مقالات: جدول أسعار ومقدار زكاة الفطرة لعام 1435هـ / 2014م      •      التصور ومصدره الأساسي في نظرية المعرفة      •      الطوفان وصنع السفينة      •      الاتجاهات المستقبلية لحركة الاجتهاد      •      الصلاة مدرسة الأخلاق الفاضلة      •      مسائل وردود: هل يجوز لعب الشطرنج من أجل تنمية العقل؟      •      حكم الموسيقى غير المطربة استماعاً وتعلماً      •      ما هي خزائن الله ؟      •      هل تخمَّس الهدايا بعد مضي المدة المحددة لها      •      حكم إمام الجماعة غير المعمَّم      •     
» مقالات عامة
» بيان الأحكام وتفسير القرآن في مدرسة أهل البيت
» الكاتب: سماحة آية الله السيد علي الخامنئي - قراءات [9954] - نشر في: 2013-01-30


هذا النشاط يمكن ملاحظته أيضاً في حياة الامام الصادق عليه السلام بشكل متميّز عما نراه في حياة بقية أئمة آل البيت عليهم السلام، حتى سمّي فقه الشيعة باسم "الفقه الجعفري". حتى الذين يغضّون الطرف عن النشاط السياسي للامام الصادق عليه السلام يجمعون على أن الامام كان يدير أوسع، أو واحدة من أوسع الحوزات الفقهية في زمانه. والذي بقي مستوراً عن أعين أغلب الباحثين في حياة الامام، هو المفهوم السياسي ومفهوم المواجهة لهذا اللون من نشاطات الامام، وهذا ما سنتعرض له الآن.

لا بدّ أن نذكر أولاً، أن منصب الخلافة في الاسلام له خصائص متميزة تجعل الحاكم متميّزاً عن الحكام في أنظمة الحكم الاخرى. فالخلافة ليست جهازاً سياسياً فحسب، بل هي جهاز سياسي ـ ديني.وإطلاق لقب الخليفة على الحاكم الاسلامي يؤيد هذه الحقيقة، فهوخليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في كل ما كان يمارسه الرسول من مهام دينية ومهام قيادية سياسية في المجتمع.

والخليفة في الاسلام يتحمل المسؤوليات السياسية والمسؤوليات الدينية معاً. هذه الحقيقة الثابتة دفعت الخلفاء الذين جاءوا بعد الخلفاء الأولين والذين كانوا ذوي حظ قليل في علوم الدين، أو لم يكن لهم منه حظ أصلاً، دفعتهم الى سدّ هذا النقص عن طريق رجال دين مسخّرين لهم. فاستخدموا فقهاء ومفسّرين ومحدّثين في بلاطهم، ليكون جهازهم الحاكم جامعاً أيضاً للجانبين الديني والسياسي.

والفائدة الاخرى من وجود وعّاظ السلاطين في الجهاز الحاكم، هي إن الحاكم الظالم المستبد كان قادراً متى ما أراد أن يغيّر ويبدّل أحكام الدين وفقاً للمصالح. وكان هؤلاء الماءجورون يقومون بهذه العملية ارضاء لأولياء نعمتهم، تحت غطاء من الاستنباط والاجتهاد ينطلي على عامة الناس.

الكتّاب والمؤرخون المتقدمون ذكروا لنا نماذج فظيعة من اختلاق الحديث ومن التفسير بالرأي كانت يد القوة السياسية فيها واضحة، وسنشير الى جانب منها في اقسام حديثنا التالية. هذا العمل الذياتخذ غالباً في البداية (حتى أواخر القرن الهجري الاول) شكل وضع رواية أو حديث، راح تدريجياً ياءخذ طابع الفتوى. ولذلك نرى فيأواخر عصر بني أمية وأوائل عصر بني العباس ظهور فقهاء كثيرين استفادوا من أساليب رجراجة في أصول الاستنباط، ليصدرواالاحكام وفق أذواقهم التي كانت في الواقع أذواق الجهاز الحاكم.

هذه العملية نفسها اءُنجزت اءيضاً في حقل تفسير القرآن. فالتفسيربالرأي اتجه غالباً الى إعطاء مفاهيم عن الاسلام لا تقوم على أساس سوى ذوق المفسّر ورأيه المستمدّ من ذوق الجهاز الحاكم وإرادته.

من هنا انقسمت العلوم الاسلامية: الفقه والحديث والتفسير منذأقدم العصور الاسلامية الى تيارين عامين:

التيار الاول: تيار مرتبط بجهاز الحكومة الظالمة الغاصبة، ويتميزبتقديم الحقيقة في موارد متعددة قرباناً على مذبح "المصالح " التي هيفي الواقع مصالح الجهاز الحاكم، ويتميز أيضاً بتحريف أحكام اللّه لقاءدراهم معدودات.

 

والتيار الثاني: التيار الاصيل الامين الذي لا يرى مصلحةً أرفع وأسمى من تبيين الاحكام الإلهية الصحيحة، وكان يصطدم ـ شاء أم أبى ـ في كل خطوة من خطواته بالجهاز الحاكم ووعاظ السلاطين، ولذلك اتجه منذ البدء اتجاهاً شعبياً في إطار من الحيطة والحذر.

انطلاقاً من هذا الفهم نعرف بوضوح أن اختلاف "الفقه الجعفري"مع الفقهاء الرسميين في زمن الامام الصادق لم يكن اختلافاً فكرياًعقائديا فحسب، بل كان اختلافاً يستمد وجوده من محتواه الهجوميالمعارض أيضاً.

أهم أبعاد هذا المحتوى إثبات خواء الجهاز الحاكم، وفراغه من كل مضمون ديني، وعجزه عن ادارة الشؤون الفكرية للاُمة، وبعبارة أخرى، عدم صلاحيته للتصدّي لمنصب "الخلافة ". والبعد الآخرتشخيص موارد التحريف في الفقه الرسمي.. هذه التحريفات القائمة على أساس فكر "مصلحي" في بيان الاحكام الفقهية ومداهنة الفقهاءللجهاز الحاكم. والامام الصادق عليه السلام بنشاطه العلمي وتصدّيه لبيان أحكام الفقه والمعارف الاسلامية، وتفسير القرآن بطريقة تختلف عن طريقة وعّاظ السلاطين قد اتخذ عملياً موقف المعارضة تجاه الجهاز الحاكم. الامام عليه السلام بنشاطه هذا قد يلغي كل الجهاز الديني والفقهي الرسمي الذي يشكّل أحد أضلاع حكومة الخلفاء، ويفرّغ الجهاز الحاكم من محتواه الديني.

ليس باءيدينا سند ثابت يبين التفات الجهاز الاُموي الى هذاالمحتوى المعارض لما قام به الامام الصادق عليه السلام من نشاط علمي فقهي. ولكن أغلب الظن أن الجهاز الحاكم العباسي ـ وخاصة في زمن ا لمنصور الذي كان يتمتع بحنكة وذكاء وتجربة اكتسبها من صراعه السياسي الطويل مع الحكم الاموي قبل وصوله الى السلطة ـكان يعي المسائل الدقيقة في نشاطات البيت العلوي. وكان الجهازالحاكم العباسي يفهم الدور الفاعل الذي يستطيع أن يؤديه هذاالنشاط العلمي بشكل غير مباشر.

والتهديدات والضغوط والمضايقات التي كانت تحيط بنشاطات الامام الصادق عليه السلام التعليمية والفقهية من قبل المنصورالمنقولة إلينا في روايات تاريخية كثيرة ناتجة من هذا الالتفات الى حساسية المساءلة. وهكذا اهتمام المنصور بجمع الفقهاء المشهورين فيالحجاز والعراق في مقرّ حكومته ـ كما تدل على ذلك النصوص التاريخية العديدة ـ فإنهُ ناشئ عن هذا الالتفات أيضاً.

في حديث الامام عليه السلام وتعاليمه لأصحابه ومقرّبيه كان يستند الى "خواء الخلفاء وجهلهم " ليستدلّ على أنهم في نظر الاسلام لا يحق لهم أن يحكموا. ونحن نشهد هذه الصيغة من الهجوم على الجهازالحاكم بوضوح وصراحة في دروسه الفقهية.

يروى عنه قوله عليه السلام: "نحن قوم فرض اللّه طاعتنا وأنتم تاءتمّون بمن لا يُعذر الناس بجهالته.(1)

أي إن الناس انحرفوا بسبب جهل حكّامهم وولاة امورهم، وسلكوا سبيلاً غير سبيل اللّه. وهؤلاء غير معذورين لدى اللّه. لأن اطاعة هؤلاء الحكام كانت عملاً انحرافياً، فلا يبرّر ما يستتبعها من وقوع في الانحرافات. (2)

في تعليمات الأئمة عليهم السلام قبل الامام الصادق عليه السلام وبعده نرى أيضاً تركيزاً على ضرورة اقتران القيادة السياسية بالقيادة الفكرية والايديولوجية. ففي رواية عن الامام علي بن موسى الرضاعليه السلام عن جدّه الامام محمد الباقر عليه السلام قال: "إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني اسرائيل، أينما دار التابوت دار الملك(تاءمل بدقة المعنى الرمزي في التعبير) وأينما دار السلاح فينا دارالعلم. . وفي رواية أخرى: حيثما دار السلاح فينا فثم الامرُ (الحكم. (3)

ويساءل الراوي الامام: فيكون السلاح مزايلا (مفارقا) للعلم ؟

قال الامام: لا. أي إن قيادة المجتمع المسلم يجب أن تكون في من بيده السلاح والعلم معا.

الامام عليه السلام إذن يرى أن علم الدين وفهم القرآن بشكل صحيح شرط من شروط الامامة، ومن جهة أخرى فهو بنشاطه العلمي، وجمع عدد غفير من مشتاقي علوم الدين حوله، وتعليمه الدين بشكل يختلف تماماً عن الطريقة المعتادة لدى العلماء والمحدثين والمفسرين المرتبطين بجهاز الخلافة، يثبت عملياً أصالة المحتوى الدينيلمدرسته، وزيف الظاهر الديني الذي يتقمّصه جهاز الخلافة ومن لفّلفّه من علماء بلاطه. وعن هذا الطريق المهاجم المتواصل العميق الهادئ يضفي على جهادهِ بعداً جديداً.

وكما ذكرنا من قبل، فإن الحكّام العباسيين الاوائل الذين قضواسنين طوالاً قبل تسلّمهم السلطة في نفس أجواء الجهاد العلوي وإلى جانب انصار العلويين، كانوا على علم بكثير من الخطط والمنعطفات، وكانوا متفهّمين لدور الهجوم والمواجهة الذي يؤدّيه هذا النشاط فيالفقه والحديث والتفسير أكثر من أسلافهم الأمويين. وقد يكون هذاالسبب هو الذي دفع المنصور العباسي في مواجهاته مع الامام الصادق عليه السلام أن يمنع الامام زمناً من الجلوس في حلقات التدريس وعن تردّد الناس عليه. حتى أن المفضل بن عمر يقول: "ان المنصورقد كان همّ بقتل ابي عبداللّه عليه السلام غير مرّة، فكان اذا بعث اليه ودعاه ليقتله فإذا نظر اليه هابه ولم يقتله، غير انه منع الناس عنه ومنعهُ من القعود للناس، واستقصى عليه اشد الاستقصاء، حتى انه كان يقع لأحدهم مساءلة في دينه في نكاح أو طلاق أو غير ذلك فلايكون علم ذلك عندهم، ولا يصلون اليه فيعتزل الرجل وأهله، فشق ذلك على شيعته وصعب عليهم. (4)

 

ـــــــــــــ

(1) الكافي 1: 186، ح 3.

(2) القرآن الكريم يدين أيضاً باءساليب متعددة هذا اللون من الاتّباع المؤدي الى الضلال، ويردّ كل عذريتوسل به التابعون في انحرافهم. راجع سورة البقرة: 167، الشعراء: 91 ـ 102، سباء: 31 ـ 33،النساء: 97.

(3) الكافي، 1: 238.

(4) المناقب، ابن شهرآشوب: 238 ط: بيروت.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2260052

السبت
18-نوفمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع