مقالات: التصور ومصدره الأساسي في نظرية المعرفة - 2      •      اختيار الزوج وكفاءته      •      حياة المرأة في الأمم غير المتمدنة      •      كيف يصنع المؤمن إرادته وهمته العالية      •      ما هي النتائج المستخلصة من ثورة الإمام الحسين (ع)؟      •      مسائل وردود: بماذا كان يتعبد النبي (ص) قبل بعثته؟      •      حكم صناعة فيروسات الكمبيوتر والإنترنت      •      في نجاسة المستنقعات الصغيرة      •      في الدعاء على النفس بالموت      •      في الصلاة الاستئجارية      •     
» مقالات عقائدية
» مبدأ عيد الغدير وصلة المسلمين به
» الكاتب: سماحة العلامة الشيخ عبد الحسين الأميني - قراءات [9893] - نشر في: 2009-12-05


إنّ الذي يتجلّى للباحث حول تلك الصفة أمران:

الأمر الأوّل:

إنّه ليس صلة هذا العيد بالشيعة فحسب، وإن كانت لهم به علاقة خاصّة، وإنّما اشترك معهم في التعيّد به غيرهم من فرق المسلمين، فقد عدّه البيروني في الآثار الباقية في القرون الخالية: "ممّا استعمله أهل الاسلام من الأعياد".

وفي مطالب السؤول لابن طلحة الشافعي: "يوم غدير خمّ، ذكره (أمير المؤمنين) في شعره، وصار ذلك اليوم عيدًا وموسمًا، لكونه كان وقتًا نصّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذه المنزلة العليَّة، وشرَّفه بها دون الناس كلِّهم".

وقال: "وكلّ معنى أمكن إثباته ممّا دلَّ عليه لفظ المولى لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فقد جعله لعليٍّ، وهي مرتبةٌ ساميةٌ، ومنزلةٌ سامقةٌ، ودرجة عليَّةٌ، ومكانةٌ رفيعةٌ، خصّصه بها دون غيره، فلهذا صار ذلك اليوم يوم عيد وموسم سرور لاوليائه".

تفيدنا هذه الكلمة اشتراك المسلمين قاطبة في التعيّد بذلك اليوم، سواء رجع الضمير في (أوليائه) إلى النبيِّ أو الوصيِّ صلّى الله عليهما وآلهما.

أمّا على الاوَّل: فواضح.

وأمّا على الثاني: فكلّ المسلمين يوالون أمير المؤمنين عليًّا شرعا، سواء في ذلك من يواليه بما هو خليفة الرسول بلا فصل، ومن يراه رابع الخلفاء، فلن تجد في المسلمين من ينصب له العداء، إلاّ شذّاذ من الخوارج مرقوا عن الدين الحنيف.

وتقرئنا كتب التاريخ دروسًا من هذا العيد، وتَسالُم الأمَّة الاسلاميَّة عليه في الشرق والغرب، واعتناء المصريِّين والمغاربة والعراقيِّين بشأنه في القرون المتقادمة، وكونه عندهم يومًا مشهودًا للصلاة والدعاء والخطبة وإنشاد الشعر على ما فُصِّل في المعاجم.

ويظهر من غير مورد من الوفيات لابن خلكان التَسالُم على تسمية هذا اليوم عيدًا:

ففي ترجمة المستعلي ابن المستنصر: "فبويع في يوم عيد غدير خمّ، وهو الثامن عشر من ذي الحجَّة سنة 487 هـ".

وقال في ترجمة المستنصر بالله العبيدي: "وتوفّي ليلة الخميس لاثنتي عشر ليلة بقيت من ذي الحجَّة سنة سبع وثمانين وأربعمائة رحمه الله تعالى. قلت: وهذه الليلة هي ليلة عيد الغدير، أعني ليلة الثامن عشر من ذي الحجَّة، وهو غدير خُمّ ـ بضم الخاء وتشديد الميم ـ ورأيت جماعة كثيرة يسألون عن هذه الليلة متى كانت من ذي الحجَّة، وهذا المكان بين مكّة والمدينة، وفيه غدير ماء ويقال: إنّه غيضة هناك، ولمّا رجع النبي (صلى الله عليه وسلم) من مكّة شرَّفها الله تعالى عام حجَّة الوداع ووصل إلى هذا المكان وآخى عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) قال: «عليُّ مني كهارون من موسى، اللهمَّ والِ مَن والاه، وعاد من عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله»، وللشيعة به تعلّق كبير". وقال الحازمي: "وهو وادٍ بين مكّة والمدينة عند الجحفة [به] غدير عنده خطب النبيُّ (صلى الله عليه وسلم)، وهذا الوادي موصوفٌ بكثرة الوخامة وشدَّة الحرّ.".

وهذا الذي يذكره ابن خلكان من كبر تعلّق الشيعة بهذا اليوم هو الذي يعنيه المسعودي في التنبيه والاشراف: "بعد ذكر حديث الغدير بقوله: ووُلد عليٍّ (رضي الله عنه) وشيعته يعظمون هذا اليوم".

ونحوه الثعالبي في ثمار القلوب ـ بعد أن عدَّ ليلة الغدير من الليالي المضافات المشهورة عند الأمَّة ـ بقوله: "وهي الليلة التي خطب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في غدها بغدير خمّ على أقتاب الإبل، فقال في خطبته: «مَن كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله»، فالشيعة يعظِّمون هذه الليلة ويُحيونها قيامًا".

وذلك [لـ] اعتقادهم وقوع النصِّ على الخلافة بلا فصل فيه، وهم وإن انفردوا عن غيرهم بهذه العقيدة، لكنّهم لم يبرحوا مشاطرين مع الأمة التي لم تزل ليلة الغدير عندهم من الليالي المضافة المشهورة، وليست شهرة هذه الإضافة إلاّ لاعتقاد خطر عظيم، وفضيلة بارزة في صبيحتها، ذلك الذي جعله يومًا مشهودًا أو عيدًا مباركًا".

ومن جرّاء هذا الاعتقاد في فضيلة يوم الغدير وليلته وقع التشبيه بهما في الحسن والبهجة.

قال تميم بن المعزّ صاحب الديار المصريَّة المتوفّى 374هـ من قصيدة له ذكرها الباخرزي في دمية القصر:

تروح علينا بأحداقها حِسانٌ حكتهنَّ من نشرِ هنَّهْ

نواعمُ لا يستطعن النهوض إذا قمن من ثِقل أردافِهنَّهْ

حَسُنَّ كحُسن ليالي الغدير وجئنَ ببهجة أيّامهنَّهْ

ومّما يدل على ذلك: التهنئة لأمير المؤمنين (عليه السلام) من الشيخين وأمهات المؤمنين وغيرهم من الصحابة بأمر من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما ستقف على ذلك مفصَّلاً إن شاء الله، والتهنئة من خواصّ الأعياد والأفراح.

الأمر الثاني:

إن عهد هذا العيد يمتد إلى أمد قديم متواصل بالدور النبويّ، فكانت البدأة به يوم الغدير من حجّة الوداع بعد أن أصحر نبيُّ الإسلام (صلى الله عليه وآله) بمرتكز خلافته الكبرى، وأبانَ للملأ الديني مستقرّ إمرته من الوجهة الدينيَّة والدنيويَّة، وحدَّد لهم مستوى أمر دينه الشامخ، فكان يومًا مشهودًا يسرُّ موقعه كلّ معتنق للإسلام، حيث وضح له فيه منتجع الشريعة، ومنبثق أنوار أحكامها، فلا تلويه من بعده الأهواء يمينًا وشمالاً، ولا يسفّ به الجهل إلى هوّة السفاسف وأيّ يوم يكون أعظم منه؟ وقد لاح فيه لاحب السنن، وبان جدد الطريق، وأكمل فيه الدين، وتمَّت فيه النعمة، ونوّه بذلك القرآن الكريم.

وإن كان حقًّا اتّخاذ يوم تسنّم فيه الملوك عرش السلطنة عيدًا يحتفل به بالمسرّة والتنوير وعقد المجتمعات وإلقاء الخطب وسرد القريض وبسط الموائد كما جرت به العادات بين الأمم والأجيال، فيوم استقرّت فيه الملوكيّة الإسلاميّة والولاية الدينيّة العظمى لمن جاء النصّ به من الصادع بالدين الكريم الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى، أَوْلَى أن يُتّخذ عيدًا يُحتفل به بكلّ حفاوة وتبجيل، وبما أنّه من الأعياد الدينية يجب أن يزاد فيه على ذلك بما يقرّب إلى الله زلفى من صوم وصلاة ودعاء وغيرها من وجوه البرّ، كما سنوقفك عليه في الملتقى إن شاء الله تعالى.

ولذلك كلّه أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) مَن حضر المشهد من أُمته، ومنهم الشيخان ومشيخة قريش ووجوه الأنصار، كما أمر أُمَّهات المؤمنين، بالدخول على أمير المؤمين (عليه السلام) وتهنئته على تلك الحظوة الكبيرة بإشغاله منصَّة الولاية ومرتبع الأمر والنهي في دين الله.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2267802

الأربعاء
22-نوفمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع