مقالات: سماحة آية الله الشيخ محمد تقي بهجت (قدس سره) [1334 - 1430]      •      في أسباب الغيبة وطول العمر      •      عاشوراء رمز وشعار لمقارعة الاستكبار      •      الرقابة الإلهية في حياة الإنسان      •      دلالة المعجزة في القرآن      •      مسائل وردود: ماهو العمر الشرعي لارتداء الحجاب في المذهب السني؟      •      لدي خطأ في الوضوء، هل تجب إعادة الصلاة؟      •      في النَذرْ      •      في التابعة وعلاجها      •      هل يجب إقامة الحد على التائب؟      •     
» مقالات أخلاقية
» المصائب وسيلة لتفجير القابليات
» الكاتب: آية الله الشيخ الشيخ جعفر السبحاني - قراءات [9831] - نشر في: 2010-01-16


يحطّ الإنسان قدمه على هذه الأرض و هو يحمل في كيانه جملة كبيرة من القابليات و المواهب التي تبقى في مرحلة القِوى و في صورة الطاقات المعطّلة المخزونة، إلاّ أن تتوجّه إليها صدمة قويّة تحرك القابليات، و تفجّر المواهب، و تُظهر المعادن، و تصقل الجواهر.


و بعبارة واضحة: إذا لم يتعرّض الإنسان للمشاكل في حياته فإنّ قابليّاته و مواهبه المكنونة بين جوانحه ستبقى جامدة هامدة لاتنمو و لاتنفتح، بل تبقى في مرحلة القوّة و الذخيرة المهملة، فإذا تعرّض الإنسان للمشاكل والمحن تفتّقت فيه تلك القابليات، و نمت تلك المواهب، و انتقلت الطاقات الكامنة من مرحلة القوّة إلى مرحلة الفاعلية، و تفتّحَ فكره، و تكامل عقله.


و لايعني هذا أن يعمد الإنسان بنفسه إلى خلق المشاكل، و إثارة الشدائد و المصائب و جرّها إلى نفسه ابتداءً، بل يعني أن يستقبلها الإنسان ـ إذا جاءت ـ برحابة صدر، و يستفيد منها في تفجير قابلياته، و تنمية مواهبه، و إذكاء عقله، و تقوية روحه، لا أن يستسلم أمام عواصفها، أو ينهزم أو ينهار، فلا يحصد إلاّ الخسران، و لا يقطف إلاّ ثمرة السقوط المُرّة.


إنّ البلايا و المصائب و المحن خير وسيلة ـ لو أحسن المرء استغلالها و استخدامها ـ لتفجير الطاقات، بل تقدّم العلوم، ورقيّ الحياة البشريّة.


فهاهم علماء الحضارة يصرّحون بأنّ أكثر الحضارات لم تتفتّق و لم تزدهر إلاّ في أجواء الحروب و الصراعات و المنافسات، حيث كان الناس يلجأون فيها إلى استحداث وسائل الدفاع و في مواجهة الأعداءِ المهاجمين، أو إصلاح ما خلّفته الحروب من دمار و نقص و تخلّف، أو تهيئة ما يستطيعون به على مقاومة الحصار مثلاً.

 

فقد كانت ـ في مثل هذه الظروف ـ تتفتّق المواهب و تتحرّك القابليّات لملافاة ما فات، و تكميل ما نقص و تهيئة ما يلزم. و من هنا قالوا: "إنّ الحاجة اُمّ الاختراع".


قال العلامة الطباطبائي في هذا الصدد:

«إنّ البحث الدقيق في العوامل المولّدة للسجايا النفسانيّة بحسب الأحوال الطارئة على الإنسان في المجتمعات يهدي إلى ذلك، فإنّ المجتمعات العائلية و الأحزاب المنعقدة في سبيل غرض من الأغراض الحيوية دنيويّة أو دينيّة في أوّل تكوّنها و نشأتها تحسّ بالموانع المضادّة و المحن الهادمة لبنيانها من كلّ جانب فتتنبّه قواها الدافعة للجهاد في سبيل هدفها المشروع عندها، و يستيقظ ما نامت من نفسيّاتها للتحذّر من المكاره، و التفدية في طريق مطلوبها بالمال و النفس، و لا تزال تجاهد و تفدي ليلها و نهارها، و تتقوّى و تتقدّم حتى تمهّد لنفسها فيها بعض الاستقلال و يصفو لها الجوّ بعض الصفاء، و تأخذ بالاستفادة من فوائد جهدها».


ثم إنّنا لاندّعي بأنّ هذه النتائج و الثمار توجد دائًما في جميع الحوادث و الكوارث، و إنّما في أغلبها.


فإنّ أغلبيّة هذه المصائب و البلايا تعطي دفعة قويّة لقابليات الأفراد، و تطرد الكسل عن نفوسهم و الجمود عن أفكارهم.

 

أليس الحديد يزداد قوة و صلابة كلّما تعرّض للنار، و أليس السيف يزداد حدة و قاطعية كلّما تعرّض للمبرد.

 

و من هنا فإنّ الوالدين اللذين يعمدان إلى تربية ولدهما تربية ناعمة مرفّهة بعيدة عن الصعوبات و الشدائد، لايقدّمان إلى المجتمع إلاّ إنسانًا هزيلاً ضعيف الإرادة فاقد الطموح، أشبه ما يكون بالنبتة الغضّة في مهبّ الريح، بل و التبنة الخفيفة الوزن أمام هبوب العاصفة تأخدها يمينًا و شمالاً.


و أمّا الذي ينشأ نشأة خشنة محفوفة بالمشاكل و المصائب، و المصاعب و المتاعب، فإنّه يكون أشبه بالصخرة الصلبة التي تتكسر عليها كلّ السهام، و تتحطّم عندها كلّ العواصف أو كما وصف الامام علي (عليه السلام) إذ قال: «ألا إنّ الشجرة البرية أصلب عودًا، و الروائع الخضرة أرقّ جلوداً، و النباتات البدوية أقوى وقودًا، و أبطأ خمودًا».


و إلى هذه الحقيقة ذاتها يشير قوله سبحانه: ﴿
فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [ النساء/19].

و قوله تعالى: ﴿فَاِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً * اِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح/5و6].

و قوله سبحانه: ﴿فَاِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَ اِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [ الشرح/7و8].

أي تعرّض للنصب و التعب بالإقدام على العمل و السعي و الجهد كلّما فرغت من العبادة، و كأنّ النصر و المحنة حليفان لا ينفصلان، و إخوان لايفترقان.


و خلاصة القول: إنّ القدرة على المقاومة و الظفر بالنجاح يتوقّف على صلابة الإنسان الحاصلة من المرور بالصعوبات و المشاق، ليزداد قوّة إلى قوّة، و تماسكًا إلى تماسك كما يزداد الحديد صلابة إذا تعرّض لمطرقة الحدّاد، و لكي يخلص عقله و روحه من علائق الكسل و الجمود كما يخلص الذهب من الشوائب إذا تعرّض لألسنة اللهب.

التعليقات
 
إلى أعلى إلى الخلف - Back إرسال إلى صديق طباعة
حوزة الإمام أمير المؤمنين (ع) الدينية
القائمة الرئيسية
مسائل وردود
الصوتيات والمرئيات
المكتبة المقروءة
خاص بالموقع
إســــتــبــيــــــــــــان

 

تابعــونا علـى موقع التواصل الاجتماعي


عدد الزوار
2267756

الأربعاء
22-نوفمبر-2017

أضفنا للمفضلةالصفحة الرئيسية سجل الزوار عناوين الاتصال بالحوزة راسل إدارة الحوزة خريطة الموقع راسل إدارة الموقع