مقالات: الإيمان بالله في ضوء المذهب التجريبي      •      التعليم والعدالة الاجتماعية في الإسلام      •      علم الأصول عند الإماميين      •      نحن والحسين      •      الإسلام والحث على الزواج      •      مسائل وردود: تخميس مهر الزوجة      •      في القراءة من المصحف أثناء الصلاة      •      هل عرق المُجنب من الحرام طاهر؟      •      ما حكم العقيقة؟      •      ما هي الامور التي هي من المنكر ؟      •     
» مقالات عامة
» العنف قضية الساعة
» الكاتب: سماحة العلامة آية الله السيد محمد حسين فضل الله - قراءات [9856] - نشر في: 2010-07-10


من القضايا المعاصرة التي يطرحها الواقع قضية العنف، حيث يتحدّث العالـم كلّه في مؤتمراته الدولية والإقليمية عن العنف، محاولاً أن يعطي العنف صفة الإرهاب، حتى في المجالات التي تعنف فيها الشعوب من أجل أن تنقذ نفسها وثرواتها من سيطرة المستكبرين. ولذا يوسم بالإرهاب والتخلّف كلّ من تختلف سياسته عن سياسة الاستكبار العالمي، الذي يحاول أن يسرق ثروات الأمّة ويصادر قراراتها، لكي لا تتحرر الأمّة من هيمنته السياسية والاقتصادية والأمنية وما إلى ذلك.

 

هل الإسلام دين عنف؟

من هنا ينطلق السؤال: هل الإسلام دين العنف؟ لقد أدمن المستشرقون على اتهام الإسلام بالعنف، لأنَّ الإسلام دين جهاد، والجهاد بنظرهم ما هو إلاَّ حركة عنف تقمع الشعوب لتدخلها في الإسلام أو من أجل السيطرة عليهم، وهذا محض افتراء، لأنَّنا عندما نقرأ آيات الجهاد في القرآن، فإنَّنا لا نجد فيها جاهدوا لتقمعوا، جاهدوا لتقهروا، جاهدوا لتسقطوا إنسانية الإنسان، بل {وقاتلوا في سبيل اللّه الذين يقاتلونكم} (البقرة:190) {وما لكم لا تقاتلون في سبيل اللّه والمستضعفين من الرّجال والنّساء والولدان الذين يقولون ربّنا أخرجنا من هذه القرية الظالـم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً} (النساء:75).

ولذلك أين يكون العنف إذا تخفف الإنسان من كلّ أساليب الضغط على حريته من خلال سماعه لكلمة الحقّ، وجعل كلّ كيانه للّه، في أن يقاتل من يريد أن يقاتله ويمارس الضغوطات عليه، يقاتل الذي يقهر المستضعفين، لأنَّ من مسؤولياته حمايتهم من المستكبرين. ولكن هناك أموراً يمكن أن يعالجها الإنسان بالحكمة والرفق، وهذا ما نقرأه من خلال السيرة في القرآن وكتب السيرة، حيث جاء في بعض كتبها »أنَّ رسول اللّه (ص) كان جالساً ذات يوم وإلى جانبه زوجته أم المؤمنين عائشة ومرّ يهودي وقال له: السام عليك، كأنَّه يريد أن يوحي إلى النبيّ أنَّه يسلّم عليه وأنَّه ابتلع السلام بطريقة خاصة ليقول النبيّ له وعليك السلام، فيذهب ويسخر من النبيّ بأنَّه لـم يلتفت إلى ما يتكلّم به النّاس الآخرون، فأجابه النبيّ (ص) (وعليك). هنا ثارت عائشة وبدأت تسبّ هذا اليهودي لأنَّه يدعو على النبيّ بالموت من خلال قوله: (السام عليك)، فأشار النبيّ (ص) إليها وقال: يا عائشة، إنَّ الفحش لو كان ممثلاً لكان مثال السوء، إنَّ الرفق ما وضع على شيء إلاَّ زانه وما رفع عن شيء إلاَّ شانه، وإنَّ اللّه رفيق يحبّ الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف«.

وهذا يعني أنَّ الإنسان إذا تعرّض لمشكلة وكانت الحلول المطروحة لمعالجتها إمّا بالرفق أو العنف، فلو حلّها بالرفق فإنَّ اللّه يعطيه من الثواب أكثر ممّا يعطيه من الثواب لو حلّها بالعنف. هل هذا دين عنف؟!

ونرجع إلى القرآن لنقرأ سيرته {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنَّه وليٌ حميم} (فصلت:34).

بين أسلوب اللين وأسلوب العنف:

حاول أن تتخذ الحسنة فهي أسلوب لين، وابتعد عن السيئة فهي أسلوب عنف، ولا يتساوى الأمران، بل ادفع بالتي هي أحسن بالطريقة الأحسن، بالأسلوب الحسن، لتحوّل من خلال ذلك أعداءك إلى أصدقاء، فالمنهج الإسلامي في التعاطي يدعو لأن يكون المسلمون أصدقاء للعالـم، بأن يحوّلوا أعداءهم إلى أصدقاء بدل أن يحوّلوا الأصدقاء إلى أعداء، كما نفعل نحن اليوم، وفي هذا الإطار قال عليّ (ع): »أعجز النّاس من عجز اكتساب الإخوان وأعجز منه من ضيّع من ظفر به«.

وعلى ضوء ما تقدّم، يثبت بالبرهان بأنَّ المسلمين ليسوا إرهابيين، بل يحبّون السلام، ويحسنون إلى من سالمهم، فاللّه يقول: {لا ينهاكم اللّه عن الذين لـم يقاتلوكم في الدين ولـم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم} (الممتحنة:8).

وهذا يعني أنَّ الإسلام يدعونا إلى أن نقدّم الخير والإحسان، وأن نعدل مع الآخرين، وذلك بأن لا نظلم أحداً في العالـم حتى لو كنّا نختلف معه في الرأي أو في أيّ موقع من المواقع. وبتعبير آخر، فإنَّ تجارب المسلمين السابقة واللاحقة تدل على أنَّنا لسنا إرهابيين، ولذلك أنكرنا كلّ عمليات الخطف التي استهدفت الأبرياء أو السفن أو الطائرات، وقلنا إنَّ هذا الأمر لا وجود له في إسلامنا، وهو غريب عن عاداتنا وتقاليدنا، إنَّما الغرب هو الذي درج على القيام بمثل هذه الأعمال الإرهابية، نحن تعلّمنا القيام بمثل هذه الأعمال من الجيش الفرنسي الذي قام بخطف المهدي بن بركة الزعيم المغربي المعارض. نقول إنَّ فرنسا سابقاً هي غير ما عليه الآن، ولكن نتدرج بالسؤال: من أقدم على خطف طائرة أحمد بن بلّا؟ إذاً الإرهاب صفته غربية وليست شرقية، فهل الألوية الحمراء والإيرلنديون الذين ما زالوا يباشرون حتى الآن ما يسمى إرهاباً في بريطانيا وما أشبه ذلك من العصابات الموجودة في أمريكا وفي أوروبا التي تمارس القتل والخطف من أجل الحصول على المال، يعودون إلى أصول شرقية؟! بالنسبة لواقعنا الإسلامي، فقد بدأت هذه الأعمال تمارس بعد أن استعمرت بلادنا، وقد قلت لأحد سفراء فرنسا، وفرنسا كانت تمثّل بالنسبة للبنانيين الأم الحنون: لقد تعلّم اللبنانيون الخطف من أمّهم الحنون في ممارسة أسلوب الخطف حتى باتوا يخطفون بعضهم البعض قبل أن يقوموا بخطف الأوروبيين والأمريكيين وغيرهم.

ومن الجدير ذكره في هذا المجال، أنَّنا نرفض الإرهاب جملة وتفصيلاً، لأنَّنا من أكثر الناس معاناة له، وخاصة من الإرهاب الصهيوني في فلسطين الذي اقتلع شعباً من جذوره ليطرده من بلاده نهائياً ويأتي بدلاً منه بشعب آخر، وفوق ذلك، فإنَّ الإرهاب يملك غطاءً دولياً واسعاً في أكثر من موقع، حتى من قبل الذين يتحدّثون عن حقوق الإنسان ويرجمون الكثير من المواقع التي تختلف عن سياستهم ويتهمونها بأنَّها ضدّ حقوق الإنسان.

نقولها بالفم الملآن بأنَّنا لسنا إرهابيين ولا نحبّ العنف، ولكن لا يمكن أن نقدّم ضمّة ورد لمن يطلق علينا صاروخاً {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} (البقرة:194).

هذا هو العدل، نحن لا نؤمن بالعنف إلاَّ إذا كان حركة من أجل قمع عنف آخر، أو من أجل الوقاية من عنف آخر. كما أنَّنا نرفض ممارسة العنف عندما نملك حريتنا ونملك ثرواتنا ونملك استقلالنا.

وبعبارة أخرى، الإسلام هو دين رفق وليس دين عنف ولكنْ هناك عنف مبرّر وهو ما كان وسيلة للرد على الآخر، وهذا العنف موجود في كل واقع حضاري وإلاَّ ما معنى وجود كلّ وزارات الدفاع والحرب في العالـم؟ لماذا يحارب النّاس في كلّ العالـم؟ إنَّهم يحاربون للدفاع عن أنفسهم وعن أمنهم واقتصادهم وعن سياستهم وعن قراراتهم. نحن لا نفعل أكثر من ذلك، عندما ينطلق الاستكبار العالمي ليتحدّث عن المقاومة بأنَّها حركة إرهاب، وكذلك يتحدّث عن سوريا بأنَّها دولة داعمة للإرهاب، باعتبار أنَّها تدعم المقاومة في لبنان وفي فلسطين، ويتحدّث عن كلّ دولة تدعم حركة الشعوب لنيل حريتها بأنها دولة داعمة للإرهاب، ولكنَّه لا يتحدّث بأنَّ الاحتلال الإسرائيلي وقتله للآمنين هو حركة إرهاب، وهي التي افتعلت كلّ المجازر ومارست كلّ صنوف الإرهاب، فمن الذي نسف فندق الملك داود في أيام الانتداب؟ ومن الذي قام بكلّ المجازر من دير ياسين إلى مجزرة قانا؟ والمهزلة في ذلك أنَّ الاستكبار العالمي يدافع عنها بكلّ ما أوتي من قوّة، ويدّعي بأنَّ ما تقوم به يصبّ في الدفاع عن نفسها، سواء كان في لبنان أو في الضفة الغربية وغزة وحتى في قصفها للمفاعل النووي العراقي.

وفوق ذلك، فهم يفتحون كلّ القاموس السياسي ليختاروا منه الكلمات التي يرجموننا بها من أجل أن يشوهوا صورتنا في هذا العالـم. علينا إذاً أن نعمل من موقع أصالتنا وإيماننا بحريتنا، ومن أجل الحفاظ على كرامتنا وعزتنا، أن نؤكّد منطقنا ونحافظ على قاموسنا، حدّثنا اللّه عن الشيطان والذي يمكن أن يكون من شياطين الجنّ والإنس، لنستخدم كلمة الشيطان، وحدّثنا اللّه عن المستكبرين والمستضعفين لنستخدم هذه الكلمة. هذه كلماتنا انطلقت من عمق أصالتنا وديننا وقرآننا وتاريخنا، ولذلك فإنَّ كلّ كلمة من هذه الكلمات محمَّلة بكلّ هذه المسيرة التي عاشتها هذه الكلمة حتى اختزنت كلّ إيحاءاتها وكلّ ما فيها من انفتاح، لذلك لا تخافوا من كلماتهم واتهاماتهم، لا تستغرقوا في خططهم. القصة كلّ القصة أن نفكر، أن نخطط، أن نعرف من نحن، وماذا نريد قبل أن نفكر بما يريد الآخرون؟!

مشكلتنا في هذا الشرق أنَّنا مشدودون إلى الآخرين، ماذا تريد أمريكا؟ وماذا تريد اليابان والصين؟ ولا نفكر بماذا نريد، لأنَّنا عندما نفكر ندرك ونعي ما يريده الآخرون، فإمّا أن نتوافق معهم أو نرفض ما يريدونه، ولأنَّه لا نستطيع أن نكون أمّة تملك سرّ الحضارة وقوّة الموقع والموقف إلاَّ إذا عشنا وآمنّا بكلّ ما نملك من هذه الأصالة وانفتحنا على اللّه من موقع أن نستمد منه القوّة: {الذين قال لهم النّاس إنَّ النّاس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا اللّه ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من اللّه وفضل لـم يمسسهم سوءٌ واتبعوا رضوان اللّه واللّه ذو فضل عظيم} (آل عمران:173ـ174).

أخيراً نبقى مع الشعار المبدأ والقصة، حيث ينطلق التفسير لحركة المجتمع في الواقع {إنَّما ذلكم الشيطان يخِّوف أولياءه} ذلك لأنَّ سياسة التخويف هي سياسة شيطانية يخاف منها أولياء الشيطان {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} (آل عمران:175) لأنَّه عندما نخاف اللّه وحده، ونواجه خلق اللّه من موقع ما أعطانا اللّه من قدرة، سنحقق النصر، ونتكامل مع سيرة الرسول (ص)، كما جاء في قوله تعالى: {إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إنَّ اللّه معنا فأنزل اللّه سكينته عليه وأيّده بجنود لـم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة اللّه هي العليا واللّه عزيز حكيم} (التوبة:40).

ذلك هو معنى السيرة النبوية في حركة الواقع المعاصر، فهل نعود من جديد ليقودنا رسول اللّه (ص) في صراعنا مع الكفر كلّه والاستكبار كلّه، لا يزال الطريق مفتوحاً {إنَّ الذين قالوا ربّنا اللّه ثمَّ استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنّة التي كنتم توعدون} (فصلت:30).

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2267760

الأربعاء
22-نوفمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع