مقالات: المسجد بين اللغة والاصطلاح      •      دور الإمام علي (عليه السلام) في إرساء الحضارة الإسلامية      •      الإسلام والأسرة في مجتمع متطور      •      لماذا حرم الإسلام الموسيقى، وما فلسفة هذه الحرمة؟      •      أمثلة من نظام الخلق الدالة على وجود الله      •      مسائل وردود: هل يعد شَم الكاز GAZ مفطر؟      •      هل لعب الشطرنج مع الحاسوب جائز؟      •      هل يجوز الزواج لتكفير الذنب؟      •      في تبني الأولاد      •      هل بلع الدم الخارج من الأسنان يعد مفطرًا؟      •     
» مقالات عامة
» ما أروع يومك يا أبا عبدِ الله
» الكاتب: هاشم معروف الحسيني - قراءات [9775] - نشر في: 2009-03-01


شموخ مع التاريخ وصمود مع الأجيال يتجلى بكل وضوح في أفق الحياة الواسع، ومع سير الزمن السرمدي لا يطويه دوران الأيام ولا تنسيه الدهور والأعوام يجدد الآلام ويثير الأحزان والأشجان بالرغم من مرور المئات من الأعوام ذلك هو يومك الخالد يا أبا عبدالله الذي ضربت فيه أمثالا بلغت أقصى حدود السمو في التضحية والفداء وأوضحت المعالم البارزة للسبل التي يجب أن تكون منهجًا لعبور العقبات الصعاب في هذه الحياة فما أروع هذا الخلود وما أسمى معانيه لو برزت بوضوح حقائقها ورسمت دقائق خطوط أهدافها لترفع المشع الوهاج للأجيال المتعاقبة وتلتهم ثمرات تلك المآثر السامية وتستلهم منها الصبر والعقيدة لتحقيق الأهداف التي دعا إليها الإسلام وكافح من أجلها دعاته الوفياء لتطهير الأرض المقدسة من دنس الظالمين والغاصبين.

ما أروع يومك يا أبا عبدالله ويا أبا الشهداء ذلك اليوم الذي وقفت فيه تخاطب أنصارك وأهل بيتك قائلا: أما بعد فقد نزل بنا من الأمر ما قد علمتم وأن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعي الوبيل ألا ترون إلى الحق لا يعمل به وإلى الباطل لا تناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء ربه محقا فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما.

فكانت التضحية وكان الداء الذي أدمى القلوب ومزقها وكان النصر حليفه فلقد استقامت بشهادتك يا أبا عبدالله أركان الإسلام وتبين الرشد من الغي وظلت كلمة لا إلا الله محمد رسول الله التي حاربها الحزب الأموي مدوية في الفضاء خالدة في أجوائه خلود يومك.

لقد أراد لها يزيد بن ميسون الفناء بقتلك وأراد الله لك ولها البقاء فبقيت وبقيت مع التاريخ تستنير الأجيال بذكراك، ويستلهم منها المخلصون سبل الثورة على الظلم والطغيان وبقي ذكر أولئك الطغاة عارًا تتبرأ منه الأحفاد والأجيال وتتبعهم اللعنات ما دام التاريخ.

فما أصبرك يا أبا عبدالله وما أروع يومك حينما وقفت في أرض المعركة وحيداً لا ناصر لك ولا معين تتلفت يمينا وشمالا فلا ترى سوى أصحابك وبنيك وإخوتك صرعى على ثرى الطف المديد والأعداء تحيط بك من كل نواحيك تحدق في خيامك الخالدة إلا من النساء والأطفال والصراخ يتعالى من هنا وهناك وأنت تتلوى لهول ذلك المشهد وتلك الحشود الهائلة وقد شهرت أسنة رماحها في وجهك فتغمض عينيك من هول ذلك المنظر ومما حل ببيت الرسالة وأحفاد الرسول فلا تجد من يأويهم ويكفلهم من بعدك.

ثم تتلفت إلى أنصارك فلا ترى سوى الجثث المبعثرة من حولك فما أهوله من منظر وما أرزأها من مصيبة لم يحدث التاريخ بمثلها ومع كل ذلك فلم تلن لأولئك الطغاة ومضيت في ثورتك على الباطل ثورة الإيمان بكل معانيه وأبعاده على الكفر بكل أباطيله تقول: والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد وبقيت خالدًا خلود الدهر.

لقد تمخضت مواقف الحسين بن علي (ع) يوم عاشوراء ذلك اليوم التاريخي من خلال ما ارتسم فيها من البطولات والصمود أمام تلك الجحافل العاتية عن جلائل المعاني السامية وتجلت من سطورها الدامية روائع من صفحات الإيمان الثابت والعقيدة المخلصة وطفقت تحمل في مشاعلها نزعة الانعتاق من ربقة الاستغلال والاستعباد واندفعت تخط للأجيال أبعاد الكفاح الثوري وترسم للعصور سمات للصمود والثبات وتدفع بالمناضلين المكافحين إلى تعلقهم بما يرسمونه من تخطيط لمعتقداتهم الفكرية وما ينتهجونه من تحديد لمنطلقاتهم النضالية في المسار النضالي وما يحددونه من مواقف جريئة أمام تحديات الحاكمين واستغلالهم لخيرات الشعوب وأرزاق العباد.

إن المسار الثوري الذي حفلت به ثورة الحسين (ع) لقد عزز الكثير من طموح الشعوب المستغلة من أجل انهاض هذه الشعوب وإيقاد فتيل الثورة للإطاحة بالنظم المستبدة وإيجاد المجتمعات السليمة التي تحقق للشعوب حريتها وكرامتها وطموحاتها في التخلص من الاستغلال وتطوير الحياة وما يضمن لتلك الشعوب أمنها ورفاهيتها.

إن ثورة الحسين تركت في دروب الأحرار المجاهدين والصامدين علامات مضيئة تنير مسالك الكفاح وتمهد الطريق الذي يمكن كل ثائر إذا اعتمد في الدرجة الأولى على نزعة السخاء بالأرواح وبذل الأنفس من أجل العقيدة الثابتة ومن أجل مواقع الصمود للوصول إلى النصر.

إن طرح الحسين الخالد لهذا السخاء العظيم بتقديمه نفسه وذويه وصحبه واستشهادهم إلى جانبه مكن هذه الثورة من الديمومة والبقاء لتكون المنار لكل الثائرين الصامدين عبر مسيرات الانتفاضات الشعبية التي تحدث هنا وهناك ومكن لها الانتصار إذا اقترنت بالنزاهة والإخلاص وبمثل ذلك السخاء الذي قدمه الحسين وأنصاره من أجل الإنسان وكرامته. لقد انتصر الحسين (ع) باستشهاده انتصارًا لم يسجل التاريخ انتصارًا أوسع منه ولا فتحًا كان أرضى لله منه، وكان واثقًا من هذا الانتصار ومن هذا الفتح كما كان واثقاً من هزيمته عسكريًا كما يبدو ذلك من كتابه الذي كتبه إلى الهاشميين وهو في طريقه إلى العراق فقد قال فيه: أما بعد فإنه من لحق بي استشهد ومن تخلف لم يبلغ الفتح.

وكان ذكرنا فالفتح الذي يعنيه الحسين من كتابه إلى الهاشميين هو ما أحدثته ثورته من النقمة العامة على الأمويين وما رافقها من الانتفاضات التي أطاحت بدولتهم.
التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2181896

الأربعاء
20-سبتمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع