مقالات: النور المتألق ومعنى الأمر الذي ينزل عليه      •      السنة النبوية: دورها ومكانتها في الاجتهاد الإسلامي      •      الصلاة مدرسة الأخلاق الفاضلة      •      عاشوراء.. نهضة الإصلاح وتغيير المنكرات      •      المسجد بين اللغة والاصطلاح      •      مسائل وردود: في الرشوة      •      ما حكم العقيقة؟      •      السجود على التربة من الجهة المنقوشة      •      في ميراث القتلى      •      في من ظهرت لديه علامة بلوغ واحدة فقط      •     
» مقالات عامة
» الطوفان وصنع السفينة
» الكاتب: السيد مرتضى الميلاني - قراءات [9803] - نشر في: 2009-03-16


بعد ما يئس نوح عليه السلام من هداية قومه إلى عبادة الله، وبعد التبليغ الذي دام أكثر من تسعمِائة وخمسين سنة، وبعد أن تحمل أنواع الآلام والعذاب والإهانة والتهم وغير ذلك.

بعد هذا أقبل على الدعاء، ورفع نوح عليه السلام يديه إلى السماء وقال: "وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا".(1) بعد ذلك وقبل نزول الغضب والطوفان، أعقم الله أصلاب الرجال وأرحام النساء، فلبثوا أربعين سنة لا يولد لهم ولد، وقحطوا في تلك الأربعين سنة حتى هلكت أموالهم وأصابهم الجهد والبلاء، ثم قال لهم نوح: "استغفروا ربكم إنه كان غفارا، فأعذر إليهم وأنذر فلم يزدادوا إلا كفرا".

عند ذلك أمر الله عزوجل نوح عليه السلام أن يغرس النخل، فأقبل بغرس النخل، فكان قومه يمرون به فيسخرون منه ويستهزؤون به ويقولون: "شيخ قد أتى له تسعمائة سنة يغرس النخل"، وكانوا يرمونه بالحجارة، فلما كبر النخل واستحكم أمر بقطعه، فسخروا منه أيضا وقالوا: "لما بلغ النخل مبلغه قطعه، إن هذا الشيخ قد خرف وبلغ منه الكبر".

بعد ذلك أمره الله أن ينحت السفينة وأمر جبرئيل أن ينزل عليه ويعلمه كيف يتخذها، فقدر طولها في الأرض ألفا ومائتي ذراع، وعرضها ثمان مائة ذراع، وطولها في السماء ثمانون ذراعا، فقال: "يارب من يعينني على اتخاذها؟" فأوحى الله إليه: "ناد في قومك"، فنادى نوح فيهم بذلك فأعانوه عليها، وكان يمر به قومه ويسخرون منه ويقولون: "يتخذ سفينة في البر".

وفي رواية أخرى عن أبي عبدِ الله الصادق (عليه السلام) قال: "سأل نوح عليه السلام ربه أن ينزل على قومه العذاب، فأوحى الله إليه أن يغرس نواة من النخل فإذا بلغت فأثمرت وأكل منها، أهلك قومه وأنزل عليهم العذاب.

فغرس نوح النواة وأخبر أصحابه بذلك، فلما بلغت النخلة وأثمرت واجتنى الثمر نوح وأكل وأطعم أصحابه، قالوا له: "يا نبي الله الوعد الذي وعدتنا"، فدعا نوح ربه وسأله الوعد الذي وعده، فأوحى الله إليه أن يعيد الغرس ثانية...، فأخبر نوح أصحابه بذلك فصاروا ثلاث فرق، فرقة ارتدَّت، وفرقة نافقت، وفرقة ثبتت مع نوح.

حتى فعل نوح ذلك عشر مرات، وفعل الله ذلك بأصحابه الذين يبقون معه فيفترقون كل فرقة ثلاث فرق على ذلك.

فلما كان في المرة العاشرة جاء إليه رجل من أصحابه الخلص والمؤمنون فقالوا له: "يا نبي الله: فعلت بنا ما وعدت أو لم تفعل فأنت صادق نبي مرسل لا نشك فيك ولو فعلت ذلك بنا"، قال: فعند ذلك استجاب الله دعوة نوح وأهلك قومه، وأدخل الخاص منهم معه السفينة، فنجاهم الله تعالى ونجى نوحًا معهم بعدما صفوا وذهب الكدر منهم".

فلما فرغ نوح (عليه السلام) من صنع السفينة أمره الله أن ينادي بالسريانية، لا يبقى بهيمة ولا حيوان إلا حضر، فأدخل من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين في السفينة، وكان عدد الذين آمنوا به من جميع الدنيا ثمانين رجلا، فقال الله تعالى: "... فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون"(2).

قيل كان صنع السفينة في مسجد الكوفة. فلما كان في اليوم الذي أراد الله هلاكهم، كانت امرأة نوح تخبز في الموضع الذي يعرف "بغار التنور"(3) في مسجد الكوفة، وقد كان نوح اتَّخذ لكل نوع من أجناس الحيوان موضعا في السفينة، وجمع لهم فيها ما يحتاجون إليه من الغذاء.

لما فار التنور صاحت امرأة نوح، فجاء نوح إلى التنور، فوضع عليها طينا وختمه حتى أدخل جميع الحيوانات السفينة، ثم جاء إلى التنور ففضى الخاتم ورفع الطين، وانكشفت الشمس، وجاء من السماء ماء منهمر صب بلا قطر، وتفجرت الأرض عيونا، وهو قوله عزوجل: "ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر"(4)

وبعد ذلك أمرهم الله تعالى وقال لهم: "اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسيها"(5). فدارت السفينة وضربتها الأمواج حتى وصلت إلى مكة، وطافت بالبيت، وكان قد غرق جميع ما في الدنيا إلا موضع البيت، وإنما سمي البيت العتيق لأنه أُعتق من الغرق، فبقي الماء ينصب من السماء أربعين صباحا، ومن الأرض حتى ارتفعت السفينة.

فلما غرق الجميع ونجى نوح وأصحابه، رفع يده إلى السماء ثم قال: «يا رهمان اتقن» أي: يا رب أحبس، أو أحسن، فأمر الله الأرض أن تبلع ماءها وللسماء أن تمسك المطر، وقضي الأمر واستوت على الجودي، وهو جبل في الموصل.

وبعد ذلك أمر الله تعالى نوحًا أن يهبط من السفينة بسلام وبركات، فنزل نوح عليه السلام بالموصل من السفينة مع الثمانين نفر من أصحابه وأهله الذين كانوا معه في السفينة، وبنوا لهم مدينة وسميت "مدينة الثمانين".



(1) نوح: 27 و 28.

(2) المؤمنون: 27.

(3) (أو بنار التنور) قال البعض: كانت العلامة بين نوح وربه لحلول الطوفان أن يفور التنور، قال آخرون: ان كلمة (تنور) اسمعملت هنا مجازا عن غضب الله تعالى، ولكن يبدو أن (التنور) بمعناه الحقيقي أقوى.

(4) القمر: 11.

(5) هود: 41.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2187388

السبت
23-سبتمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع