مقالات: المعرفة العلمية والفكرية لها عليها السلام      •      أهل البيت عليهم السلام مواقف وعِبَر      •      كيف يصنع المؤمن إرادته وهمته العالية      •      لماذا حرم الإسلام الموسيقى، وما فلسفة هذه الحرمة؟      •      الإسلام والتأثيرات الاجتماعية للإنحراف      •      مسائل وردود: السجدات الواجبة والمستحبة في القرآن      •      لماذا يستحب فتح العين عند الوضوء ؟      •      ما هي الأعمال التي تجلب الرزق والخير الكثير      •      شخص قُتل ، وترك زوجة وأطفالاً قُصَّر ، فهل ترث الزوجة من دية زوجها ؟      •      هل يجوز السماع للاناشيد الاسلامية بقصد التمتع بصوت المنشد؟      •     
» مقالات عامة
» العلم الإلهامي
» الكاتب: سماحة آية الله السيد عادل العلوي - قراءات [9805] - نشر في: 2009-03-27


العلم من المعاني الإضافية التي يتوقف تعلقها وتصورها على معانٍ أُخرى، فهو رابط بين العالم والمعلوم، أي بين ما كان مجهولاً من قبل فصار معلومًا عند العالم بعد العلم به، فبعد أن يكون الشيء مجهولاً فيكشف أمره لمن أراد أن يعلم به، فيكون معلوماً، فيكون العلم الذي هو بمعنى الكشف والظهور ورفع الجهل، وانطباع صورة الشيء في الذهن، أو حصوله في الذهن.

وهو إما أن يكون حصوليًا أو حضوريًا -كما هو المذكور بالتفصيل في كتب الفلسفة والمنطق- إلا أنه من ناحية أخرى لنا تقسيم جديد، فإنه ينقسم إلى اللدنّي والكسبي، أو بعبارة أخرى: إلى العلم الإلهي من لدن حكيم مباشرة أو بوسائط بشرية كالأنبياء والأوصياء والعلماء.

ويقصد من الأول أنه من عند الله من لدن حكيم، وهو يختص بخاصّة عباده، والثاني لعامة الناس. ثم اللدنّيّ على نحوين: فإما أن يكون وحيًا بملَك أو غيره، كالرؤيا النبوية للأنبياء والمرسلين، أو إيحاءً، وهو على نحوين أيضًا: إما ان يكون قرعا في الأسماع ونكتا في القلوب، وهو مختص بالأوصياء والأئمة الأطهار (ع)، أو إلهامًا من الله سبحانه، وهذا من الكلّي التشكيكي، و هو ذو مراتب طوليّة وعرضيّة، ينزل من السماء، بفيض من الله عزوجل يختص به الأولياء والمؤمنون الصلحاء، فإن المؤمن محدَّث -بفتح الدال- تحدثه الملائكة إلهامًا، كما ورد في دعاء المطالعة حيث يستحب الدعاء قبل مطالعة الكتاب: (اللهم ارزقني فهم النبيين وحفظ المرسلين وإلهام الملائكة المقربين)، كما أنه ورد في أوصاف المؤمنين والمتقّين أن الله يناجيهم في سرّهم -أي نفوسهم- فيلهمهم سبحانه وتعالى من العلم اللدنّي الإلهي -وربما من هذا ما ورد في حق السيدة زينب الكبرى عليها السلام عن الإمام السجاد(ع): (أنتِ عالمة غير معلمة)-.

وقد ورد في أحاديثنا الشريفة: (ليس العلم بكثرة التعلم، إنما العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء أن يهديه)، وأيضًا: (ليس العلم في السماء فينزل إليكم، ولا في الأرض فيخرج إليكم، إنما العلم في قلوبكم، تخلّقوا بأخلاق الروحانيين يخرج إليكم)، و (القلوب أوعية خيرها أوعاها)، وإنَّ قلب المؤمن حَرَم الله وعرش الرحمن وبيته المعمور.

﴿وَ اتَّقُوا اللهَ وَيُعَلّمُكُمُ اللهُ﴾(1).

ثم دائرة هذا العلم الإلهامي والذي يتناسب مع الذوق السليم والكشف الصادق هي المعارف الربّانية وعلم حقائق الأشياء، والتي يتخلص منها المعرفة الجمالية والكمالية في الأحكام الشرعية وبواطن الأمور وملكوتها، فإن الحكم الإلهي في الشرائع السماوية إنما هو توقيفي، فإنه يتوقف على إذن من الشارع المقدس، ولا يحق لأحد أن يضع حكمًا شرعيًا ويجتهد في مقابل النصّ، والعلم بالأحكام الشرعية من العلم الظاهري، يتكفل في إستنباطها في أيام الغيبة الكبرى الفقهاء العظام -مع اجتماع الشرائط فيهما كما هو مذكور في الكتب الفقهية- وأما معرفة حكمة الحكم الشرعي فهو من العلم الباطني الملكوتي الغيبي، ويدخل في إطار العلم اللدني الإلهامي، وإنه يتوقف على تهذيب النفس وصفاء الروح، فكلما صفا القلب وتنوّر كان مرآة لمعرفة جمال الأشياء وكمالها، وهي المعرفة الحقيقية، وإنها نتيجة التقوى والروحانية في المؤمن، وإنها من مائدة الله، قد أعدّها لمن كان ضيفه ووفده في مثل شهر رمضان المبارك أو الحج أو الزيارة أو الأوقات المقدسة أو الأماكن والمشاهد المشرّفة، أو في خدمة القرآن الكريم، وفي كل ما ينسب إليه عزّ وجلّ، فمن يزور المؤمن لا لحاجة عنده، بل للزيارة وحسب، فهو ضيف الله في عرشه -كما ورد في الأثر- ويكون على موائده من الأسماء الحسنى والصفات العليا، فيتنعم في الحضرة القدسية، ويتلذذ بذكر الله جل جلاله، ويطمئن قلبه، وينشرح صدره، ويفنى في توحيده وجلاله وجماله وكماله، ويطوف مع ملائكته حول عرشه، وفي الأرض يطوف جسده مع الناس حول الكعبة المشرفة في بيت الله الحرام، وروحه معلّقة بالملأ الأعلى، ويطوف بقلبه حول البيت المعمور في السماء الرابع، وحول العرش في السماء السابع، وتفتح عندئذ بصيرته، وباب فهمه، ليرى ملكوت السماوات والأرض، فيرى حقائق الأشياء كما هي، ويقف على أسرار الكون والخلقة بحسب الطاقة البشرية، ويعرف نفسه فيعرف ربّه، فيزهد في الدنيا وما فيها من الزخارف والزبارج، فإنه يرى حقيقتها الدنيّة والزائلة، وأنها أدام الكلاب، فإن الدنيا جيفة وطّلابها الكلاب، يتكالبون على متاعها الزائل، ومظاهرها الفانية، ورذائلها الخسيسة، وأوهامها وأباطيلها المقيته، إنه يعرف فلسفة الحياة وسرّ الخليقة، فيشدّ حزامه لآخرته، إذ يرى أنه لم يخلق للدنيا، بل هي دار ممرّ، فهو ابن الآخرة وابن جنّاتها التي عرضها السماوات والأرض، أُعدت للمتقين، يسبّح في غمراتها، وينال رضوان الله وغفرانه.

وإنما ينال هذا العلم الإلهامي بالتقوى، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَ اتقَّوا اللهَ وَيًعَلّمُكُمُ اللهُ﴾(2).

فالمؤمن مُلهم، يفيض الله عليه من علمه المطلق غير المتناهي، وتنكشف له بعض الحقائق الكونيّة، وبعض أسرار العبادات والأحكام الشرعية، ويقف على بعض حِكم المصالح والمفاسد، وتفتح له آفاق جديدة في المعارف والعلوم، ومِن رجال العلم النافع والعمل الصالح مَن تنكشف له الحقائق كل يوم بالعشرات، ومنهم في العام تنكشف له حقيقة من الحقائق، ولله في دهركم نفحات قدسية ألا فتعرضوا لها، ولمثل هذا العلم اللدنّي الإيجابي الإلهامي فليتنافس المتنافسون، وحبّذا أن يكتب العلماء الصلحاء بنات أفكارهم ورشحات علومهم الإلهامية، فإن المجتمع المعاصر متعطّش لمثل هذه العلوم والمعارف، والحمد لله رب العالمين.


(1)، (2) البقرة: 282.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2181899

الأربعاء
20-سبتمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع