مقالات: مبدأ عيد الغدير وصلة المسلمين به      •      فاطمة الزهراء (ع) نموذج المرأة الكاملة      •      الحسين (عليه السلام) أسوة      •      محبّة أهل البيت عليهم السلام      •      التصور ومصدره الأساسي في نظرية المعرفة - 2      •      مسائل وردود: عقد الزواج بين الشيعي والسنية      •      في سب ولعن الليالي والأيام والساعات والجبال      •      الصلاة بدون الأذان والإقامة      •      هل يكفي الغسل عن الوضوء؟      •      في الدعاء على النفس بالموت      •     
» مقالات فقهية
» التشريح في التعليم الطبي (2)
» الكاتب: آية الله الشيخ محمد المؤمن - قراءات [9805] - نشر في: 2012-05-17


ودعوى انصراف هذه الأخبار إلى الميّت المسلم ممنوعة؛ لعدم الشاهد عليها، فانظر إلى صحيح عبداللَّه بن سنان عن أبي عبداللَّه عليه السلام في رجل قطع رأس الميّت قال عليه السلام: «لأنّ حرمته ميّتاً كحرمته وهو حيّ» «2» فبأيّ دليل وشاهد يدّعى انصرافه؟! فقد سأل عن قطع رأس الميّت، والسؤال عامّ لكلّ ميّت، وكون الميّت المسلم في معرض ابتلاء أكثر لا يوجب انصرافاً، لا سيّما في موضوع سؤال نادر، وأجاب عليه السلام بأنّه عليه الدية، فدية كلّ أحد بحسبه، وعلّله بأنّ حرمته ميّتاً كحرمته حيّاً، وهو أيضاً تعليل عام ينصرف في كلّ مورد إلى ما يناسبه. إن قلت: قد روى عمّار بن موسى بسند معتبر عن أبي عبداللَّه عليه السلام انّه سئل عن النصراني يكون في السفر، وهو مع المسلمين فيموت؟ قال: «لا يغسّله مسلم ولا كرامة، ولا يدفنه، ولا يقوم على قبره، وإن كان أباه< «3» وقد دلّ على عدم رجحان تجهيز النصراني الذي من أهل الذمّة وزاد عليه بقوله «ولا كرامة» الدالّ على نفي الاحترام عن ميّتهم، فهذا الموثق كالمخصّص لعموم مثل صحيحة عبداللَّه بن سنان إذا سلّمنا عدم انصرافها.

قلت: إنّ حقّ التجهيز للميّت حقّ يثبت لخصوص الميّت، وليس حقّاً ثابتاً للحيّ حتى يثبت بمثل صحيحة ابن سنان للميّت، فليس في مجرّد نفي رجحانه دليل على تخصيص عموم الصحيحة.

وأمّا قوله «ولا كرامة» فالظاهر أنّ المراد به أنّ المروءة والكرم الجبلّي للمسلم لا ينبغي أن يجرّه إلى القيام بتجهيز الكافر، فهو نظير قوله تعالى: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ» «1»، وليس ظاهراً في نفي الحرمة عن الميّت الذمّي.

فالمتحصّل انّ مقتضى الأخبار الواردة في الأبواب المتفرّقة ثبوت الحرمة للميّت من كفّار أهل الذمّة كما قد ثبتت حرمة الأحياء منهم، إذن فلا يستقيم ما أفتى به السيّدان العلمان.

هذا غاية ما أمكننا من بيان ثبوت الاحترام للميّت من أهل الذمّة.

وبعد ذلك كلّه، فلا يبعد أن يقال: إنّ غاية المستفاد من الطائفتين المذكورتين إنّ لأهل الذمّة- الذين يعيشون تحت لواء الإسلام؟ ملتزمين بشرائط الذمّة- هذه الأحكام وتلك الحقوق. وأمّا انّ ملاك هذه الحقوق ومنشأها هل هي حرمة أهل الذمّة، أم انّ منشأها حرمة ذمّة الإسلام فلا دلالة لهما على شي‏ء من ذلك، بل إنّ من كان منهم محكوماً بأن يقاتَل ويُقتل فلا حرمة له في نفسه إلّاأنّ الدولة الإسلامية حينما تأذن لهم بأن يعيشوا في البلاد الإسلامية على أن يلتزموا بشرائط الذمّة، فنفس هذا الإذن المبني على رعاية مصالح خطيرة أوجب أن يعامل معهم تلك المعاملات، فالحرمة حرمة ذمّة الإسلام، وهي تجري في كلّ مورد أعطى الإسلام وأولياء امور المسلمين أمناً وذمّة لأحد حتى ولو كان كافراً حربياً مشركاً، فانظر إلى قوله تعالى: «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ فاقتلوا المشركين حيث وجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ» «2» فقد ورد الأمر بقتلهم‏ وأخذهم أخذاً شديداً ومتابعتهم والتأكيد على ذلك، ولكن مع ذلك كلّه، قال تبارك وتعالى في الآية التالية: «وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ» «1» فأمر نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم بأن يؤمن المستأمن ويجير المستجير، وإن كان كافراً مشركاً واجب القتل، فيعطي له الأمان إلى أن يبلغ مأمنه ومأواه. ومن الواضح أنّه ما دام في هذا الأمن الإسلامي فلا يجوز لأحد أن يتعرّض له بإيذاء فضلًا عن جرح أو قتل، ولا يبعد ثبوت الدية على من أصابه بما يوجبها.

إلّاأنّ كلّ ذلك ليس لأجل أنّ للمشرك حرمة في الإسلام، بل إنّما هو لأجل أنّه اعطي الأمان، فهذا كلّه حرمة الإسلام وتكريم لأمان الإسلام. وحينئذٍ فأهل الكتاب من اليهود والنصارى والمجوس الذين يعيشون في ظلّ دولة الإسلام وتحت لوائه ليس لهم حرمة بما هم أهل لكتاب، بل بما انّهم في ذمّة الإسلام وحماه، وإلّا فهم مكلّفون بإعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، فقد كتب عليهم الصَّغار رحمة لهم لكي يجدوا ذلّاً فيدخلوا في عزّ الإسلام.

وممّا يدلّ على أنّ لا حرمة للكفّار ما ورد عنهم عليهم السلام مستفيضاً في مقام بيان مشاركة الإيمان للإسلام من قولهم عليهم السلام: «الإسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء» «2»، فالإسلام هو الموجب لحقن الدم، فالكافر ليس- بما هو كافر- محقون الدم، فضلًا عن أن يكون له حرمة أزيد من ذلك.

وعليه، فلا مجال للاستدلال لاحترامهم بمثل قولهم عليهم السلام: «في رجل قطع رأس الميّت قال: عليه الدية؛ لأنّ حرمته ميّتاً كحرمته وهو حي»، فإنّه يدلّ على انجرار الحرمة الثابتة للميّت حال حياته إلى ما بعد وفاته، ولا محالة يختصّ مورده بمن كان له في حال الحياة حرمة، وأمّا من لم يثبت له حرمة حال الحياة فقهراً ليس مشمولًا للعموم المذكور، بل أنت تعلم أنّ الشكّ هنا في أنّ الحرمة الواردة في أهل الذمّة هي حرمة الإسلام أو حرمة لهم كي يكون قبول شرائط الذمّة كحيثية تعليلية لثبوت هذه الاحترامات لأهل الذمّة أنفسهم، ومجرّد الشكّ كافٍ في‏ عدم إمكان الاستدلال بهذه الروايات على ثبوت الحرمة لهم؛ فإنّه من قبيل الاستدلال بالعام في الشبهة المفهومية.

هذا كلّه في أهل الذمّة من أهل الكتاب. وأمّا الحربيون منهم وسائر أنواع الكفّار الذين لا يصحّ عقد الذمّة معهم، فعدم ثبوت الحرمة لميّتهم واضح.

كما أنّ ممّا ذكرنا يظهر حال المستأمنين الذين أعطتهم الحكومة الإسلامية الأمان في البلاد الإسلامية، فإنّ حرمة أشخاصهم بأنفسهم غير ثابتة، وإنّما الحرمة لأمان الإسلام الذي أعطاه لهم ولي المسلمين، ولا يقتضي أزيد من المماشاة معهم حال حياتهم لا بعد موتهم، فلا دليل على لزوم مراعاة الحرمة لهم ولأجسادهم.

فتحصّل أنّ الكفّار مطلقاً لا دليل على حرمة تشريح أجسادهم وتقطيعها للأغراض الطبية وغيرها. نعم، لو وقع عقد خاصّ بين ولي أمر المسلمين وزعماء الكفر على أن لا يتعرّضوا لأجساد الموتى من الكفّار، فهذا العقد عقد محترم يجب الوفاء به بحكم عموم قوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» «1» كما لا يخفى.

 

الفرع الرابع: إذا اندرست القبور وخربت‏

أو اخربت وظهر منها عظام الموتى المسلمين، فهل يجوز الانتفاع بها في التعليم؟

المحكي في بعض الاستفتاءات عن بعض أجلّة العصر (دام ظلّه) جوازه؛ ولعلّه لانصراف أدلّة إثبات الحرمة للميّت عن مثلها.

لكن لقائل أن يمنع الانصراف ويستند إلى عموم قولهم عليهم السلام «إنّ حرمته ميّتاً كحرمته وهو حيّ» فما دام العظم على هيئته يعدّ عضواً من أعضاء هذا المسلم فالتعرّض له إهانة لصاحبه، ووجوب احترامه يقتضي عدم التعرّض له، كما انّ إطلاق أدلّة وجوب دفن الأعضاء والعظام يدلّ على وجوب دفنها ودفن الميّت، كما عرفت أنّ ذلك مرتبة من تكريمه قد أوجبها الشارع.

وربّما يؤيّد دعوى الإطلاق ما ورد في الأخبار من وجوب دفن شعر الميّت وظفره وأمثالهما إذا بانت منه، ففي الصحيح المروي عن الكافي والتهذيب عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «لا يمسّ عن الميّت شعر ولا ظفر، وإن سقط منه شي‏ء فاجعله في كفنه» «1» فإيجاب دفن هذه الأشياء الحقيرة معه دليل على عظم الحرمة الواجبة الرعاية فيه، وعلى عدم انصراف العمومات والمطلقات عن مثل العظام، واللَّه العالم.

الفرع الخامس: هل الجنين الميّت بحكم مَن مات من الأحياء،

فلا يحقّ شقّ جسده ولا تقطيع أعضائه، بل ولا حفظه في قارورة مملوءة بالكحول وعدم دفنه؟

لا يبعد أن يقال: إنّ كلّ ما منعه الشرع بالنسبة للإنسان وهو حيّ- ولو كان في أدنى مراتب الحياة- فهو رعاية حقّ له وتكريم له، فإذا حرّم الشارع الأقدس شرب دواء يوجب إسقاط النطفة.

كما في صحيحة رفاعة بن موسى النخّاس قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: «أشتري الجارية فربّما احتبس طمثها من فساد دم أو ريح في رحم فتسقى دواء لذلك فتطمث من يومها أفيجوز لي ذلك وأنا لا أدري من حبل هو أو غيره؟ فقال لي: لا تفعل ذلك، فقلت له: إنّه إنّما ارتفع طمثها منها شهراً، ولو كان ذلك من حبل إنّما كان نطفة كنطفة الرجل الذي يعزل، فقال لي:

إنّ النطفة إذا وقعت في الرحم تصير إلى علقة ثمّ إلى مضغة ثمّ إلى ما شاء اللَّه، وانّ النطفة إذا وقعت في غير الرحم لم يخلق منها شي‏ء فلا تسقها دواء إذا ارتفع طمثها شهراً وجاز وقتها الذي كانت تطمث فيه» «2». فتراه عليه السلام قد منع عن شرب الدواء لمن احتملت الحمل وليس ذلك‏ إلّا رعاية لحقّ مَن يتكوّن من هذه النطفة، فللإنسان حقّ يجب رعايته من ابتداء انعقاد نطفته، فالنطفة المنعقدة من الإنسان محترمة لا يجوز الإقدام على عمل يمنع نموّها وبلوغها إلى مرتبة الإنسانية الكاملة.

فلو فرض انّ عملًا لا يوجب إعدامها بالمرّة إلّاأنّه يوجب ورود نقص عليها وعلى الأعضاء التي ستنشأ منها، فلا ريب في أنّ المستفاد من مثل الحديث عدم جواز الإقدام عليه؛ لأنّ لها حقّاً واجب الرعاية. وحينئذٍ فإذا سقط الجنين فالتعرّض له وأخذ بعض أجزائه أو أعضائه تعرّض لما كان حيُّه ذا حرمة واجبة المراعاة في الشريعة، وقد قالوا عليهم السلام: «إنّ حرمته ميّتاً كحرمته وهو حي» مضافاً إلى ما ورد في وجوب دفنه، ففي موثقة سماعة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سألته عن السقط إذا استوت خلقته يجب عليه الغسل واللحد والكفن؟ قال: «نعم، كلّ ذلك يجب عليه إذا استوى» «1» فالمستفاد من السؤال هو السؤال عن مساواته في الأحكام المذكورة للأحياء، والمستفاد من الجواب إثبات ذلك. فلا يجوز حفظ الجنين في القارورة وتأخير دفنه كما لا يجوز في سائر الأموات.

وبالجملة، فالدليل على عدم الجواز هو إطلاق قولهم عليهم السلام: «إنّ حرمته ميّتاً كحرمته وهو حي»، مضافاً إلى ما يدلّ من الأخبار الخاصّة في مسألة وجوب دفنه كما في غيره من الأموات.

ودلالة الإطلاق على حكم الجنين المستوي الخلقة غير بعيدة، وعلى غيره على عهدة مدّعيها، فتدبّر.

الفرع السادس: هل يجوز شقّ الجسد لكشف الجرم؟

كما لو قتل إنسان برصاص سلاح أحد شخصين مختلفي السلاح وبقيت الرصاصة في جسد المقتول، فلو شقّ جسده واخرجت الرصاصة لعلم القاتل.

لا يبعد أن يقال: تارة يعلم أنّه لو شقّ الجسد لانكشف الجرم واتضّح الواقع كما في المثال، واخرى يحتمل ذلك.

أمّا في الحالة الاولى فحيث إنّ انكشاف الواقع موجب لاستحقاق أولياء الدم حقّ القصاص من قاتل مورّثهم، فإذا طلبوه وكان ذلك ممكناً للحاكم فمراعاة حقّهم هذا مزاحمة بمراعاة حرمة الميّت، وإن لم نقل إنّ قتل قاتله أيضاً رعاية حرمة اخرى له فلا أقلّ من أنّ الحقّين هنا متزاحمان، فلو لم يثبت أقوائية ملاك حرمة الشقّ واحتمل تساويهما لجاز الإقدام على تشريحه فضلًا عمّا لو علم أقوائية ملاك حقّ أولياء الدم. وأمّا في الحالة الثانية فالظاهر انّه لا يجوز ارتكاب حرام مسلّم لمجرّد احتمال إحياء حقّ، فتدبّر.

الفرع السابع: هل يجوز شقّ الجسد لملاحظة حال الحمل‏

الذي مات مع امّه في بطنها حتى ينكشف ذكوريّته أو انثويته فيعلم مقدار الدية الواجبة بقتله؟

ربّما يقال: باتّحاد مدرك هذا الفرع مع ما سبقه، إلّاأنّ الظاهر خلافه، فإنّه قد وردت أخبار معتبرة بأنّ ديته ثلاثة أرباع دية الذكر.

ففي الصحيحة المروية عن كتاب ظريف عن أمير المؤمنين عليه السلام: «... وإن قتلت امرأة وهي حبلى متمّ فلم يسقط ولدها ولم يعلم أذكر هو أو انثى ولم يعلم أبعدها مات أم قبلها فديته نصفين نصف دية الذكر ونصف دية الانثى ودية المرأة كاملة بعد ذلك ...» «1».

فهذه الصحيحة قد حكمت بثبوت نصف الديتين له، وإطلاقها يعمّ ما إذا سأل أولياء دمه مقدار حقّهم لا أزيد ولا أنقص أو طلب القاتل تعيين مقدار الدية بلا زيادة أو نقصان وقد كان شقّ الجسد وملاحظة ذكورة الحمل وانوثته في ذلك‏ الزمان ممكناً كما حكموا به لإخراج الحمل حيّاً فتعيين نصف الديتين فيه إذا انضمّ إلى أدلّة حرمة الشقّ يستفاد منهما ثبوت الحرمة هنا، كما لا يخفى.

الفرع الثامن: ممّا يجدر الإشارة إليه أنّ ما مرّ من جواز الشقّ أو التقطيع إذا أوصى به الميّت‏

إنّما هو في غير العورتين وفي غير تشريح بدن الرجل للمرأة وعكسه، وإلّا فالأدلّة الدالّة على حرمة النظر تدلّ على حرمته هنا أيضاً، وإذن الميّت فيه بالوصية لا يوجب تغييراً في حكم اللَّه تعالى وحقّه، كما كان كذلك في زمن حياته أيضاً.

ومنه تعرف حكم أجساد الكفّار في هذه المسألة فكلّ ما لم يجز النظر إليه من أبدانهم لا يجوّزه كون النظر لغاية تعلّم الطب، اللّهمّ إلّاأن يبلغ حدّ الضرورة والاضطرار المسوّغ للحرام، كما في غيره من الموارد.

الفرع التاسع: كلّ ما كان يجوز الإقدام عليه بعد وصية الميّت به‏

وإذنه فيه جاز الإقدام عليه بإذن ولي أمر المسلمين؛ ضرورة انّه حيث كان وليّهم فإذا راعى مصلحة الامّة ورأى أنّ التشريح يوجب تقدّم علم الطب في البلاد الإسلامية وبالمآل يوجب سيادة الامّة وأذن فيه كان إذنه قائماً مقام إذن صاحب الجسد بمثل الوصية، فإنّه بمقتضى ولايته إذن جائز ونافذ على المولّى عليهم؛ لأنّ إليه نظم امورهم وانّه وليّهم القيّم عليهم. ومن الواضح انّ الوليّ والقيّم إذا رأى مصلحة من ولّي عليهم في الإقدام على عمل فأذن فيه، فلا بدّ من نفوذ إذنه ولا يتوقّف على إذن المولّى عليهم وإلّا لما كان وليّاً؛ فإنّه لا معنى لأن يكون عدم رضا المولّى عليه مانعاً من نفوذ إذن الولي، فإنّه مساوق لإنكار الولاية. نعم، ولي أمر المسلمين إنّما يكون ولياً على الامّة بمعنى انّه ليس له إلّارعاية المصلحة العامّة للُامّة، ولا يتصرّف‏ فيما كان مصلحة خاصّة عائدة للأشخاص فقط، وتمام الكلام وتفصيل المقال موكول إلى مجال واسع.

الفرع العاشر: هل الإقدام على شقّ جسد الميّت وتقطيع أعضائه لغرض تعليم العلوم الطبيّة يوجب الدية أو الأرش؟

لا ينبغي الريب في أنّه إذا كان العمل غير جائز فهو مشمول لأدلّة إيجاب الدية، وإنّما يقع الكلام في موارد جوازه، وهي تتصوّر في صور ثلاث:

الصورة الاولى: أن يكون مبنى الجواز وصيّة الميّت به، وقد عرفت أنّها توجب جواز الإقدام عليه، لكن الوصية ربّما تكون بمجرّد الانتفاع بجسده في التعليم من دون وصية بكونه مجاناً أو مع التصريح بعدم المجانية، وحينئذٍ فأدلّة الديات والأرش محكّمة؛ ضرورة انّ الدية والأرش بمنزلة التقويم للجرح أو القطع الوارد على البدن، وكما انّ الإذن في التصرّف في الأموال لا ينافي أن يكون المتصرّف ضامناً للمال فهكذا هنا، فالوصية موجبة لجواز العمل، وأدلّة الديات موجبة للدية أو الأرش.

وأمّا إذا كانت الوصية بأن يجعل الجسد بيد المعاهد العلمية مجاناً فالظاهر سقوط الدية والأرش؛ وذلك ممّا عرفت أنّ الدية والأرش عوض عن الجرح والقطع الواردين على الميّت، والوصية إدامة للحقّ الثابت للإنسان في زمن حياته إلى ما بعد وفاته.

ومن المعلوم أنّ كلّ أحد أولى بنفسه من غيره، فإذا أذن- بالوصية- في التصرّف المجاني في جسده فقد أسقط العوض المقرّر له، ولا محالة لا يثبت دية حتى يتعلّق بها حقّ ورثته.

فلا يقال: إنّ الدية حقّ متعلّق بالوارث، وليس له أن يتصرّف فيها، فإنّه إنّما كان لهذا المقال مجال إذا ثبت دية وأراد الشخص أن يوصي بديته المأخوذة، وأمّا إذا أوصى بالمجانيّة فقد سدّ باب تعلّق الدية وحصولها، كما لا يخفى.

الصورة الثانية: أن يكون مبنى الجواز الاضطرار إليه لتوقّف حفظ حياة الأحياء عليه، فمن الواضح انّ الاضطرار إنّما يرفع المنع التكليفي، ولا ينافيه تعلّق الدية التي قد عرفت أنّها عوض مالي عن الجرح أو القطع الوارد عليه.

الصورة الثالثة: أن يكون مبناه إذن ولي أمر المسلمين، ومن المعلوم انّ مصلحة الامّة إذا اقتضت مجرّد الإقدام على الشقّ والتقطيع كما هو الظاهر، فالدية أو الأرش بأقسامه على حاله، وأمّا إذا اقتضت المجانية أيضاً فإذنه إذن الولي الذي لا مجال معه للمولّى عليه.

وقد يقال: إنّ الديات إنّما هي أعواض عن الجنايات العمدية؛ ولذلك فقد ورد في ذيل خبر الحسين بن خالد عن أبي الحسن عليه السلام: «... قلت: فإن أراد رجل أن يحفر له ليغسله في الحفرة فسدر الرجل ممّا يحفر فدير به فمالت مسحاته في يده فأصاب بطنه فشقّه فما عليه؟ فقال: إذا كان هكذا فهو خطأ، وكفّارته عتق رقبة أو صيام شهرين [متتابعين خ ل‏] أو صدقة على ستّين مسكيناً مدّ لكلّ مسكين بمدّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم» «1». فدلّ على أنّ شقّ بطن الميّت إذا كان خطأ، فليس فيه سوى الكفّارة، فتعلّق الدية دائر مدار الحرمة، وإذا كان الشقّ جائزاً لكونه خطأ كما في مورد الحديث- أو لغير ذلك كما في الصور المذكورة فلا يتعلّق به دية أصلًا.

أقول: إنّ الدية كما عرفت عوض مالي تثبت شرعاً في موارد العمد والخطأ كما هو بيّن، وإطلاق قوله عليه السلام في مَن قطع رأس الميّت: «عليه الدية» يقتضي ثبوتها في جميع الموارد.

وأمّا خبر الحسين بن خالد فهو ضعيف السند أوّلًا، وأعرض الأصحاب عنه‏ كما في الجواهر ثانياً، ولا يدلّ على سقوط الدية عن مورد الخطأ ثالثاً؛ فإنّ لقائل أن يقول: إنّ قوله عليه السلام: «إذا كان هكذا فهو خطأ» يدلّ على أنّه حينئذٍ محكوم بحكم الخطأ يتعلّق به الدية وتكون على العاقلة، وقوله عليه السلام بعده: «وكفّارته» إيجاب للكفّارة زائدة على الدية المقرّرة، كما لا يخفى واللَّه العالم.

هذا ما وفّقني اللَّه له من الكلام في المباحث المتعلّقة بتشريح بدن الميّت وتقطيع أعضائه.

والحمد للَّه ‏ربّ العالمين

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2187449

السبت
23-سبتمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع