مقالات: سماحة آية الله الشيخ محمد تقي بهجت (قدس سره) [1334 - 1430]      •      هل من اقتصادٍ في الإسلام؟      •      دلالة المعجزة في القرآن      •      هل تكفي رؤية الهلال بالمراصد والتلسكوب؟      •      حكمة الحذر من الصديق      •      مسائل وردود: ألا توجد عبادة في الآخرة ؟      •      في من ظهرت لديه علامة بلوغ واحدة فقط      •      في قراءة الأبراج      •      الشك في غسل الجنابة      •      كيف أكف عن معصية الله؟      •     
» مقالات فقهية
» التشريح في التعليم الطبي (1)
» الكاتب: آية الله الشيخ محمد المؤمن - قراءات [9751] - نشر في: 2012-05-17


[تمهيد]

لا ريب في أنّ التشريح قد أصبح في عصرنا الحاضر له دور أساس ومؤثّر في الدراسات الطبية، إضافة إلى أثره الملحوظ في علوم ومجالات أخرى ... أمّا ما هو موقف الفقه في هذه المسألة الهامّة؟ ... هذا ما حاول التوصّل إليه صاحب هذه الدراسة القيّمة، حيث أثبت- وبعد المحاكمة العلمية الدقيقة للأدلّة- أنّ ما دلّ على احترام الإنسان الميّت كالحيّ يقتضي حرمة التشريح ... ثمّ رتّب على ذلك عدّة نتائج وفرّع جملة فروع.

إنّ شقّ جسد الميّت وتقطيع أعضائه لغاية تعليم طلّاب العلوم الطبّية أمر حادث أوجبه التقدّم العلمي الحديث؛ ولذلك لا يوجد التعرّض لأمثال ذلك في كلمات علمائنا الأقدمين، وإنّما تعرّض له بعض المتأخرين ممّن عاصرناهم.

 [كلمات الفقهاء]

نعم، قد تعرّض الأقدمون لمسألة التنكيل بالميّت ولتعلّق الدية بقطع أعضائه وشقّها.

فقال السيّد المرتضى في الانتصار: «وممّا انفردت به الإمامية بأنّ من قطع رأس ميّت فعليه مئة دينار لبيت المال، وخالف باقي الفقهاء في ذلك. دليلنا على‏ صحّة ما ذهبنا إليه الإجماع المتكرّر. فإذا قيل: كيف يلزمه دية وغرامة، وهو ما تلف عضو الحي؟! قلنا: لا يمتنع أن يلزمه ذلك على سبيل العقوبة؛ لأنّه مثّل بالميّت بقطع رأسه فاستحقّ العقوبة بلا خلاف، فغير ممتنع أن تكون هذه الغرامة من حيث كانت مؤلمة، وتألّمه يجري مجرى العقوبة جملتها» «1» انتهى.

وقال شيخ الطائفة في الخلاف: «إذا قطع رأس ميّت أو شيئاً من جوارحه ممّا يجب فيه الدية كاملة لو كان حيّاً كان عليه مئة دينار دية الجنين، وفي جميع ما يصيبه ممّا يجب فيه مقدّر وأرش من حساب المئة ما يحقّ للحي من الألف، ولم يوافقنا في ذلك أحد من الفقهاء ولم يوجبوا فيه شيئاً. وعندنا: انّه يكون ذلك للميّت يتصدّق به عنه ولا يورث ولا ينقل إلى بيت المال. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وقد أوردناها في الكتاب الكبير» «2»، انتهى.

وقال أبو المكارم ابن زهرة في الغنية: «وفي قطع رأس الميت عُشر ديته، وفي قطع أعضائه بحساب ذلك، ولا يورث ذلك بل يتصدّق به عنه. كلّ ذلك بدليل الإجماع المشار إليه» «3»، انتهى.

وقال المحقّق في الشرائع: «المسألة الثانية: في قطع رأس الميت المسلم الحرّ مئة دينار، وفي قطع جوارحه بحساب ديته، وكذا في شجاجه وجراحه، ولا يرث وارثه منها شيئاً، بل تصرف في وجوه القرب عنه عملًا بالرواية.

وقال علم الهدى رحمه الله: تكون لبيت المال» «4»، انتهى.

وفي المسالك في التعليق على هذه المسألة: «هذا الحكم هو المشهور بين الأصحاب، ومستنده أخبار كثيرة» «5»، انتهى.

وفي الجواهر عند شرحه للمسألة «الثانية: في قطع رأس الميّت المسلم الحرّ مئة دينار على المشهور بين الأصحاب، بل عن الخلاف والانتصار والغنية الإجماع عليه» «6»، انتهى.

وبالجملة، فمسألة تعلّق الدية بالجناية على الميّت مذكورة في كلماتهم قديماً وحديثاً، وما نقلناه نموذج منها. ومن أراد اطلاعاً ووقوفاً أكثر فليراجع.

أقول: إنّ‏ تشريح جسد الميّت وشقّه وتقطيع أعضائه يمكن أن يتضمّن عناوين ثلاثة

، ربّما يوجب كلّ منها حرمته:

العنوان الأوّل: (هتك حرمة الميّت)

فإنّ التشريح مخالف لحرمة الميّت وهتك لها، وقد دلّت أدلّة كثيرة على وجوب رعاية حرمة الميّت كالحي:

ففي صحيحة عبداللَّه بن سنان وخبر عبداللَّه بن مسكان- الذي هو أيضاً صحيح بسند الصدوق- عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «في رجل قطع رأس الميّت، قال: عليه الدية؛ لأنّ حرمته ميّتاً كحرمته وهو حي» «1».

بيان الدلالة: أنّه عليه السلام قد حكم بالدية وعلّله بتلك العلّة. والحرمة على ما في كتب اللغة والاستعمالات المتعارفة وإن كانت مستعملة في معنى الاحترام وأخذ الحريم للإنسان أو شي‏ء آخر وفي معنى الحرمة التي هي أحد الأحكام التكليفية، إلّا أنّ المناسب لمقام التعليل المذكور إرادة الاحترام، حيث إنّ الدية عوض وجابر للجناية الواردة، فالمناسب أن تعلّل بما يحكي عن حقّ يعوَّض بها، وهو إنّما يكون بإرادة معنى الاحترام وكون الشي‏ء ذا حريم يمنع انتهاكه، فإذا هتكه هاتك فقد تجاوز عليه وأتلف حقاً منه، فعليه أن يعطي عوضاً عنه وهو الدية. وأمّا إرادة الحرمة التكليفية فهي غير مناسبة هنا قطعاً؛ إذ الحرمة التكليفية معبّرة عن حقّ للَّه‏تعالى وطلب منه فلا يتعقّبه إلّاالعصيان والحدّ أو التعزير.

وبالجملة، فلا ريب في إرادة ما لا يحلّ انتهاكه من الحرمة هنا. قال في المصباح المنير: «الحُرمة- بالضمّ- اسم من الاحترام مثل الفرقة من الافتراق» «2». وفي أقرب الموارد والمنجد والنهاية الأثيرية: «الحرمة ما لا يحلّ انتهاكه» «3».

فإذا اريد بالحرمة الاحترام فلا محالة يكون مرجع الضمير الذي اضيفت الحرمة إليه هو الميّت. وتكون العبارة كأنّه قال: حرمة الميّت كحرمته وهو حيّ، فيدلّ على أنّ جميع الحقوق التي جعلها الشارع للإنسان زمن حياته وكانت لازمة الرعاية في حقّه فهي ثابتة له بعدما مات.

ومن المعلوم أنّ من حقوق الحيّ أن لا يتعرّض له في جسده بقطع ولا خرق ولا خدش، بل ولا حلق شعر، ويكون جميع ذلك تحت اختياره، والتجاوز على كلّ منها هتكاً لحرمته موجباً للقصاص والدية تكريماً له ورعاية لحرمته، فهكذا الأمر بعد وفاته بالنسبة لأصل ثبوت الحقّ والاحترام له مع غضّ النظر عن حدّ هذه الحرمة.

وما ذكرناه من أنّ تحريم إلحاق الأذى بالحيّ في قالب أيّ عمل كان إنّما هو من باب رعاية حقّه، وهو- مضافاً إلى وضوحه بنفسه- مستفاد من أخبار كثيرة:

منها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللَّه عليه السلام في حديث قال: «إنّ عندنا الجامعة. قلت: وما الجامعة؟ قال:

صحيفة فيها كلّ حلال وحرام وكلّ شي‏ء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش، وضرب بيده إليَّ. فقال: أتأذن يا أبا محمّد؟ قلت: جعلت فداك، إنّما أنا لك، فاصنع ماشئت، فغمزني بيده وقال: حتى أرش هذا» «1» فإنّ إقدامه عليه السلام على الاستئذان منه في مثل ذلك الغمز الخفيف فيه دلالة واضحة على أنّ تحريم مثله إنّما هو لرعاية حقّه بحيث يجوز ارتكابه مع إذنه، وليس مثل تحريم الخمر يكون حقّاً إلهيّاً محضاً.

ومنها: معتبرة إسحاق بن عمّار عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في ما كان من جراحات الجسد انّ فيها القصاص أو يقبل المجروح دية الجراحة فيعطاها» «2» فإنّ جعل أمر القصاص إلى المجروح وسقوطه بقبوله للدية دليل صريح على ما ذكرنا.

ومثلها، بل أوضح منها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «سألته عن السن والذراع يكسران عمداً لهما أرش أو قود؟ فقال عليه السلام: قود. قال: قلت: فإن أضعفوا الدية؟ قال عليه السلام: إن أرضوه بما شاء فهو له» «1»، فإنّه قد زاد فيها أنّ معيار سقوط القصاص إنّما هو رضاية المجنيّ عليه وإن كان بإعطاء أضعاف الدية الشرعية.

بل قد ورد نظير هذه الأخبار في باب قتل العمد، ففوّض اختيار القود والانتقال إلى الدية أو أكثر منها أو أقلّ إلى أولياء الدم الذين هم ورثة المقتول، فهو حقّ انتقل إليهم من ميّتهم، مثل صحيحة عبداللَّه بن سنان قال: سمعت أباعبداللَّه عليه السلام يقول: «من قتل مؤمناً متعمّداً قيد منه إلّاأن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية، فإن رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل فالدية» «2» .. الحديث.

وما رواه يونس بإسناد معتبر عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «من قتل مؤمناً متعمّداً فإنّه يقاد به إلّا أن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية أو يتراضوا بأكثر من الدية أو أقلّ من الدية فإن فعلوا ذلك بينهم جاز» «3» .. الحديث.

وبالجملة، لا ريب في أنّ تحريم إيراد أنواع الأذى على الحيّ إنّما هو بمعيار أنّ كلّ أحد له حرمة يمنع معها التعرّض له بشي‏ء، وأنّ اللَّه تعالى أوجب رعاية حقّه وجعل له حرمة لازمة الرعاية حتى في مثل الخدش والغمز والضرب، والتعرّض لذكر الأحاديث الدالّة عليه من قبيل توضيح الواضحات. فإذا مات فقد حرم التعرّض لبدنه بجميع ما كان التعرّض له به حراماً في حياته، فإنّ حرمته ميّتاً كحرمته وهو حي، على ما نطقت به الأخبار التي مرّ نموذج منها، فراجع. فهذه الطائفة من الأخبار تامّة الدلالة على حرمة خرق بدن الميّت وتقطيع جسده وأعضائه.

العنوان الثاني: (التمثيل)

فإنّه يمكن أن يقال: إنّ كلّاً من خرق الجسد وتقطيع الأعضاء تمثيل به، وهو حرام. ففي صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم إذا بعث سرية دعا بأميرها فأجلسه إلى جنبه وأجلس أصحابه بين يديه ثمّ قال: سيروا بسم اللَّه وباللَّه وفي سبيل اللَّه وعلى ملّة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم لا تغدروا ولا تغلّوا ولا تمثّلوا ولا تقطعوا شجرة، إلّاأن تضطرّوا إليها، ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبياً ولا امرأة ...» «1» الحديث.

وفي خبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كان إذا بعث أميراً على سرية أمره بتقوى اللَّه في خاصة نفسه، ثمّ في أصحابه عامّة، ثمّ يقول: اغزُ بسم اللَّه وفي سبيل اللَّه، قاتلوا من كفر باللَّه، ولا تغدروا ولا تغلّوا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليداً ولا متبتّلًا في شاهق ...» «2».

وفي وصية أمير المؤمنين عليه السلام للحسنين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم (لعنه اللَّه): «انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه، فاضربوه ضربة بضربة لا تمثّلوا بالرجل، فإنّي سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم يقول: إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور» «3».

إلى غير ذلك من الأخبار، فهذه الروايات- التي فيها صحيحة السند- تضمّنت النهي عن التمثيل بالكفّار الحربيّين، والنهي دليل على الحرمة، فإذا حرم في الكافر لكان في المسلم أيضاً حراماً قطعاً، وليس التمثيل إلّاقطع بعض الأعضاء كالاذن والأنف والرجل واليد. هذا.

إلّاأنّ لقائل أن يمنع صدق التمثيل على مجرّد شقّ الجسد وخرقه أو قطع أعضاء البدن، بل الظاهر أنّ التمثيل هو ما كان من القطع بغاية التنكيل والتعذيب، بحيث يصير عبرة لغيره.

ففي المصباح: «مثّلت بالقتيل مثلًا- من بابي قتل وضرب- إذا جدعته وظهر آثار فعلك عليه تنكيلًا، والتشديد مبالغة، والاسم المثلة وزان غرفة، والمَثُلة بفتح الميم وضمّ الثاء- العقوبة» «1». وفيه: «جدعت الأنف جدعاً- من باب نفع قطعته، وكذا الاذن واليد والشفة» «2».

وفيه أيضاً: «نكل من ينكل- من باب قتل- ونكلته قبيحة: أصابه بنازلة، ونكّل به بالتشديد، والاسم النكال» «3».

وفي المنجد «مثل- مثلًا مثلة- بالرجل: نكّل. بالقتيل: جدعه وظهرت آثار فعله عليه تنكيلًا». وفيه: «نكّل به:

صنع به صنيعاً يحذّر غيره ويجعله عبرة له» «4».

وعليه، فشق الجسد أو قطع العضو إذا كان لغاية عقلائية- كما في ما نحن فيه‏ليس مصداقاً لعنوان التمثيل، كما هو واضح.

العنوان الثالث: (استلزامه تأخير الدفن)

فإنّ تشريح جسد الميّت وأعضائه يستلزم عادة تأخير دفنه، مع أنّ الدفن واجب، وتأخيره زمناً طويلًا غير جائز.

أمّا وجوب الدفن فلعلّه من الضروريات، ويدلّ عليه من الروايات:

موثقة سماعة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «سألته عن السقط إذا استوت خلقته يجب عليه الغسل واللحد والكفن؟ قال:

نعم، كل ذلك يجب عليه إذا استوى» «5».

وصحيحة علي بن جعفر انّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليهما السلام «عن الرجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به؟ قال: يغسّل ويكفّن ويصلّى عليه ويدفن» «6» رواها المشايخ الثلاثة قدس سرهم «7».

ومثلها بعينها صحيحة خالد بن ماد القلانسي «8»، فإنّه عليه السلام عبّر عن وجوب الدفن بجملة إخبارية ظهورها في الوجوب ممّا لا ينكر.

كما يدلّ عليه في خصوص قِطع جسد الميّت ما رواه إسحاق بن عمّار عن الصادق عن أبيه عليهما السلام «انّ علياً عليه السلام وجد قطعاً من ميّت فجمعت ثمّ صلّى عليها ثمّ دفنت» «1» فإنّ نقل فعل أمير المؤمنين عليه السلام في مقام بيان الحكم ظاهر في إرادة بيان أنّ قِطَع بدن الميّت بحكم الكلّ في وجوب دفنها، فتأمّل.

وفي مرسل البرقي عن بعض أصحابه عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إذا وجد الرجل قتيلًا فإن وجد له عضو تامّ صلّي عليه ودفن، وإن لم يوجد له عضو تام لم يصلِّ عليه ودفن» «2» وظهوره في وجوب دفن العضو تامّاً وناقصاً واضح.

هذا بالنسبة إلى أصل وجوب الدفن.

وامّا عدم جواز تأخيره فربّما يستدلّ له بالأخبار الواردة في الحثّ على تعجيل تجهيز الميّت.

ففي خبر جابر بن يزيد الجعفي عن أبي‏جعفر عليه السلام قال: «قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: يا معشر الناس لا ألقينّ (ألفين) رجلًا مات له ميّت ليلًا فانتظر به الصبح، ولا رجلًا مات له ميّت نهاراً فانتظر به الليل، لا تنظروا بموتاكم طلوع الشمس ولا غروبها، عجّلوا بهم إلى مضاجعهم يرحمكم اللَّه. قال الناس: وأنت يا رسول اللَّه يرحمك اللَّه» «3».

وفي خبر السكوني عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: إذا مات الميّت أوّل النهار فلا يقيل إلّافي قبره» «4».

وفي خبر عيص عن أبي عبداللَّه عن أبيه عليهما السلام قال: «إذا مات الميّت فخذ في جهازه وعجّله» «5».

إلى غير ذلك من الأخبار التي حثّت على التعجيل في جهاز الميّت، وظاهرها بنفسها وجوبه، ولو حملت على التعجيل عرفاً لما كان ينبغي الريب في أنّ تأخير دفنه أياماً عديدة منافٍ له.

إلّاأن يقال: إنّ سندها ضعيف بالإرسال والاشتمال على المجاهيل أو الضعاف، مضافاً إلى أنّه قد روى الصدوق مرسلًا في من لا يحضره الفقيه، فقال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «كرامة الميّت تعجيله» «1» فهو يدلّ على أنّ التعجيل إنّما استحبّ وامر به لمكان انّه كرامة للميّت، فلا محالة يكون حدّ الوجوب ما ينافي كرامته ويكون إهانة له، وبعبارة اخرى:

إنّ تكريم المؤمن ليس بإطلاقه واجباً، وإنّما اللازم أن لا يهان ولا يستخفّ به، فالتعجيل لمّا كان تكريماً محضاً، فهو مستحبّ غير واجب. نعم، إذا أوجب التأخير إهانة له كان حراماً، فضمّ هذه المرسلة- التي أسندها الصدوق إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم جزماً، ولا يقصر سندها عن الأخبار الاخر- إليها يصير قرينة على أنّ التعجيل ما لم يؤدّ تركه إلى الإهانة مستحب ليس إلّا، فهي قرينة على إرادة الاستحباب من هذه الأخبار، وإذا أدّى إلى الإهانة كان حراماً بلا شبهة، فإنّ حرمته ميّتاً كحرمته وهو حي. فالحاصل: أنّ التعجيل بما هو تعجيل مندوب، والمحرّم هو الإهانة، واللَّه العالم.

فقد تحصّل أنّ المعتمد في القول بحرمة خرق جسد الميّت وشقّه وتقطيع أعضائه هي الطائفة الاولى من الأدلّة، وانّ هذه الحرمة إنّما هي لمكان الاحترام المشروع له حال حياته، وانّ حرمته ميّتاً كحرمته وهو حيّ.

 

وبعد ذلك يقع الكلام في فروع:

الفرع الأوّل:

إذا كان خرق الجسد لغرض أهمّ من حفظ هذه الحرمة للميّت،

كما إذا توقّف حفظ حياة حيّ عليه، فمقتضى قاعدة باب التزاحم جوازه حينئذٍ، بل وجوبه، ويدلّ عليه أيضاً:

صحيحة علي بن يقطين قال: «سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن المرأة تموت وولدها في بطنها يتحرّك. قال: يشقّ عن الولد» «2» وظاهرها- كما ترى- وجوب الشقّ وإخراج الولد.

ومثلها مرسل بن أبي عمير وخبر علي بن أبي حمزة وموثقة محمّد بن مسلم وغيرها «1».

وفي خبر وهب بن وهب‏رواه الكليني والشيخ 0- عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «قال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا ماتت المرأة وفي بطنها ولد يتحرّك فيتخوّف عليه فشقّ بطنها وأخرج الولد. وقال في المرأة يموت ولدها في بطنها فيتخوّف عليها قال: لا بأس أن يدخل الرجل يده فيقطعه ويخرجه إذا لم ترفق به النساء». وفي اللفظ اختلاف لا يضرّ بالمعنى ونقلناه عن الكافي «2».

ومورد الأخبار- كما ترى- موت الحامل دون الحمل وبالعكس. وهو أحد مصاديق باب التزاحم.

وعليه، فلو توقّف كشف مرض يوجب الموت وعلاجه على شقّ بدن ميّت مات عقيب الابتلاء به، لكان شقّ جسده جائزاً لكي يتّضح حقيقة هذا المرض ويعالج غيره ممّن هو مبتلى به كما لا يخفى.

الفرع الثاني:

إذا أوصى إنسان بأن يكون جسده تحت تصرّف المراكز العلمية لكي يشقّ أو يقطع أعضاؤه ويستفيد منه طلبة الطبّ في ازدياد معلوماتهم الطبية وارتقائها، فالظاهر جواز الوصية ووجوب العمل بها؛ وذلك لما عرفت أنّ سرّ حرمة الشقّ أو التقطيع هو أنّ الشارع الأقدس راعى حقّ الميّت وأوجب حرمته فجعلها كحرمته وهو حيّ، ومن الواضح أنّ للإنسان في حال حياته أن يفعل ببدنه ما يشاء إذا كان له مصلحة مرعية ولم يرد نهي عنه شرعاً، والنهي إنّما ورد عن قتل نفسه، وأمّا ما دونه فلا دليل على حرمته إلّامثل قوله عليه السلام: «لا ضرر ولا ضرار» بناءً على شموله للإضرار بنفسه أو غير ذلك. وقد حقّقنا- في البحث عن مفهوم الضرر- أنّه لا يصدق إذا كان في تحمّل النقص المالي أو البدني غاية عقلائية يعوّض بها ذلك النقص، فكما أنّ له أن يفعل ببدنه ما دون القتل في حياته فكذلك يجوز له أن يوصي به بالنسبة لما بعد وفاته؛ وذلك أنّ أدلّة الوصية توصل حياته بموته، وتوسّع دائرة اختياراته المشروعة لما بعد وفاته، فمن مثل قول الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام: «الوصية حقّ، وقد أوصى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم، فينبغي للمسلم أن يوصي» «1» يفهم العرف أنّ ما كان للإنسان أن يفعله من التصرّفات والحقوق غير المشروطة بالمباشرة فله أن يوصي بأن تفعل بعد وفاته، فأدلّة الوصية تعميم لاختياراته وتوسعة لها إلى ما بعد الممات.

إن قلت: إنّ شقّ جسد الميّت وتقطيع أعضائه إهانة له وإذلال، وقد ورد النهي عن إذلال النفس في زمن الحياة، فلا محالة ليس له الوصية به بعد الوفاة. والدليل على حرمة الإذلال أخبار معتبرة مستفيضة: ففي موثقة أبي بصير عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إنّ اللَّه تبارك وتعالى فوّض إلى المؤمن كلّ شي‏ء إلّاإذلال نفسه» «2»، وفي موثقة سماعة قال: «قال أبو عبداللَّه عليه السلام: إنّ اللَّه فوّض إلى المؤمن اموره كلّها، ولم يفوّض إليه أن يذلّ نفسه، أمَا تسمع لقول اللَّه: (وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ)» «3» الحديث، إلى غير ذلك.

قلت: لا نسلّم كون الشقّ والتقطيع المذكورين إذا كانا عن وصية منه وإذن إذلالًا. نعم، ل

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2180232

الأربعاء
20-سبتمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع