مقالات: تفسير: "وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ... / الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ..."      •      لماذا ندعو إلى القرآن الكريم؟      •      العلم الإلهامي      •      الدلالة الاجتماعية لدلالة الألفاظ للقرآن الكريم (2)      •      لكي نجد المهدي (عجل) في القرآن      •      مسائل وردود: البقاء على الجنابة حتى طلوع الشمس مع نية الغسل      •      في وفــاء النذور      •      هل يجب الخمس في الهدية العظيمة؟      •      كيفية أداء الخمس      •      نجاسة بول الرضيع      •     
» مقالات عامة
» كيف تدعو الله؟
» الكاتب: الهيئة الثقافية - قراءات [10091] - نشر في: 2012-03-04


          إنَّ الدعاءَ منْ أكبرِ شعائرِ الدينِ الحنيفِ، فهوَ مخُّ الدينِ، وروحُ الصلاةِ، وقد حبَّذَتْه بكثرة النصوصُ القرآنيةُ وأحاديثُ أهلِ البيتِ (ع) بكثرةٍ؛ لما لهُ من دورٍ كبيرٍ في تنميةِ اتّصالِ العبدِ بربِّه، ومِن نعمِ الله (عزَّ وجلَّ) وفضائلِه أنْ فتحَ بابَ الدُعاءِ، ووعدَنا ألا يرُدَّ سائِلاً وفَدَ على أبوابِ رجائِه الرَّحِبةِ.

          ولكِن.. قدْ يسألُ سائلٌ: لماذا لمْ يَستَجبْ ِاللهُ دعائِي؟ معَ أنني طبَّقتُ ما فيْ كتابِ الدُعاءِ؟ فنردَّ عليه ونقولُ:

          إِنَّ لتحقُقِ الدعاءِ وضمانِ ارتفاعِهِ آدابٌ ينبغيْ للداعِي مُراعاتُها، فأوَّلُ ما يستلزِمُ حضورُه لإتمامِ الدعاءِ هو القلبُ، - وأقْصِدُ بالقلبِ هنا: مبدأَ الشعورِ والفكرِ لدى الإنسانِ، أو فقل الفؤادَ، أو بتعبير آخرٍ: النفسُ الإنسانيةُ - بحيثُ يخشعُ قلبُه ويطمئِنُ.

          وقد قال الإمامُ الصادقُ (عليه السلامُ):

"إِنَّ اللهَ عزَ وجلَّ لا يستجيبُ دعاءً بظهرِ قلبٍ ساهٍ، فإذا دعوتَ اللهَ (عزَّ وجلَّ اسمُه) فأقبِلْ بقلبِك ثُمَّ استيقن بالإِجابةِ" (1)

 

          وَمِنْ أهمِّ ما ينبغي مراعاةُ حضورِه وقتَ الدعاءِ -أيضًا- الإِحساسُ بالعبوديةِ للمولى (جلَّ اسمُه) والإِخلاصُ لهُ في العبادةِ، إذ يقولُ (جلَّ جلالُه): "هوَ الحَيُّ الذي لا إلهَ إلا هوَ فادعُوهُ مخلصينَ لهُ الدينَ"(2)، فالإخلاصُ يعني حضورَ النيّةِ الصادقةِ في القلبِ(3) حالَ الدُعاءِ. وأمَّا الإحساسُ بالعبوديةِ لله تعالى، فهوَ جَعْلُ نفسِكَ محتاجًا لربِّكَ، ذليلاً في حضرتِه، مستحقِرًا لنفسِك، غيرَ مخالفٍ له (جلَّ وعلى) في أيِّ أمرٍ منَ الأمورِ، يقولُ الإمامُ الحسينُ (عليه السلام):

"إنَّ رسولُ اللهِ (صلى اللهُ عليهِ وآلِه) كانَ يرفعُ يديه - إذا ابتهلَ ودعا - كما يستطعِمُ المسكينُ!" (4).

 

          ثمَّ لا يخفى عليكَ ما لوقتِ الدُعاءِ من تأثيرٍ، فالدعواتُ عقيبَ الفرائضِ مُجابَـةٌ، وعندَ هبوبِ الريحِ، ونزولِ الغيثِ، والأذانِ، وقراءةِ القرآنِ، وصلاةِ الليلِ، ووقتِ السَحَرِ وعندَما يُردى الشهيدُ ؛ فهذِهِ الأوقاتُ بعضٌ مِنَ اللاتي تتأكّدُ فيهِنَّ استجابةُ الدعواتِ الصادقةِ.

          وكذلِكَ ما لِمكانِ النَدبِ والدعاءِ منْ تأثيرٍ، فالمرويُّ استِحبابُه في المسجدِ الحرامِ، والحرمِ النبويّ، والحائرِ الحسيني، والغريّ، بلْ وجميعِ المقاماتِ المُقدّسةِ، من إمامٍ ونبي أو عالمٍ، أو غيرها من المقدَّسات، وللعلمِ فإنَّ الدعاءَ في المسجدِ أفضلُ مِنَ الدُعاءِ خارِجَهُ ثوابًا، ودُعاءُ المرءِ في بيتِهِ (مكانُ صلاتِه خصوصًا) أفضلُ مِنْ غيرِهِ، ودعاءُ السِّرِّ أفضلُ سبعينَ مرةٍ مِنهُ علانيّةً.

          وَمِنَ المُهِماتِ في الدُعاءِ تمجيدُ المجيدِ (علا شأنُه وتعالى) قَبلَ طلَبِه بالحاجةِ، وكذا تسبيحُهُ والثناءُ عليهِ، ومِنْ ثُمَّ تُصلَّي على مُحَمَّدٍ وآلِ محمدٍ عليهِمُ السلامُ.

          وأَكثِرْ في الدُعاءِ مِنْ ذِكرِ أسمائِه (عزَّ وجلَّ) وهيَ كثيرةٌ، فإِنَّكَ إِنْ طلبتَ مِنَ السُلطانِ وذي المالِ أكثرتَ في المَدحِ والاِبتِذالِ، وهَيَّأتَ لهُ مِنَ الكلامِ أفضَلَ ما تَقدِرُ علَيْهِ؛ ليُجزِلَ لكَ العطاءَ وَيُكْثِرَهُ، فما بالُكَ باللهِ وهوَ أكرمُ الأكرمينَ؟ ملِكُ الملوكِ؟

قال أبو عبداللهِ (عليه السلام):

"إياكُم إذا أرادَ أحدكُم أن يسألَ من ربِّهِ شيئًا منْ حوائجِ الدنيا والآخرةِ حتّى يبدأَ بالثناءِ على اللهِ عزَّ وجلَّ والمدحِ له، والصلاةِ على النّبيّ (ص) ثمَّ يسألُ اللهَ حوائجَه."(5).

 

وقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله):

"لا تجعلوني كقدحِ الراكبِ، فإنَّ الراكِبَ يملأُ قدحَهُ فيشربُه إذا شاءَ، اجعلوني في أوّلِ الدعاءِ وآخرِه ووسطِه"(6).

 

          وخذْ في الحسبانِ أنْ يكونَ طعامُكَ وملبسُكَ حلالين؛ لِأنَّ المالَ الحرامَ يحجِبُ الدعاءَ عن الوصولِ لأبوابِ السماءِ، بل حتى لا يوفَّقُ صاحبُه للدعاءِ الخالصِ!. وأن تكونَ متطهِّرًا حالَ دُعاءِك، ولا تدعُ بضميرِ المفردِ المخاطِبِ، بلْ دائمًا بلسانِ الجماعةِ، فالدعاءُ يكونُ أفضلُ منَ الجماعةِ منه منَ الفردِ وحدِه، وليكُن صوتُكَ في الدعاءِ حالةً بينَ الجهرِ والإِخفاتِ، مستقبِلاً القبلةَ، رافعًا يديكَ لمستوى رأسِك فأعلى، ولتكُن لديكَ حالةٌ منَ الظَّنَّ أنَ حاجتَكَ قريبةُ المنالِ إن شاءَ اللهُ. فإذا دعوتَ اجزمْ وتيقّن أن اللهَ سيستجيبُ لكَ دعوتَك بأحدِ ثلاثة طرقٍ:

1.     إما أن يُعَجِّلَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) لكَ ما طلبتَه.

2.     إما أن يدَّخِرَ لكَ بِما هوَ أفضلُ مِنه ليومِ الآخرةِ.

3.     إما أن يصرِفَ عنكَ منَ البلاءِ ما لو أرسلَهُ عليكَ لهلَكْتَ.

          ومِنَ المُفضَّلِ تقديمُ صدقةٍ على الدعاءِ، وأن تكونَ لدى الإنسانِ المؤمنِ حالةُ التجاءٍ للهِ تعالى كالتِجاءِ الطفلِ لِأمه، إلا أنَ سُرعةَ استجابةِ الدعاءِ مِنَ اللهِ أحسنُ بآلافِ المراتِ منها للأمِ!

          ونختم حديثنا بقولنا: إنَّ منَ المرويّاتِ عن أهلِ البيتِ (ع) أنَّه عندَما يُذكرُ اسمُ اللهِ الأعظمُ على شيءٍ تتحققُ إرادةُ الذاكرِ له، ولكِنْ قد يسألُ سائلٌ: ما هو الاسمُ الأعظمُ؟ نسوقُ لكَ هذا الحديث لتعرف جزءًا منه:

          جاءَ رجلٌ لِرسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وآلِه وسألَهُ عنِ الاسمِ الأعظمِ، فقالَ (ص): "كُلُّ اسمٍ منْ أسماءِ اللهِ أعظمُ". فمعنى ذلِكَ أنْ فَرِّغْ قلبَكَ مِنْ كُلِّ شيءٍ عدا اللهِ (عزَّ وجلَّ)، وادعُهُ بأيِّ اسمٍ لهُ شئتَ يُجابُ دعاءُك، كما مشى النبيُّ موسى (عليه السلام) على الماء، بقوله: "بسم الله" بالإضافة إلى عددٍ من الأولياء الصالحين الذين مشوا على الماء بذلك القول لا يسع المجال لذكرهم(7).

وَصلِّ اللهمَ على سيّدِنا وحبيبِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِه الطيبين الطاهرينَ وعجٍّل فرجَهمْ يا كريمُ..



([1]) أصول الكافي / كتاب الدعاء - باب الإقبال على الدعاء - حديث رقم (1) - ص 473.

([2]) سورة غافر / آية 65.

([3]) وهو الذي قد سبق تعريفه أعلاه.

([4]) وسائل الشيعة / جزء 7 / ص 46.

([5]) أصول الكافي / كتاب الدعاء - باب الثناء قبل الدعاء - حديث رقم (1) - ص 484.

([6]) أصول الكافي / كتاب الدعاء - باب الصلاة على النبي وآله (ع) - حديث رقم (5) - ص 492.

([7]) راجع الكشكول للشهيد دستغيب رحمه الله.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2266482

الأربعاء
22-نوفمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع