مقالات: الحجاب الشرعي ... أنواعه و حدوده      •      عِددُ النساء      •      آثار الدمـــوع      •      تحرر المرأة      •      ما هي الفروق التي يمكن تصوّرها بين المفاهيم التالية: النبي، الرسول، الإمام؟      •      مسائل وردود: تحديد القبلة في الطائرة      •      العلاقات و الاختلاط في الجامعات الدراسية      •      ما هو حكم سماع الأغاني إذا كانت لم تؤثر علی واجبات العبد تجاه ربه؟      •      هل يعد شَم الكاز GAZ مفطر؟      •      في سب ولعن الليالي والأيام والساعات والجبال      •     
» مقالات عامة
» أهل البيت عليهم السلام مواقف وعِبَر
» الكاتب: الشيخ جعفر السعيد - قراءات [9939] - نشر في: 2013-05-15


التتبع التاريخي لحياة وسيرة أهل البيت عليهم السلام حافل بالمواقف والأحداث التي تهدف إلى خلق مجتمع قوامُه الأخلاق، والتربية الإسلامية الصحيحة، التي تُنشئ جيلا واعدًا صالحا لقيادة الحياة.

فقد دأب الإسلام ومنذ بزوغ فجره إلى تنمية الأخلاق في النفس البشرية، وهذا ما بينه رسول الله صلى الله عليه وآله عندما بزغ فجر الإسلام قائلا: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ونزولا إلى علم الأخلاق والنظر إلى ما يبنيه علماء الأخلاق فقد عدوا أن الإنسان له قوى في نفسه، وعدّد بعضهم أن قوى النفس أربع قوى، فكما بينه النراقي في جامعه للسعادات؛ أن قوى النفس تنقسم إلى القوة العقلية، والقوة الغضبية، والقوة الشهوية، والقوة الوهمية الشيطانية، وقد بينوا أن لكل قوة من هذه القوى جوانب إيجابية وجوانب سلبية، عديدة لا يسع المقام لذكرها، ولنأخذ القوة العقلية كمثال، فجانب الإيجاب فيها هو العلم والعقل، وجانب السلب هو الجهل، فإذا حكّم الإنسان قوته العقلية على جميع القوى صار إنسانًا كما أراده الإسلام المقدس.

ولقد تمثلت الإنسانية الحقيقة في أنوار محمد وآل محمد عليهم السلام، فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وقضيته المعروفة التي قال فيها: "إذهبوا فأنتم الطلقاء" خير شاهد على خُلُقه الرباني الواسع، وأمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام في قضيته التي اُغتِيلَ فيها، وما أوصاه لابنه الحسن عليه السلام من وصايا في قاتله ابن ملجم المرادي عليه اللعنة والعذاب، والحسن عليه السلام عندما طعن في فخذه، والحسين عليه السلام في حياته وأبرز مثال مواقفه في واقعة الطف، وهكذا في كل إمام من الأئمة المعصومين عليهم أفضل الصلاة والسلام.

ولنا في الإمام الهادي سلام الله عليه مثالا وعبرة، فلقد توفي عنه أبوه وعمره الشريف آنذاك تسع سنوات فقط، ولربما أقل من ذلك كما ذكرت بعض الأخبار والكتب، فعاصر عدة خلفاء منهم المنتصر والمستعين بالله والمتعز والمتوكل وغيرهم، فظُلم أبشع ظلم على أكثر من صعيد، فلما أن توفي أبوه أخذ الناس في المجيء إليه والتوافد عليه، "... فأحبه الناس واجتمعوا عليه والتف حوله العلماء وطلاب العلم، فكان يتصل به الشيعة وكانوا في عصره أكثر من العصور التي سبقته من عصور النص وعصور الأئمة عليهم السلام، فيتصلون به بالمراسلة والكتابة ويستفتونه في أمور الدين والدنيا وحل المشاكل وغيرها، فصار تحت رقابة الحكام في جميع حالاته، فكتب بريحة العباسي وهو أحد أنصار المتوكل وأزلامه كتب إليه: إن كان لك بالحرمين حاجة فأخرج منها علي بن محمد فإنّه قد دعا الناس إلى نفسه وتبعه خلق كثير.

قال يحيى بن هرثمة: فذهبت إلى المدينة، فلمّا دخلتها ضجّ أهلها ضجيجًا عظيمًا ما سمُع الناس بمثله، خوفًا على علي الهادي، وقامات الدنيا على ساق، لأنه كان مُحسنًا إليهم، ملازمًا للمسجد لم يكن عنده مَيْل إلى الدنيا.

قال يحيى: فجعلت أُسكّنهم وأحلف لهم إنّي لم أُؤمر فيه بمكروه، وإنّه لا بأس عليه، ثمّ فتّشت منزله فلم أجد فيه إلاّ مصاحف وأدعية وكتب العلم، فعظم في عيني، وتولّيت خدمته بنفسي، وأحسنت عشرته، فلمّا قدمت به بغداد، بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري وكان واليًا على بغداد، فقال لي: يا يحيى إنّ هذا الرجل قد ولده رسول الله، والمتوكّل من تعلَم – أقول: إن المتوكل مشهور عنه الظلم والعدوان ضد أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم -، فإن حرّضته عليه قَتَلَه، كان رسول الله خصمك يوم القيامة. فقلت له: والله ما وقعت منه إلا على كلّ أمر جميل.

ثمّ صرت به إلى "سرّ من رأى" فبدأت بـ "وصيف التركي"، فأخبرته بوصوله، فقال: والله لئن سقط منه شعرة لا يطالب بها سواك، فلمّا دخلت على المتوكّل سألني عنه فأخبرته بحسن سيرته وسلامة طريقه وورعه وزهادته، وإنّي فتّشت داره ولم أجد فيها إلاّ المصاحف وكتب العلم، وأنّ أهل المدينة خافوا عليه، فأكرمه المتوكّل وأحسن جائزته وأجزل برّه، وأنزله معه سامراء" [سبط بن الجوزي، تذكرة الخواص 322] أقول: إن إنزال المتوكل للإمام وبره وتعظيمه وإحسانه له كله كان ظاهريا من أجل أن يهدأ أصحاب الإمام عليه السلام وشيعته ويعتبرون أن المتوكل محب للإمام بدليل الإكرام والتعظيم له عليه السلام، وواضح موقف المتوكل ومن هو في خطه، ولكن تعامل الإمام عليه السلام يختلف عن تعامل الطاغية، إذ هو دليل الله في أرضه لخلقه، والقراءة التاريخية لسيرة أهل البيت عليهم أفضل الصلاة والسلام حافلة بالمواقف المشرفة المفيدة للإنسان، ومما اعتاد عليه الزمن وجوره، هو أن من يكون داعية إلى الخير في كلماته، وعظاته، وأفعاله، ومواقفه، يحاربه الزمن, ويجور عليه، والتاريخ يشهد ما فُعل بأهل البيت عليهم السلام وبث الوشايات الكاذبة عليهم وتلفيق التهم بهم من قِبَل الحكام الطغاة، ولا يخفى هذا حتى في شيعتهم ومن تبعهم، فلا زال الزمن يجور بويلاته عليهم، ويجري ما أجراه على أئمة الحق سابقا، ففي زمن الإمام الهادي عليه السلام وبالتحديد في السنة السادسة والثلاثين بعد المائتين (236هـ) أمر المتوكل – وبعد أن رأى ما رأى من زوار الحسين عليه السلام وكثرة توافدهم على قبره وضريحه – بهدم قبر الحسين وإخفاء مآثره، بل وأدهى من ذلك أنه أمر بحرث الأرض التي بجانب قبر الحسين عليه السلام وزرعها حتى تختفي آثار قبر الحسين عليه السلام ويمتنع الزوار من زيارته تضييعا لقبره، بل وفرض على من يزوره ضريبة، وقتل بعض الزوار، وغيرها من الموانع التي وضعها منعا لزوار أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره، فهاهوَ قبة الحسين سلام الله عليه تشرق بإشراقة الشمس، وتبزغ ببزوغ القمر، تعانق السماء ذهبًا لامعا ملعلعًا، قد حطّم كبرياء الطغاة، وكسر أنوفهم، وظل ملاذا ومنارًا للقوي والضعيف والعالي والسافل، فهم الملاذ الوحيد الذي جعله الله لكل البشرية، تلوذ به كيف شاءت وأنى شاءت ومتى شاءت، أبواب نجاة فتحها الله للناس، فما عذر من أغفل دخول الباب بعد فتحه!

وهكذا أقدم التكفيريون على هدم قبة الإمامين الهاديين عليهما السلام بأرض سامراء، فكما حاولوا سابقا إخفاء مآثرهم في حياتهم، يقدمون الآن على إخفاء مآثرهم وآثارهم في مماتهم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.

 

 

الشيخ جعفر السعيد
الثاني من رجب لعام 1434هـ
13 مايو 2013م
التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2267772

الأربعاء
22-نوفمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع