مقالات: ظلم النفس بظلم أهل البيت عليهم السلام      •      هل القرآن قابل للفهم      •      في حُجّيّة الظهور      •      في إثبات صانع العالم وبيان صفاته      •      الانسانية الكاملة      •      مسائل وردود: ما حكم المشاركة في المنتديات ؟      •      كيف أُصلي صلاة الليل؟      •      الجبر والتفويض في حباة الإنسان      •      تقدم شاب لخطبة فتاة هل يصح أن تقول له ماضيها      •      ما هي (العارية)      •     
» مقالات حقوقية وقانونية
» استقلال المرأة في الإسلام
» الكاتب: الشيخ مرتضى مطهري - قراءات [9905] - نشر في: 2014-09-11


في الجاهلية العربية ـ كما في الجاهلية غير العربية ـ كان الآباء يعطون لأنفسهم الولاية المطلقة على البنات والأخوات ، وحتى الأُمّهات في بعض الأحيان ، ولا يعترفون لهنّ بأيّ حق في اختيار الزوج ، وهذا الاختيار ـ في تصوّرهم ـ حق مطلق للأب أو الأخ وعند عدم وجودهما ، فالولاية للعم ، وقد بلغت الولاية على النساء في التزويج إلى حدّ أنّ بعض الآباء كانوا يزوّجون بناتهم قبل ولادتهن ! فإذا وُلدت البنت وجدت مَن ينتظرها ليأخذها زوجة له بعد أن تكبر .

 جاء في المرسل عن ابن عبّاس (رض) أنّ جارية بكراً جاءت النبي (صلّى الله عليه وآله) فقالت :

)إنّ أبي زوّجني من ابن أخ له ليرفع خسيسته وأنا له كارهة .

ـ أجيزي ما صنع أبوك .

ـ لا رغبة لي فيما صنع أبي .

ـ فاذهبي فانكحي مَن شئت .

ـ لا رغبة لي عن ما صنع أبي ، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء في أُمور بناتهم شيء).

أورد هذه الرواية الشهيد الثاني في المسالك ، وصاحب الجواهر (1) ، وغيرهم من الفقهاء نقلاً عن العامّة .

في الجاهلية العربية ـ كما في الجاهلية غير العربية ـ كان الآباء يعطون لأنفسهم الولاية المطلقة على البنات والأخوات ، وحتى الأُمّهات في بعض الأحيان ، ولا يعترفون لهنّ بأيّ حق في اختيار الزوج ، وهذا الاختيار ـ في تصوّرهم ـ حق مطلق للأب أو الأخ وعند عدم وجودهما ، فالولاية للعم ، وقد بلغت الولاية على النساء في التزويج إلى حدّ أنّ بعض الآباء كانوا يزوّجون بناتهم قبل ولادتهن ! فإذا وُلدت البنت وجدت مَن ينتظرها ليأخذها زوجة له بعد أن تكبر .

التزويج قبل الولادة

في آخر حجّة حجّها رسول الله وبينما كان راكباً وبيده سوط اعترض طريقه رجل وقال له :

ـ أشكو إليك يا رسول الله .

ـ قل

ـ قبل سنوات وفي الجاهلية اشتركت مع طارق بن مرقع في أحدى المعارك فاحتاج طارق في أثناء القتال إلى سهم فنادى : مَن يعطيني سهماً ويأخذ أجره ؟ فتقدّمت منه وقلت له : وما أجره ؟ قال : أعدك أن أعطيك أول فتاة تولد ، فقبلت وأعطيته السهم . ومرت الأيام والسنون حتى علمت أخيراً أنّ في بيته فتاة ناضجة ، فذهبت إليه وذكرته بالقضية وطالبته بالوفاء بالوعد الذي قطعه ، لكنّه نكص وأخذ يتذرّع بالحجج وطالبني بمهر وقد جئتك يا رسول الله لأرى هل الحق معه أم معي ؟

ـ وما عمر الفتاة ؟

ـ إنّها كبيرة ، وقد ابيض بعض شعر رأسها .

ـ ليس الحق معك ولا مع طارق ، انصرف إلى عملك وخلّ سبيل هذه الفتاة المسكينة .

تحيّر الرجل وبقي ينظر إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) وهو غارق في التفكير في أنّه أي حكم جائر هذا الذي أصدره الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؟ ... أليست للآباء ولاية على بناتهم ؟ ولماذا يحق للأب أن يأخذ مهراً جديداً ويعطي ابنته برضاه ؟

لكنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) أدرك من نظراته الحائرة ما يدور في ذهنه فقال له : (اعلم أنّك إن اتبعت قولي لن تأثم أنت ولن يأثم رفيقك طارق) .

مبادلة البنات

 أمّا نكاح الشغار فقد كان مظهراً آخر من مظاهر الولاية المطلقة للآباء على بناتهم ، ونكاح الشغار هو مبادلة البنات ؛ وذلك بأن يتفق رجلان على أن يزوّج كل منهما ابنته للآخر ، وتكون كل منهما مهراً بالنسبة للأُخرى ، لقد حرّم الإسلام هذا النوع من الزواج واعتبره باطلاً .

 الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، منح ابنته الزهراء حرّية اختيار الزوج

 لقد زوّج الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) عدداً من بناته دون أن يصادر حقّهن في الاختيار ، وعندما خطب علي بن أبي طالب (عليه السلام) الزهراء (عليها السلام) من أبيها قال له الرسول (صلّى الله عليه وآله) إنّ رجالاً آخرين كانوا قد طلبوا يدها ، وأنّه (صلّى الله عليه وآله) سوف يأخذ رأيها في الخاطب الجديد .

وذهب الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى ابنته الزهراء وأطلعها على الموضوع ، بيد أنّ الزهراء لم تعرض هذه المرّة كما كانت تفعل من قبل بل عبّرت عن رضاها بسكوتها فخرج الرسول (صلّى الله عليه وآله) من عندها وهو يكبّر .

النهضة الإسلامية للمرأة كانت نهضة بيضاء

لقد قدّم الإسلام أعظم الخدمات لجنس المرأة ، ولم يكن سلب الولاية المطلقة للآباء على بناتهم الخدمة الوحيدة التي قدّمها الإسلام في هذا الميدان . لقد منحها حريتها وشخصيتها واستقلالها الفكري واعترف بحقوقها الطبيعية ، لكن هناك فرقين أساسيّين بين ما فعله الإسلام في هذا السبيل وبيّن ما يجري في بلاد الغرب ويقلّده الآخرون هنا .

الأوّل : من وجهة نظر علم النفس إذ صنع الإسلام المعجزات في هذا المجال ، وسوف نبحث هذا الموضوع في الفصول القادمة ونعطي نماذج له .

الثاني : يتمثّل في أنّ الإسلام ـ وهو يعرف النساء بحقوقهن الإنسانية ، ويعترف لهن بشخصيتهن وحريتهن واستقلالهن ـ لم يدعهن إلى التمرّد والعصيان والطغيان ضد جنس الرجال ، ولم يزرع في نفوسهن التشاؤم منهم .

لقد كانت النهضة الإسلامية النسوية نهضة بيضاء ، ولم تكن سوداء ولا حمراء ولا زرقاء ولا بنفسجية ؛ فلم يقض الإسلام على احترام البنات لآبائهن والنساء لأزواجهن ، ولم يزعزع أسس البناء العائلي ، ولم يفسد نظرة المرأة إلى الحياة الزوجية والأُمومة وتربية الأطفال ، ولم يجعل المرأة متاعاً للعزّاب الذين يبحثون عن صيد ، ولم ينتزع النساء من أحضان أزواجهن والفتيات من كنف أُمّهاتهن وآبائهن ويسلّمهن إلى المترفين من أصحاب المناصب العليا ، لم يفعل الإسلام ما يؤدّي إلى ارتفاع صيحات الاستغاثة إلى السماء من الجانب الآخر من المحيط داعية بالويل والثبور لانهيار كيان العائلة المقدّس وفقدان الاطمئنان الأبوي : ماذا نفعل مع كل هذا الفساد ؟ ماذا نفعل مع قتل الأطفال وإسقاط الأجنّة ؟

وبنسبة الـ (40%) من الولادات غير الشرعية لمواليد يعرف آباؤهم ، وأُمّهات لا يرغبن في تربيتهم ؛ لأنّهم لم يلدنهم في بيوت يظلّلها حنان الآباء ، فيرمين بهم في المؤسسات الاجتماعية وتنقطع علاقتهن بهم إلى الأبد .

إنّ بلادنا محتاجة إلى نهضة نسائية ... نهضة إسلامية بيضاء ، لا نهضة سوداء على الطريقة الأوروبية ... نهضة لا تتدخّل فيها الأيدي الدنسة لعباد الشهوات من الشبّان ... نهضة تنبع فعلاً من التعاليم السامية ولا تسخر القوانين الإسلامية للأهواء والشهوات باسم تغيير القانون المدني ، نهضة تقوم أوّلاً بالدراسة المنطقية والمعمقة التي تهدف إلى معرفة مدى تطبيق التعاليم الإسلامية في المجتمعات التي تطلق على نفسها اسم الإسلام .

وإذ وفقنا الله تعالى لإكمال هذه المقالات وبحث النقاط الضرورية ، فسوف نعرض نتائج ومكاسب النهضة الإسلامية للمرأة وسوف تجد المرأة الإيرانية أنّ باستطاعتها القيام بنهضة حديثة ـ مستقلّة ومنطقية ـ تنبع من فلسفتها المستقلّة التي ظهرت قبل أربعة عشر قرناً من غير أنّ تمدّ يد الضراعة إلى عالم الغرب .

إذن الأب

 المسألة المطروحة حول ولاية الآباء على بناتهم هي : هل تشترط موافقة الأب في زواج ابنته البكر أم لا ؟

من وجهة النظر الإسلامية هناك عدّة نقاط لا جدال فيها :

يتمتّع الابن والبنت ـ كلاهما ـ بالاستقلال الاقتصادي ؛ إذ يحق لكل منهما التصرّف في أمواله أو الاحتفاظ بها إذا كان بالغاً عاقلاً ورشيداً أيضاً ، أي ناضجاً فكرياً من وجهة نظر المجتمع ، وليس للأب أو الأم أو الزوج أو الأخ ، أو أي شخص آخر حق الإشراف عليهما ، أو التدخّل في شؤونهما من هذه الناحية .

وإذا بلغ الفتى سن الرشد وكان عاقلاً رشيداً فإنّه يملك أمره ، ولا يحق لأحد أن يفرض عليه شيئاً في موضوع زواجه .

أمّا الفتاة فإنّها إن كانت ثيّباً فهي أيضاً تملك أمرها كما هو الحال بالنسبة للفتى . ولكن ما هو حكم الفتاة البكر التي تريد الاقتران برجل لأوّل مرّة ؟

لا شك في أنّه ليست لأبيها عليها سلطة مطلقة ، ولا يحق له أن يزوّجها من يشاء بدون رضاها ، فقد رأينا كيف أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) كان صريحاً في جوابه للفتاة التي زوّجها أبوها بدون أن يأخذ رأيها ، إذ قال (صلّى الله عليه وآله) لها : بأنّها تستطيع ـ إن لم تكن راغبة بذلك ـ الزواج من غيره . إنّ الاختلاف الموجود بين الفقهاء ، يدور حول مسألة : ألاّ يحق للفتيات الباكرات الزواج بدون موافقة آبائهن ؟ أم أنّ موافقة الآباء ليست شرطاً في صحّة الزواج في أيّ حالٍ من الأحوال ؟

وهناك مسألة أخرى لا خلاف فيها أيضاً وهي : إذا لم يأذن الأب بزواج ابنته ولم يكن لديه سبب معقول ، فإنّ ولايته تسقط ويحق للبنت أن تختار الزوج المناسب لها باتفاق كافّة الفقهاء .

أمّا هل تعتبر موافقة الأب شرطاً أم لا ؟ فقد قلنا بأنّ هناك اختلافاً بين الفقهاء حول هذه المسألة ، ولعلّ أغلبهم ـ وخصوصاً المتأخّرين ـ لا يعتبرون موافقة الأب شرطاً ، بينما يرى بعضهم أنّه شرط . وقانوننا المدني يتقيّد برأي هذا البعض ؛ وهو الرأي الأقرب للاحتياط .

وحيث إنّ هذه المسألة ليست من القضايا الإسلامية الثابتة ، فسوف لا أتناولها بالبحث من وجهة النظر الإسلامية ، ولكنّي أرى ضرورة بحثها من زاوية اجتماعية ؛ إضافة إلى رأيي الشخصي الذي أرى فيه أنّ قانوننا المدني قد نحا المنحى الصحيح في هذه القضية .

ـــــــــــــــــ

(1) جواهر الكلام ، ج29 ، ص177 ، عن سنن ابن ماجه ، ج1 ، ص : 578 .

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2307427

الأحد
17-ديسمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع