب فذكر علياً فنال منه، ونال من الحسن.. إلى آخر ما وقع من الوقائع الجسيمة...

ويذكر الامام السيد عبد الحسين شرف الدين (قدّس سرّه): إنّ الامامين الحسن والحسين عليهما السلام كانا وجهين لرسالة واحدة، كل وجه منهما في موضعه منها، وفي زمانه من مراحلها يكافئ الآخر في النهوض بأعبائها ويوازيه بالتضحية في سبيلها... وكان (يوم ساباط) أعرف بمعاني التضحية من (يوم الطف) لدى اُولي الاَلباب ممّن تعمّق... وكانت شهادة الطف حسنية أوّلاً وحسينية ثانياً؛ لاَنّ الحسن أنضج نتائجها، ومهّد أسبابها.

وقد وقف الناس بعد حادثتي ساباط والطف يمعنون في الاحداث، فيرون في الامويين عصبة جاهلية منكرة...

للتفصيل: راجع صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين، المجالس الفاخرة في مآتم العترة الطاهرة، شرح نهج البلاغة: ج4، الامام الحسين عليه السلام للاستاذ عبدالله العلايلي، مختصر تاريخ دمشق: 25|43، تاريخ الطبري: 5|162، الكامل في التاريخ لابن الاثير: 3|404، تاريخ الاسلام للذهبي: 4|5، تاريخ الخلفاء (الامامة والسياسة) لابن قتيبة: 1|164

 (6) الصحيفة السجادية: الدعاء (27): من دعائه عليه السلام لاَهل الثغور.

 (7) كذا، وفي المصدر: (عِدَّتهم).

(8) ما أجمل هذا الدعاء، وأجدر بالمسلمين في هذه العصور أن يتلوا هذا الدعاء؛ ليعتبروا به، وليبتهلوا إلى الله تعالى في جمع كلمتهم وتوحيد صفوفهم وتنوير عقولهم. (منه رحمه الله).

 (9) أمالي الصدوق: 277 ح21، وسائل الشيعة: 16|220 ح21406.

(10) وقدمرت الاشارة ـ عند موضوع (عقيدتنا في التقية) ـ إلى قول الكوثري في تعليقه على كتاب التبصير في الدين للاسفرائيني، في وصفه للشيعة بأنّها جمعيات سرّية.

 (11) الفقيه: 4|66 ح195، عوالي اللآلي: 3|473 ح3، تحف العقول: 34، وسائل الشيعة: 5|120 ح6089، سنن الدارقطني: 3|26 ح91 و92، كنز العمال: 1|92 ح397.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2180318

الأربعاء
20-سبتمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع